هكذا يمكن للموت أن يكون جميلا

رحل أبي بعد ثلاث سنوات على معاناة من سرطان شرس أصابه في جسده وفي قلوبنا

"أريد أن أعيش طالما تليق بي الحياة" (اندبندنت عربية)

الساعة 11 و11 دقيقة، وقفت إلى جانب السرير الذي يحمل جبلاً من العنفوان والحب والعاطفة غارقاً في غيبوبة، وعلى ثغره ابتسامة طفل، نفس أخير وبدأ الجسد الحبيب جداً يبرد. توسلت نفحة من الأوكسجين، رجوته أن يبقى دقائق بعد... ثم بيدي المرتجفتين أغلقت العينين المشرقطتين أبداً، وقبّلت الجبين واليدين والقدمين التي اجتاحها الصقيع المحايد، وظلت البسمة الطفولية الشقية مرتسمة على الشفاه. إذاً هكذا يكون الموت الجميل؟

هكذا رحل أبي بعد ثلاث سنوات على معاناة من سرطان شرس أصابه في أماكن عدة في جسده وفي قلوبنا.

قرر أن يقاوم

قرر أبي أن يقاوم، فهو رجل يحب الحياة فعلاً، لكنه غالباً ما ردد "أريد أن أعيش طالما تليق بي الحياة". وفي الأشهر الأربعة الأخيرة لم تعد تليق به، ولا بعنفوانه ولا بذكائه ولا بحنانه، تسرّب من بين أصابعها كرمل ناعم أمام ذهولنا وعدم حيلتنا.

لم يمض يوم لم نجرب فيه كل ما قيل إنه قد يهزم السرطان أو يخفف عوارض الجلسات الكيميائية، من الشمندر والكركم والغوجي بيري والغرافيولا وزيت الماريجوانا والمورينغا، وتوقف عن تناول السكر والملح والدهون، وسمعنا نصائح لا تعد ولا تحصى، ولكن الخبيث كان يزداد خبثاً... في إحدى المرات، سألت طبيبه عن زيت الحشيش إن كان ينفع، فقال أعطيه ما تريدين... كان كلامه واضحاً ألا شيء سينفع، وعادة لا يؤمن الأطباء بالعلاج البديل ولا بالتغذية كعلاج، وعليه رافقنا كل نصائح الغذاء إلى جانب الطب الحديث.

"أعطيه ما تريدين" سمعتها مرة ثانية من طبيبة العناية التلطيفية، عندما حولنا طبيب الأورام إليها قائلاً: خذوه إلى البيت ليموت بكرامته. في معظم المستشفيات، المريض عبارة عن عدد، عن سرير، عن ماكينة دفع الأموال قدر الإمكان، وما إن يتحول إلى طابق الرعاية التلطيفية hospice and palliative care  حتى يعود إلى إنسانيته، الكل لطفاء معه، الأطباء والممرضات والعاملون لدرجة تثير الارتياب.

إلى ما بعد الحياة

في هذا الطابق، تقفل أبواب المرضى فجأة بشكل شبه يومي، لأن أحد النزلاء خلع وجعه في غرفة ما وانتقل إلى الضفة الأخرى، إلى ما بعد الحياة. انتقلنا بأبي إلى البيت، يومها قال الطبيب "لديه شهر والله أعلم، إذا كان لديكم أمور معلقة لتحلوها"، وأعطتنا طبيبة العناية التلطيفية رقم جمعية "سند"، اتصلت بهم وجاؤوا في اليوم التالي. طبيب وممرضة سألانا عن كل حاجاتنا، وأمنت الجمعية سريراً وماكينة أوكسجين ومورفيناً وأدوية وكثيراً من العاطفة والدعم.

والغريب عندما سأل الفريق أبي ماذا يريد أن يعرف ويسأل، سألهم إن كان يستطيع كمريض سرطان أن يتبرع بعينيه وأعضائه السليمة، ودهش الفريق المتوقع أن يكون سؤال أبي حول التخلص من الوجع أو إمكان نجاته وليس عن تبرعه بأعضائه.

جمعية "سند"

المهم أن فريق "سند" رافق رحلة الألم والصدمات والرحيل إلى أن أغمض أبي عينيه المشرقطتين جداً، وترك دنيا الألم ورحل إلى "مكان أفضل" إلى قلوبنا وذكرياتنا ذات ليلة آذارية. لا أستطيع تصوّر تلك المرحلة من دون "سند" التي أسستها لبنى عز الدين التي تعمل في الشأن التنموي وفقدت أمها منذ حوالى 15 عاماً بسرطان نخاع العظم، بعد أن وصلت إلى العد النهائي وحولوها إلى العناية التلطيفية في الأردن.

تقول لبنى "شهدت على هذا الموضوع وذهلت لروعة مفهوم وطبيعة العناية التلطيفية، وبعد وفاة الوالدة بفترة، بدأت أفكر بنقل هذا النموذج من الخدمة في لبنان حيث كان الموضوع متداولاً ومقتصراً على مستوى البحث والتدريب للمهنيين في القطاع الصحي. فأسسنا مع عدد من المهتمين وممن آمنوا بهذه القضية، وعدد من الأطباء مجموعة "سند" في يناير (كانون الثاني) عام 2010. وكان المجلس يضم مجموعة تكنوقراطية من طب وطب نفسي وتمريض وخبرات في التنمية الاجتماعية لوضع الخطوط العريضة والتوجه العام. وبدأ الفريق بطبيبة متطوعة وممرضة بدوام جزئي. ولم يكن حينها هذا النموذج متوافراً حتى في المستشفيات".

أضافت "وجدت أن هذه الرعاية موضوع نبيل وحقوقي إذ من حق الإنسان الحصول على رعاية بلا أي مقابل وهي تحفظ كرامة المريض وتحسن نوعية حياته في آخر أيامه بين أهله ومحبيه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خدمة طبية ونفسية

بالفعل أتذكر دوماً، كيف كانت هذه الخدمة هي ما أبقانا صامدين هادئين وعلى دراية بكل ما يحصل، وكيف تنساب خيوط الحياة من جسد أبي رويداً أحياناً وبتعجل أحياناً أخرى. قدمت لنا "سند" خدمة طبية ونفسية واجتماعية غير مشروطة ومجانية، كما قدمت لحوالى 800 عائلة في لبنان.

يأتي الفريق إلى البيت، وهو مكوّن من طبيب وممرض، وتنشئ مجموعة على واتساب للتواصل اليومي مع من يريد من أفراد العائلة، وتواظب الممرضة على الحضور مرتين أسبوعياً في الحالات العادية وأحياناً تحضر خمس مرات في اليوم الواحد بحسب حاجة المريض والعائلة، ويكون كامل الفريق جاهزاً دائماً للإجابة وللحضور في الحالات الطارئة.

تخبر لبنى موقع "اندبندنت عربية" أن عدداً من الجمعيات إضافة إلى المستشفيات أصبحت تقدم هذه الرعاية، وأن أكثر المرضى الذين يرعونهم في أيامهم الأخيرة يتواصلون مباشرة مع الجمعية، وكذلك، أن عدداً من المستشفيات والأطباء يحوّلون مرضاهم إلى "سند". وتقوم الجمعية بتدريب عدد من الجمعيات والفرق الطبية في المستشفيات في لبنان والخارج بدعم من وزارة الصحة العالمية، كما تجمع لديها عدداً من البحوث والداتا لتطوير هذه الخدمة والمناداة من أجلها.

العناية التلطيفية

وتضيف لبنى أنه في العام 2011 أنشأت وزارة الصحة العامة في لبنان لجنة لوضع إستراتيجية عامة للعناية التلطيفية، وأصبحت وزارة الصحة تغطي العناية التلطيفية كاملة سواء في المستشفى أو في المنزل من خلال أي من الجمعيات المعنية.

وتتحدث لبنى عن عمل "سند" الرئيسي الذي يدور بشكل أساسي حول "خطة لتخفيض الألم وكل العوارض التي ترافق الألم والدعم النفسي والاجتماعي، يعدّ هذه الخطة مجموعة من الأطباء بمشاركة الممرضين والمعالجين النفسيين. ثم نتحدث مع طبيب المريض الأساسي ونأخذ برأيه في الخطة، وقد يطلب بعض التعديل ما يخلق شراكة حقيقية لجعل المريض يشعر بالأمان أن طبيبه لم يتخلَ عنه وأنه على دراية بما يجري، ومن جهة ثانية لاطلاع الطبيب أكثر على كيفية عملنا ليثق دوماً بإرسال حالات جديدة وتكون لديه فرصة إعطاء هذا الخيار لمرضاه، ونرسل له كل أسبوع تقريراً عن عملنا ووضع المريض."

لا تكتفي "سند" بدعم المريض ومرافقته حتى آخر يوم في حياته بل تأخذ على عاتقها الصحة النفسية للعائلة. تقول لبنى "نواكب العائلة نفسياً وعاطفياً ونسمع لهم ونشاركهم كل المخاوف. أحياناً المعالج النفسي يعمل مع أحد أفراد العائلة مع أخ المريض أو أمه أو زوجته."

الهم الأول تخفيض الوجع

تعتبر لبنى أن الهم الأول تخفيض الوجع، ثم تحسين نوعية الحياة، أي أن يعود المريض ليأكل ويمارس حياته الماضية قدر الإمكان ليشبه نفسه. وتؤكد "ننطلق من المريض بأن يقوم بقراراته بنفسه من النهوض من السرير والأكل وأخذ الدواء أو الخروج من المنزل، يكون المريض فاعلاً وليس مفعولاً به. نحن لا نسأل العائلة كيف حاله اليوم بل نسأل المريض، فهو صاحب قراره".

وعن الدعم النفسي الاجتماعي تقول "يتلقاه مريضنا من الممرضات بنسبة 80 في المئة بينما 20 في المئة فقط من المعالجين النفسيين، قد يكون بطلب من العائلة أو بتوصية من الممرضات، كونهنّ على تماس تام ومتواصل مع المريض والعائلة. ونكمل دورنا بدعم العائلة بعد وفاة المريض وننسحب عندما يعود الوضع إلى طبيعته."

نملأ فجوة في النظام الصحي

تقول لبنى أن "سند" وكل مَن يعنى في شأن العناية التلطيفية "نحن نملأ فجوة في النظام الصحي. والآن أصبح وجود العناية التلطيفية أو عدمه أحد أعمدة تقييم أي بلد بنظامه الصحي المتكامل".

لبنى صاحبة عبارة الموت الجميل، عندما سألتها كيف للموت أن يكون جميلاً قالت "عندما تحدثت عن موت أمي وقلت موتاً جميلاً، قصدت في الحقيقة حياة جميلة قبل الموت، جميل بمعنى الموت المطمئن الخالي من الألم، الموت الذي يجعل الشخص يشهد على لحظة أليمة ومخيفة ولكن ساكنة لدرجة مهيبة. لا يمكن تخيل وفاة بهذه الطريقة فيها هذا الكم من الحب والاستكانة، وتكون العائلة هادئة وتراقب مريضها بكل هدوء واستسلام ووداع، عندما استذكر حياة والدتي قبل الوفاة أتذكر اللحظات الأخيرة، أقول كيف استطاعت العناية التلطيفية جعلنا نشهد على هذه النهاية بطريقة جميلة من وحدة العائلة والشعور بالطمأنينة وكنا نعرف ما نتوقع، وأن نخبرها أننا بخير لتستطيع أن ترحل بسلام. وشهادات أهالي مرضى "سند" فيها إجماع رهيب على ان النهاية كانت غير متوقعة لا ذهول ولا توتر ولا ولولة إنما حزن عميق واستسلام وحب وعائلة موحدة محتضنة بعضها بعضاً. العناية التلطيفية هي أن نعيش كل يوم بيومه وليس انتظار الرحيل".

بالفعل، أفكر الآن أنه كان لدينا الوقت لنقول لأبي كم نحبه، وكم نحن فخورون كوننا أبناءه، كانت فترة مليئة بالألم فعلاً ولكن بكثير من الحب والسلام بعد استيعاب قصر الوقت وعدم هدر ثانية في الحزن بل بالاحتفال قدر الإمكان بكل لحظة متاحة، لم تبق كلمة حلوة لم تقل ولا قبلة ولا احتضان إلا واستنزفناها أثناء الوعي والتعب والغيبوبة، ورحل أبي وعلى وجهه ابتسامة على الرغم من الغيبوبة لأيام. وعندما أتى فريق "سند" قالت لي الممرضة زينب "أبوكم رحل بسلام، وجهه ساكن ومبتسم".