استقالة الحريري...إنجازات الانتفاضة الشعبية والاصطفافات السياسية

بدا رئيس الوزراء المستقيل أنه يخلع قميص الانهيار الاقتصادي ويلقيه على الآخرين

صورة لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بعد تقديمه استقالة حكومته بعد موجة احتجاجات شعبية غير مسبوقة 29 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

من السذاجة بمكان أن يقتنع أي من المراقبين أو المتابعين للشأن اللبناني والعارفين بخفايا الأمور والمترصدين لخلفيات المواقف في لبنان والحياة السياسية فيه، القول إن الشارع الشعبي والانتفاضة التي شهدتها الشوارع والساحات العامة على مدى ثلاثة عشر يوما هي التي دفعت منفردة رئيس الحكومة سعد الدين الحريري إلى الاستقالة. وقد يكون من حق الحراك المدني المعترض بحق على ما وصلت إليه الأمور الاقتصادية والمعيشية من تردٍ، أن يرى في الانتفاضة التي قام بها العامل الأساس في استقالة الحكومة وإجبار رئيسها على الخضوع لمطالب الشارع الشعبي، فالطبقة السياسية في لبنان على درجة من الوقاحة وعدم المبالاة بهموم الطبقة الفقيرة وقوى الاعتراض الشعبي بحيث يكمن القول فيها "أسمع ما تقولون وأفعل ما أريد"، وهي تعمل على توظيف الشارع الشعبي من أجل تحصين مواقعها وتحسين شروطها أمام بعضها البعض. وهي هنا أمام الانتفاضة الأخيرة التي تبدو أنها خارج الاصطفاف الطائفي وبعيدة عن الاستقطابات الحزبية والمذهبية لم تتراجع عن منطلقاتها في التعامل مع اللبنانيين والحفاظ على مصالحها وحصصها، وقد تمترست وتحصنت خلف هذه الظاهرة الجديدة متربصة الفرصة السانحة لإفراغها من مضمونها وإعادتها إلى الحاضنة المذهبية والعودة إلى توظيفها في إطار مشروعات تعزيز مواقعها في معركة شد حبال المصالح بينها.

ما أنجزته الانتفاضة الشعبية المطلبية، ويحق لها أن تتفاخر به، أنها تحولت إلى ورقة أشهرتها القوى السياسية لممارسة الضغط على بعضها البعض، وأن تعتبر أن لجوء الحكومة إلى إقرار الورقة الإصلاحية التي ترفضها جاء بضغط من الحراك في الشارع، وأن التعامل الذي شهدته ساحات وشوارع الاعتصامات من القوى الأمنية والعسكرية عزز سلمية هذه التحركات، وأن لجوء القيادات التي تمسك بمقاليد القرار وزمامه إلى مخاطبة جماعات الحراك شكّل علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية، من رئيس الجمهورية ميشال عون مرورا بأمين عام حزب الله حسن نصر الله ومواقف زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وصولا إلى خطاب الاستقالة للحريري، إلا أنه وعلى الرغم من أن الخطابات في بُعدها المباشر توجهت إلى المعترضين، فإنها في حقيقتها كانت رسائل متبادلة بين القوى السياسية التي تتقاسم القرار اللبناني والمواقع داخل الحكومة وتركيبة السلطة، التي تراوحت بين الدعوة للتهدئة والتهديد بالعقاب في حال قامت بجر الأمور والبلاد إلى أماكن لا يرغب فيها أحد، وأنها قد تؤدي إلى قلب الطاولة على الجميع بما يسهم في خلط الأوراق وما يعنيه ذلك من إمكانية خروج أطراف من الحياة السياسية نهائيا في إطار إعادة هيكلة النظام اللبناني على أسس ومعطيات جديدة ومختلفة.

وفي الوقت الذي يعتقد الناشطون في الانتفاضة الشعبية وبعض الذين يملكون القدرة على التحدث باسمها، أنهم مستمرون في الإجراءات والمواقف التي أعلنتها هذه الانتفاضة، كالاستمرار في الإبقاء على "قطع الشوارع وشرايين التواصل بين المناطق" لحين الدفع بالطبقة السياسية والبرلمان اللبناني لإقرار قانون انتخابات جديد يعيد إنتاج الطبقة السياسية ويضرب حصرية الأحزاب المهيمنة، فإن القيادات والزعامات السياسية التي شكلت الغطاء الرئيس لهذه الانتفاضة سارعت للدعوة إلى إنهاء هذه الظاهرة تحت ذريعة "تيسير أمور الناس" والانتقال إلى الاعتصامات في ساحات محددة وموزعة على المدن اللبنانية والاستمرار في معركتها لتحقيق المطالب التي ترفعها، ما شكّل أولى إشارات تخلي هذه القيادات والزعامات عن الانتفاضة بعد أن أدت الدور المطلوب منها، وبات من الضروري أن توقف عملية الضغط التي مارستها على السلطة بما يسمح للقوى السياسية الانتقال إلى مرحلة توظيف هذه الإنجازات بما يخدم نظام المصالح بينها.

فاستقالة الحريري لم تلحظ أو تأت نتيجة فشله في تطبيق الخطة الاقتصادية التي أعلن عنها، والتي تم فرضها على القوى السياسية بقوة التهديد بعد أن كانت بعض الأطراف في الحكومة ترفض إقرارها، فهو لم يطلق آلية تطبيقها بعد، والاستقالة أيضا لم تأت بسبب عدم قدرة رئيس الحكومة على تطبيق الخطط الاقتصادية والإدارية والسياسية التي تطالب بها الانتفاضة، بل جاءت بعد فشله في فرض مطالب سياسية هي موضع اتفاق بينه وبين قوى سياسية داخل الحكومة مع الشارع، خصوصا ما يتعلق برفض هذه القوى المشاركة في أي حكومة (جديدة أو معدلة) في حال أصر كل من رئيس الجمهورية وحزب الله على تمثيل التيار الوطني الحر بشخص أمينه العام الوزير جبران باسيل، وهي معركة تشكل جزءاً من المطالب الشعبية والاقتصادية والمالية التي رفعتها الانتفاضة، وقد تحولت الانتفاضة إلى ورقة استخدمها الحريري والقوى السياسية لما وصفه "بالصدمة الإيجابية" مخاطبا "كل الشركاء في الحياة السياسية" بضرورة العمل لإنقاذ لبنان ومنع الانهيار الاقتصادي الذي يتهدده، وهو ما لا يريد تحمل مسؤوليته منفردا خصوصا بعد أن قرأ جيدا الرسالة التي جاءت على لسان حاكم البنك المركزي اللبناني رياض سلامة بأن الانهيار هو "قضية أيام".

الحريري في استقالته أراد أن يخلع "قميص الانهيار الاقتصادي" وأن يرميه على عاتق الآخرين وأن يكونوا شركاء معه وفيه. وهو بذلك خلع أيضا كل المطالب الشعبية، وفتح الطريق أمام عملية تعرية الانتفاضة من مطالبها المحقة واعتبار استمراريتها عاملا أساسيا في الوصول إلى هذا الانهيار خصوصا أن الحاكم سلامة كان واضحا في الربط بين الانهيار واستمرار الاعتصامات.

في بعد آخر، تسلح الحريري بالمطالب التي رفعها الشارع والضغط الذي فرضه خلال الأيام السابقة على الطبقة السياسية، وقام بزعزعة التسوية التي عقدها مع نظيره السياسي باسيل، التي قد تعيدهما إلى مواقعهما في الحكومة المقبلة في حال أعيد تكليفه بتشكيلها، لكن أقل تأثيرا ومشاغبة، إلا أن البعد الأهم يكمن في أن الحريري سعى ويسعى للتخلص من العبء الذي يشكله الظل الثقيل لحزب الله على الحكومة والفاتورة السياسية التي يتكبدها على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية بسبب هذه الشراكة، وبالتالي فإن أي تسوية جديدة قد يكون المطلوب منها إقليميا ودوليا تشكيل حكومة من دون مشاركة هذا الحزب مقابل الحصول على الدعم الإقليمي والتأييد الدولي، وهي تسوية محفوفة بالمخاطر خصوصا أن الحريري كان صاحب شعار "عدم إمكانية استثناء أي من الأطراف اللبنانية" من المشاركة في العملية السياسية بغض النظر عن الموقف منها.

المزيد من تحلیل