الحريري متفوقا على خصومه!

يعتقد مقربون من حزب الله أن عودة رئيس الحكومة المستقيل ضرورية لإصلاح ما أفسده النهج السياسي الذي يمثله

على مدى السنوات الثلاث من تولي الحريري رئاسة الوزراء تشكَّل كثير من الملاحظات المنهجية حول أدائه الحكومي والسياسي (رويترز)

منذ إعلان استقالته من رئاسة الحكومة، أبدى الرئيس سعد الدين الحريري نمطاً جديداً من الأداء السياسي، شكَّل صدمةً لدى الطرف الآخر (الخصم والحليف)، الذي دخل معه في مفاوضات ماراتونية بهدف رسم معالم المرحلة المقبلة، كلٌّ لمصلحته ورؤيته وتأمين الانتقال إلى استيعاب التحديات التي أفرزتها الانتفاضة على الواقع السياسي اللبناني، إن كان باتجاه التأسيس لإعادة إنتاج النظام اللبناني ومنظومة الحكم تقلل من المحاصصة بالحد الأدنى إذا تعذّر الوصول إلى الانقلاب عليها بالكامل، أو إعادة إنتاج التركيبة السياسية الحالية، وتجديد صورتها على حساب تبني المطالب الشعبية الداعية إلى التغيير الشامل، وبالتالي إعادة إنتاج نفسها على نصاب الاستجابة المرحلية والمتدرجة لشروط الإصلاح السياسي والاقتصادي والمالي والإداري ومحاربة الفساد.

على مدى السنوات الثلاث الماضية من تولي الحريري رئاسة الوزراء، تشكَّل كثير من الملاحظات الجدية والمنهجية حول أدائه الحكومي والسياسي، اتهمته في الدرجة الأولى بالضعف نتيجة التزامه بالتسوية الرئاسية مع رئيس الجمهورية على حساب دوره وموقعه السياسي في تركيبة النظام، إضافة إلى تراجع تأثيره أمام الطموح "المتوحش" لوزير الخارجية صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل.

في المقابل، تكوَّنت قناعةٌ لدى الحريري أن المطلوب منه سياسياً وشعبياً تحمُّل مسؤولية ونتائج التسوية الرئاسية، خصوصاً من القوى والأحزاب التي تولَّت عملية "هندسة" هذه التسوية، وسهَّلت عملية فرض الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية في إطار تسويات ثنائية، وتقاسم الحصص مع التيار الوطني الحر.

الصدمة "الإيجابية" التي تحدَّث عنها الحريري في خطاب استقالته من الحكومة، تحوَّلت مع الكشف عن انتهاء المفاوضات المكوكية التي قادها مع ممثلي القوى الرافعة للعهد، أي التيار الوطني الحر والثنائي الشيعي في حركة أمل وحزب الله، إلى تبني خيار موافقته على تسمية الوزير السابق والإشكالي في تورطه في الفساد محمد الصفدي بديلاً له يرضى عنه القصر الجمهوري والرئيس عون في رئاسة الوزراء، تحوَّل الأمر إلى "صدمة إحباط"، المطلوب منها جر الحراك والانتفاضة الشعبية والشعارات التي رفعتها للإصلاح والمحاسبة الاصطدام بحائط السلطة، وتمسُّكها بما تعدُّه مكتسبات لها في معركتها مع قوى التغيير، قبل وضع هذه المواجهة في إطار الصراع والتصدي لمؤامرة دولية تسعى لإسقاط العهد، واستهداف ومحاصرة حلفائه.

وعلى اختلاف الروايات التي قدَّمها "الرباعي" المعنيُّ بالبحث عن مخارج للأزمة الحكومية، أي التيارين الحر والمستقبل والثنائي الشيعي، خصوصاً المستقبل والثنائي، التي تحاول رمي كرة اختيار وتسمية الصفدي مرشحاً لتشكيل الحكومة الجديدة، وأن الذهاب إلى هذا الخيار جاء بعد اصطدام كل الأسماء التي طُرحت على طاولة المفاوضات برفض طرف من هذا الرباعي لاعتباراتها الخاصة، إلا أنها كانت متفقة على رمي المسؤولية النهائية في الاختيار على عاتق الحريري، الذي أصرّ على رفض العودة إلا بالشروط المعلنة التي التزم بها بأن تكون الحكومة "تكنوقراط" غير سياسية، وتمسُّكه بحقه في تسمية الرئيس المقبل، وأن يكون شريكاً أساسياً في التشكيلة، وممثلاً حصرياً للمكوّن الطائفي والسياسي الذي ينتمي إليه.

الجلسة الثلاثية بين الحريري والثنائي الشيعي، طفا على سطح الحوارات اسم الوزير الصفدي مرشحاً بديلاً محتملاً، رمى به الحريري على الطاولة بعد مفاوضات خاضها مع ممثل التسوية الرئاسية الوزير باسيل، ورفض هذا الثنائي كل الأسماء التي قدَّمها الحريري الساعي إلى رمي كرة الخروج من الأزمة، التي يعانيها لبنان اقتصادياً وسياسياً في ملعب الآخرين، وهذه التسمية لم تواجه رفضاً من قِبل الثنائي، التي كان يتوقع أن تنتقل الأمور إلى مزيدٍ من التفاوض مع رئيس الجمهورية قبل الإعلان عنها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التسريب الذي صدر عن مقر إقامة الحريري "بيت الوسط" والموقع الإلكتروني التابعة إليه "المستقبل وب" عن تسمية الصفدي لرئاسة الوزراء بعد الجلسة مع ممثلي الثنائي الشيعي، والتزام هذا الثنائي الصمت وعدم تقديم توضيح لموقفه من هذا التسريب، والاكتفاء بعد نحو 20 ساعة بتأكيد أنه لم يبدِ رأيه بهذه التسمية في تلك الجلسة، أصاب الحزب وقواعده الشعبية والمثقفة والمسيَّسة بشبه "صدمة" أوصلته إلى حافة عدم التوازن والإرباك في تسويغ هذه الموافقة أو السكوت، التي تطرح كثيراً من علامات الاستفهام حول الشعار الذي رفعه، ويرفعه الحزب فيما يتعلق بموضوع محاربة الفساد والمفسدين، الجهود التي يبذلونها لتأكيد مبدأ أن الحزب يلتقي مع الانتفاضة الشعبية في مطالبها "المحقة" برفض المحاصصة والنهب والسرقة وإعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة المُصَادرة من قِبل أحزاب الفساد وأزلامهم.

وذهبت أوساط مقرّبة من حزب الله إلى تأكيد عدم وجود أي نوع من أنواع الاتفاق بين الحزب والحريري حول تسمية الصفدي، وفي حال وجود مثل هذا التفاهم فإن الإخراج له لا يجب أن يكون على الشكل الذي تم به، لذلك فهي تعتبر أن الهدف الحقيقي وراء هذا التسريب من قِبل الحريري، ثم التنصُّل منه علناً يخدم هدفاً "شيطانياً" أكبر يتمثل في مساعي "تعرية المقاومة" أمام بيئتها الخاصة والعامة، وأن هذا المسار هو استراتيجية أميركية "خبيثة" تظهر الحزب والمقاومة جهةً تتبنى الفساد سلوكاً وتحاربه ظاهرياً.

وتعتقدُ هذه الأوساط أنه كان من المفترض أن يتمسَّك الحزب بموقفه المتمسك بعودة الحريري إلى الحكومة من منطلق عدم تقديم أي تنازل للأميركي، وأن يتحمَّل الحريري ومعه القوى السياسية والأحزاب مسؤولية معالجة الأوضاع الاقتصادية، وأن لا يقع في الفخ الذي نُصب له بتسمية الصفدي، باعتباره استفزازاً من الحريري هدفه تأجيج الشارع أكثر، وبالتالي مزيدٌ من تأزيم الوضع، لذلك وكما تعتقد هذه الأوساط فإن عودة الحريري كانت ضرورية ليقوم بإصلاح ما أفسده النهج السياسي الذي يمثله، لا أن يتم منحه مخرجاً ليتحول معه لاحقاً إلى منقذ في حال لم يسمح الشارع بتمرير تكليف الصفدي، وأن يتحوَّل الأخير إلى جسر لعودة الحريري إلى الحكومة منقذاً للبلاد بالشروط الأميركية، خصوصاً أن لعبة الشارع لم تنته بعدُ، ما قد يضع الحزب في مواجهة أكثر تعقيداً، وهذه المرة لن تكون مقتصرة على الشارع المنتفض، بل ستكون مع بيئته التي آمنت بالشعارات التي رفعها بمحاربة الفساد والفاسدين.

المزيد من تحلیل