Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"زنوبيا" السورية في قبضة "إرميتاج" الروسي

يبدي العلماء الآثاريون الروس اهتماما كبيرا بمدينة تدمر واستعدادهم للمشاركة بجهود الترميم

قلعة فخر الدين المعني الثاني لحقتها أضرار جراء الحرب الأخيرة (المديرية العامة للأثار والمتاحف)

لا تنكفئ محاولات موسكو من التمدد، وعقد الاتفاقيات على الأراضي السورية محكمة قبضتها على مواقع ومرافق حيوية منها مطارات وموانئ وقواعد عسكرية تتسابقُ معها القوى الحليفة للاستحواذ على المزيد. يأتي كل ذلك بعد نجاح حليف دمشق الإستراتيجي من كسب المعارك الميدانية والدبلوماسية لصالح السلطة واستعادتها أراض فاقت مساحتها أكثر من نصف مساحة البلاد.

ومع ما تبذله روسيا الاتحادية لنصرة حليفها السوري، إلا أنها في الوقت ذاته لا تفوت اقتناص الفرص المؤاتية لزيادة تغلغلها بعد دخولها بجدية إلى الساحة السورية عام 2015، وباتت عرابةً لأبرز الخطط الميدانية وسط استغراب السوريين وذهولهم في الداخل والخارج.

أمجاد القيصر

ومن عقود استخراج المواد الخام بينها النفط والفوسفات وغيرها من الصفقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ، فهي لم تعد عرابة المستقبل السوري فحسب بل وضعت يدها على تاريخها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاء ذلك واضحاً بعد اتفاقية بين المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية ومتحف "إرميتاج" في سان بطرسبورغ الروسية، وينبئ الاتفاق، وفق ما تحدثت مصادر متخصصة، حول تبادل الخبرات، كما تشير بنود الاتفاق إلى تدخل الجانب الروسي بترميم الممتلكات الثقافية السورية في مدينة تدمر، إضافة إلى تدريب الكوادر السورية ورفع كفاءتها في مجال ترميم المنحوتات الأثرية الحجرية، لا سيما أن معظم الآثاريين، بحسب المصادر في مديرية الآثار العامة، هاجروا خارج البلاد أو تركوا أعمالهم بسبب ظروف الحرب والنزوح.

ومن الآثاريين من قتلوا، ومن أبرزهم عالم الآثار السوري، خالد الأسعد، الذي أعدمه تنظيم "داعش" في 18 أغسطس (آب) 2015، وكان حينها يشغل مدير آثار ومتاحف تدمر، أعدمه التنظيم الإرهابي بسبب رفضه الإفشاء عن أماكن مهمة جداً لمواقع الكنوز الأثرية في تدمر.

الحضارة لا حدود لها

في مقابل ذلك ينظرُ مراقبون في الشأن ذاته أنه، وبعيداً من السياسة، تحمل هذه الخطوة بعداً إنسانياً وأخلاقياً تجاه مدينة تهم العالم بأسره "توقيع الاتفاق مع الجانب الروسي ما هو إلا دور ثقافي متاح للجميع المشاركة به وليس حكراً على الروس، لكنهم مهتمون من باب الدور الثقافي وتدريب الكوادر الأثرية السورية".

ومع ما يبديه الروس من رعاية المدينة المسجلة على لائحة التراث العالمي، اليونيسكو، لا يتوانى العلماء الروس الآثاريون عن التصريح باهتمامهم بالمدينة وزعمهم بذل كل الجهود للمشاركة بالترميم واستعدادهم لتطوير الكفاءات السورية، وهذا أمر يُحسب إيجاباً لموسكو، وسط تراجع الدول الأوروبية عن الوقوف إلى جانب سوريا وحضاراتها.

سرّ العمارة

في هذا الوقت، كشف البروفيسور الروسي ميخائيل بتروفسكي مدير متحف "إرميتاج" عن أهم مقتنيات متحف بلاده، وهو قانون الجمارك التدمري، وعدد من اللوحات التشكيلية لفنانين عالميين، وذكر على هامش توقيع الاتفاق بعرض أثري تحدث فيه عن مدى تأثير بناء المتحف في نمط وشكل العمارة التدميرية.

حديث البروفيسور بتروفسكي يقود إلى تبرير موقف المديرية العامة للمتاحف السورية إلى الاهتمام الروسي المتزايد، لا سيما من متحف مهم في سان بطرسبورغ لكونه يمثل نوعاً من رد الجميل لتدمر المدينة الحضارية التي ترك تأثيرها في الشعوب وثقافاتها أيضاً.

وينقسم آثاريون حول غايات الحضور الروسي وينظرون بعين الريبة من الإمساك والتمدد في تدمر إلى هذا الحد الكبير في حين يتنامى وجوده من جوانب متعددة منها الإنسانية. وترافق الاتفاق الأخير مع متحف "إرميتاج" بتقديم مركز التنسيق الروسي الأربعاء 27 نوفمبر (تشرين الثاني) مساعدات إنسانية غذائية وطبية لحوالى 400 أسرة في مدينة تدمر، ولوازم مدرسية هدية من الحكومة الروسية عدّها الأهالي لفتة طيبة ممن وصفوهم بالأصدقاء.

في عين المواجهة

مقابل ذلك، لا يتوقف اهتمام القيادة الروسية بمدينة "زنوبيا" الملكة التدمرية حيث تقاطر الجنود الروس مرتين لتحريرها من أيدي أشد التنظيمات المتطرفة "داعش" على إثر استباحة أفراد التنظيم للمدينة في مايو (أيار) 2015، وعاد التنظيم ليسيطر عليها في مارس (آذار) 2016 ملحقاً أضراراً بالمكان.

ومن الأضرار في مدينة تدمر، تدمير عناصر التنظيم قوس النصر وأضرار في قلعة فخر الدين المعني الثاني، وإلحاق أضرار كبيرة بآثار المدينة التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث وإلى الألفية الثانية قبل الميلاد. ووصفت وقتها المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو، إيرينا بوكوفا، أعمال تنظيم "داعش" بالعدائية. وقالت في مايو عام 2015 إن القتال في هذه المدينة التاريخية يشكل خطراً على أحد أهم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط.

سمّ الملكة

لم تشأ مدينة تدمر التاريخية الرابضة في البادية السورية أن تقع فريسة سهلة بيد الغزاة والطامعين كما حال ملكتها "زنوبيا"، فضلت أن تقتل نفسها وضحّت لأجل مدينتها. ولطالما كانت تدمر عصية عليهم، وما حجارتها الكبيرة إلا شاهد على صلابة أهلها، وهذا ما حصل مع أشد الغزاة همجية "داعش" حين أرادوا إبادة حجارة مدينتهم، هكذا يعبر باحث أثري، فضل عدم الكشف عن هويته.

ويرجح الباحث الأثري "أن ضعف الإمكانيات السورية دفعت دمشق إما بالسعي إلى "إرميتاج" أو قبول طلب المتحف، لا ندري، ولكن كل ذلك لا يهمه إذا كان بالنتيجة ينعكس بنتائج مهمة على الآثار". الباحثون يصفون تدمر بجوهرة العرب في حين يلفت خبراء المتاحف السورية إلى ضرورة ترميم ما دمّر جراء الحرب الأخيرة مع الحفاظ عليها، "لا يمكن التشكيك بالدور الروسي إلى هذا الحد، على الرغم من كل التوغل اللافت للنظر في سوريا، وآخرها الآثار، إلا أن الواقع السوري يفرض ذلك".

ويعزو متابعون تقدم البعثة الروسية إلى عدم وجود بعثاث أثرية من دول أخرى وقلّتها بسبب الحرب، وكانت ستعطي خبرتها كما السابق، منها البعثات الألمانية والفرنسية والبريطانية، وتراجع دورها أفسح في المجال للروس للعمل. ومن أكثر المواقع الأثرية شهرة في المدينة هي "القلعة" ومعبد الإله "بل وبعلشمين ونبو" و"قوس النصر" و"مجلس الشيوخ" والسوق العامة والمدافن البرجية، إضافة إلى الحمامات.