"هبة" طرابلس تجذب السياح

باتت مألوفة رؤية أعداد متزايدة من السياح يشاركون في التحركات الشعبية

طرابلسية شهيرة بمأكولاتها وكرم أهلها وحسن ضيافتهم (أ. ف. ب)

باتت مألوفة رؤية أعداد متزايدة من السياح، يشاركون في التحركات الشعبية في مدينة طرابلس. فما إن شرّعت الثورة أبوابها، حتى حجزت عاصمة الشمال موقعاً متقدماً في المشهد اللبناني العام. ومع اختلاف التعاطي الإعلامي مع المدينة الغنية بالتاريخ والتراث، طرق اسمها آذان السياح الوافدين من الخارج، حتى بات المواطن يرى أناساً من مختلف الألوان والأعراق، الأوروبي منها والشرق آسيوي، وينتشرون في أنحاء مختلفة  من هذا المتحف الحي، وتحديداً في الخانات والأسواق الشاهدة على تاريخ المدينة، ويتجاوز عمر بعضها الألف سنة.

على مقربة من خان الخياطين، تقف ماري وإيفلين تتأملان روعة المشهد وتفتشان في الخريطة التي بين أيديهم، إنهما يبحثان عن مطعم غير بعيد من وسط المدينة، لأنهما ترغبان في التعرّف إلى العلامات الفارقة التي تمتاز بها هذه المدينة عن غيرها. وتؤكد السيدتان الفرنسيتان أنهما انجذبتا إلى طرابلس في ضوء الحديث المتزايد عنها، فهما قصدتا لبنان في السابق ولكن لم تأتيا إليها لأن وزارة السياحة لا تضعها ضمن قائمة المدن المفضلة. أما الآن، فقد وصلتا على الرغم من التحذيرات لأنهما تريدان اختبار أجواء الثورة في طرابلس.

الحرفيون

كان للجولة في الأحياء القديمة لطرابلس، وقع الصدمة عليهما لأنها "مدينة غنية في المواقع الأثرية المتنوعة، وتتضمن آثاراً من مختلف الحقبات التاريخية منذ ما قبل ميلاد المسيح، وصولًا إلى الحقبة العثمانية". وتؤكد إيفلين، وهي سيدة ثمانينية، أنها ليست الزيارة الأولى لها إلى لبنان، ولكن كان لاكتشاف طرابلس نكهة مختلفة، فهي لم تجد ما يشبهها في أسفارها الطويلة، إلاّ أسواق حلب التي دُمرت خلال الحرب السورية. ووجدت ماري الناس في غاية الروعة، الجميع مستعد للمساعدة والابتسامة لا تغادر محيّاهم.  

تلمّست السيدتان في فترة ما قبل الظهر خصوصية طرابلس، فهي مدينة بمنازل كثيرة. مع زيارة كل حي وخان ومسجد، بدأت مخيلتهما بنسج صورة جميلة عن العاصمة اللبنانية الثانية. في خان الخياطين، اكتشفت إيفلين وماري مهارة الحرفيين الطرابلسيين في حياكة الشروال والطربوش، وبالانتقال إلى سوق الكندرجية، تلمّستا النفس الاجتماعي لدى التجار الذين يؤكدون الوقوف إلى جانب الثورة على الرغم من أزمة الدولار. وفي خان الصابون، تنشقتا عطور الشرق وسحرها من خشب الأرز إلى المسك والعنبر، وتعرفتا إلى أغلى صابونة في العالم التي يدخل الذهب في مكوناتها الأساسية. وكان لا بأس من شراء بعض التذكارات المنخفضة السعر.

ابتسامة رجل دين

وأثارت زيارة حمام العبد الإعجاب بالطرابلسي الذي يحافظ على تراثه منذ مئات السنين. وأصرّت السيدتان الفرنسيتان على زيارة قلعة طرابلس التاريخية التي تتربع على التلة الموازية لنهر أبو علي ومنطقة أبي سمراء. وفي الطريق إلى القصر الكبير كما يسميانه، تذوقتا حلاوة النكهة الطرابلسية، وحاولتا اكتشاف أسرار عائلة آل الحداد الذين يتوارثون منذ أكثر من قرن صناعة حلاوة الشميسة والجزرية. ومع بلوغ أدراج القلعة، بدأت إيفلين وماري تتحدثان عن موقع عظيم لم يزورا مثله في لبنان، وأنها كانت لخسارة كبيرة لو استمعتا إلى التحذيرات والدعوات إلى عدم التنقل في لبنان أثناء أيام الإضراب.

وفي الجامع الكبير، قضت السيدتان وقتاً لطيفاً، فمبادرة الشيخ بإلقاء التحية بالفرنسية، لامست أعماقهما وزرعت الابتسامة على وجهيهما، فهذا الأمر جاء على خلاف الاعتقاد السائد بأن رجال الدين لا يمازحون الناس.

ومع اقتراب المساء، أصرّت السيدتان على تذوّق النكهات اللبنانية مع أطيب صفيحة، وأطباق شعبية طرابلسية في هذه المدينة الشهيرة بمأكولاتها وكرم أهلها وحسن ضيافتهم. وحسب إيفلين وماري المطبخ هو جزء من الهوية الثقافية التي لا بد من اختبارها.

ساحة الثورة

لم تنته الجولة السياحية عند أعتاب المدينة القديمة، فبعد الانتقال إلى ساحة التل التي يتوسطها برج الساعة الحميدية، توجهت السيدتان إلى ساحة النور، قلب المدينة النابض بالثورة. سريعاً، قارنت السيدتان بين ثورة الشعب اللبناني والسترات الصفر في فرنسا. فهنا الساحة على غرار الشانزيليزيه الفرنسية، امتلأت بسبب الوجع الاقتصادي، إلاّ أنّ ساحة ثورة طرابلس تمتاز بأنها مليئة بالفرح والموسيقى وهي سلميّة بالمطلق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جالت إيفلين وماري بين خيم الثورة، وكانتا تلقيان التحية على الحاضرين الذين ردوا التحية بأفضل منها. أُعجبت السيدتان بالعدد الكبير من المتطوعين الذين ينشرون أخبار الثورة و"حراس المدينة" الذين يرتدون السترات الصفراء ويسهمون في تنظيم الساحة، إلى جانب المستشفى الميداني التابع للهيئة الطبية الإسلامية، والذي تحوّل أفراده إلى خلية نحل لتأمين الإسعافات الأولية للمحتاجين. وتعرّفت إيفلين وماري على مطالب الثورة من الناشطين بدءًا باستقالة الحكومة، مروراً بالحكومة الانتقالية، وصولاً إلى قانون جديد للانتخابات وانتخابات نيابية مبكرة.

وزارت السيدتان مكتبة الثورة وعبّرتا عن سعادتهما بوجود كتب سبق أن قرأتها ماري وتحديداً روايات جورج أورويل. وفي خيمة الجامعة اللبنانية، استمتعتا بسماع بعض الجامعيين الذين يعزفون على الناي. وأصرّتا على قضاء وقت مع مجموعة من أصحاب الهمم، فتعرفتا إلى محمد الزعبي الذي تحوّل إلى رمزٍ للتضحية والثورة وهو الذي يعمل لـ16 ساعة على الرغم من بتر ساقه اليمنى. وعبّرت ماري عن فرحها بذلك، لأنها تعمل في مجال دمج ذوي الاحتياجات الخاصة وهي اكتشفت قوة الثورة في إصراره على البقاء في الساحة إلى جانب رفاقه لتحقيق مطالبهم. وزاد إعجابها بالحراك عندما التقت المحامية رنا الغز، المرشحة لنقابة المحامين التي تحدثت عن موقفها المدافع عن حقوق المرأة.

فلسطين

وقبل الاندماج بالحشود، التقت السيدتان الفرنسيتان مجموعة من الفنانين الذين تحلّقوا في خيمتهم التي غطت جدرانها الأعمال الفنية واللوحات التي تختصر اللحظات البارزة في الثورة منذ انطلاقتها، إلى هجمة أنصار السلطة على المتظاهرين في منطقة رياض الصلح، وصولاً إلى تتويج طرابلس عروسة للثورة. وتعرّفت إلى مجموعة من المخرجين والممثلين الطرابلسيين، في مقدمهم علاء علاء الدين الذي أكد لها دور الفن في الثورة وتحفيز المواطنين في ساحات النضال.

وعند دخولهما إلى وسط الحشود، تحمّست السيدتان واحتفظتا بالأعلام اللبنانية للذكرى، والتقطتا الصور مع المتظاهرين والمتحدثين على المنصة. ومع إطلاق أغنية موطني، عبّرت إيفلين عن سعادتها، فهي تشارك باستمرار في التظاهرات المؤيدة لفلسطين في فرنسا، فيما أبدت ماري إعجابها بوجود شعارات مطلبية ترتبط بالبيئة، فهذا جزء من اهتماماتها لأنها ناشطة في مجال المناخ، وهي تنتمي إلى أسرة خضراء.  وتروي على سبيل النكتة أن زوجها يتعبها كثيراً، فهو رفض مرافقتها إلى لبنان، لأنه لا يعتمد أياً من وسائل النقل التي تعمل على الطاقة الكربونية ويكتفي بالدراجة الهوائية.

وفي نهاية النهار، ختمت السيدتان جولتهما السياحية بالتأكيد على نية العودة إلى طرابلس مع آخرين، لأنهما اكتشفتا مكاناً فريداً للسياحة ومتنوعاً ثقافياً، حيث يجتمع المسلم والمسيحي والسني والعلوي دونما تمييز أو اختلاف.