اختراع عراقي: اِخسرْ في الانتخابات واربحْ وظيفة مستشار رئيس

تعيين المستشارين هو جزء من نظام المحاصصة، فالكتل تتفق على تعيين الخاسرين في مناصب استشارية مقابل أصوات كتلهم

أقر مجلس النواب العراقي في العام 2018 قانوناً يحدد عدد مستشاري كل رئيس ووزير (غيتي)

تسبب تعيين الرئيس العراقي برهم صالح ثلاثة مستشارين له من النواب السابقين الذين لم يحالفهم الحظ في الانتخابات البرلمانية الماضية (2018)، بأزمة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتركزت غالبية التعليقات على سرقة المال العام والمحاباة في العمل العام.
والنواب السابقون المستشارون الحاليون هم: ميسون الدملوجي (قائمة الوطنية العراقية برئاسة أياد علامي) وحسن السنيد (حزب الدعوة) وحنان الفتلاوي (قائمة دولة القانون برئاسة نوري المالكي).

مستشارون بلا معايير
يقول المحلل السياسي والأمني رحيم الشمري إن "معظم النواب الذين خسروا في الانتخابات للدورات السابقة يحصلون لاحقاً على وظائف في رئاسات الجمهورية والوزراء والبرلمان".
يضيف "لا توجد معايير ومحددات لتعيين المستشارين، لذلك تتخذ الرئاسات الثلاث قرارات التعيين وفق المصالح التي تربطها بالكتل، وإذا ما رغبت في كسب ود كتلة معينة توفر وظائف لنوابها السابقين الذين باتوا عاطلين من العمل. ولا بد هنا من التذكير بأن هؤلاء النواب يعيشون بطالة مقنعة ولا يقدمون شيئاً، وبعضهم لم يقم بواجبه حينما كان نائباً أو وزيراً. وكثيرون منهم لا يملكون خبرات تؤهلهم للعمل مستشارين".
تعيين النواب والوزراء الخاسرين في الانتخابات ليس أمراً حديث العهد في العراق. الرئيس الأسبق جلال طالباني، مثلاً، عيّن النائب السابق عن التيار الصدري أمير الكناني بصفة مستشار في رئاسة الجمهورية، على الرغم من تجنب الكناني الترشح في الانتخابات البرلمانية آنذاك (2014) بأمر من السيد مقتدى الصدر الذي كان يغيّر وجوه مرشحي تياره في كل دورة انتخابية.
كذلك فعل الرئيس السابق فؤاد معصوم، إذ عيّن (2016) بناته الثلاث مستشارات في رئاسة الجمهوية، وكانت إحداهن وزيرة سابقة (في حكومة أياد علاوي)، وأخرى كانت نائباً، وكانتا عاطلتين من العمل بعد تغيير الحكومة وخسارة الثانية في الانتخابات. كذلك عيّن معصوم وزير الأمن الوطني السابق شيروان الوائلي (2016)، الذي لم يتمكن من الفوز في الانتخابات البرلمانية، مستشاراً في رئاسة الجمهورية.

قانون للحد من تعيين السياسيين الخاسرين
رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي لديه الآن 19 مستشاراً بمسميات مختلفة، على الرغم من أن قانون تنظيم عمل المستشارين الذي اقرّه البرلمان السابق في مارس (آذار) 2018 عقب التظاهرات الإصلاحية التي انطلقت في بغداد واستمرت شهوراً حدد عدد المستشارين في الرئاسات الثلاث والوزارات بهدف الحد من ظاهرة تعيين السياسيين العاطلين من العمل مستشارين.
القانون الجديد يلزم رئيس البرلمان دفع رواتب لستة مستشارين فقط، أي أن 13 مستشاراً من السياسيين والبرلمانيين العاطلين من العمل هم فخريون ولا يتقاضون رواتب، لكنهم يكلفون موازنة الدولة مبالغ ليست بالقليلة اثناء سفرهم وتنقلاتهم إضافة إلى استخدامهم عناصر قوى الأمن والمكاتب والمقار الرسمية.
وجاء في المادة الأولى من القانون أن "لكل من مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء عدداً من المستشارين بمكاتب مختصة لكل مستشار وبدرجة خاصة عليا لا يزيد عددهم على ستة، ويرتبطون ارتباطاً مباشراً برئاسة الجهة المعنية".
ونصت المادة ذاتها في الفقرة الثانية على تحديد عدد المستشارين في الوزارات: "لكل وزارة أو جهة غير مرتبطة بوزارة مستشار بدرجة خاصة يرتبط بصورة مباشرة برئاسة الجهة المعنية، ولمجلس الوزراء إذا ما اقتضت الضرورة وبناء على اقتراح من الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة زيادة العدد إلى ما لا يزيد على ثلاثة مستشارين".
واورد البرلمان في الأسباب الموجبة لتشريع القانون أن الهدف الأساس من إقرار القانون هو "تنظيم عمل المستشارين في رئاسات مجلس النواب والجمهورية ومجلس الوزراء والوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، وتحديد شروط تعيينهم والتعريف بعملهم وطبيعة المهمات المكلفين بها، وبغية رفع مستوى الاداء في العمل وتلافي التداخل بين العمل الاستشاري والعمل التنفيذي، ولحسم ملف المستشارين المعينين وكالة".
لكن السبب الرئيس الذي دفع البرلمان إلى مناقشة القانون وإقراره هو التظاهرات الاصلاحية وانتقادها العدد الهائل من المستشارين الذين يستنزفون موازنة الدولة وهم في مجملهم برلمانيون أو وزراء سابقون لم يتمكنوا من الفوز في الدورات الانتخابية اللاحقة أو الحصول على مناصب.

كثيرون منهم يتقاضون رواتب تقاعدية
يقول الخبير في الشؤون السياسية أحمد زين الياس إن "تعيين المستشارين هو جزء من نظام المحاصصة، فالكتل تتفق على تعيين الخاسرين في مناصب استشارية مقابل أصوات كتلهم".
يضيف "الخاسرون في الانتخابات لا يملكون الشعبية الكافية لحصد الاصوات التي تؤهلهم لدخول البرلمان، لكنهم يحظون بدعم أحزابهم".
معظم السياسيين العاطلين من العمل، من النواب والوزراء السابقين، لا يتقاضون رواتب ودرجاتهم الوظيفية هي فخرية بروتوكولية، فهم لا يقدمون أي عمل حقيقي إنما يتخذون تلك المسميات لانقاذ أنفسهم من البطالة، وكثيرون منهم يتقاضون رواتب تقاعدية في الأساس لكونهم وزراء أو برلمانيين سابقين.
تعيين السياسيين العاطلين من العمل في مناصب استشارية لم يشمل الجميع، فهناك عشرات البرلمانيين السابقين ما زالوا عاطلين من العمل، ولم يجدوا وظائف. ومن هؤلاء ناظم الساعدي الذي كان رئيس لجنة الخدمات في البرلمان، والنائب المثير للجدل عباس البياتي الذي اشتهر بتصريحاته النارية، وكمال الساعدي النائب عن حزب الدعوة الإسلامية، وندى الجبوري التي كانت نائباً عن الكتلة العراقية، في حين فضلت البرلمانية السابقة سروة عبد الواحد في لجنة الثقافة والإعلام افتتاح مشروع إعلامي خاص بها على البحث عن وظيفة حكومية.

المزيد من العالم العربي