العطر بصمة وهوية وليس مجرد رائحة مميزة

يستخدم لعلاج الأمراض وتاريخ تصنيعه يعود لآلاف السنين

منذ حوالى 4000 عام بدأت الروائح تتحول إلى عطور وتحفظ في قوارير (رويترز)

أخبرني أحد الشعراء أنّه نشأ بين نوعين من الروائح الأنثوية كون عائلته فيها الكثير من النساء. الأولى رائحة الأمهات والعمات والخالات وهي رائحة الخبز والتبغ والحنان، والثانية رائحة الأخوات والقريبات والجارات الشابات وهي رائحة مساحيق التجميل والعطور والدلال.

وقال الشاعر نزار قباني "العناق أن تأتي بعطر وترحل بعطرين"، وقال شاعر آخر لي إن عطري "خرافي" ولم يستطع أن يميّز نوعه، ففيه كل الفصول وفيه أنوثة راقية وطفولة شقية، ولم أخبره يوماً عن سرّ الخلط بالصدفة بين العطور العالمية والمحلية حتى وجدت عطري الخاص.

لكلّ عطره الخاص بطريقة أو أخرى، رائحة ما إن تدخل أنفه حتى تُدخله مساحة السلام والراحة والطمأنينة. قد تكون رائحة الخبز أو الزهور أو الخشب. حتى أن هناك علاجاً بالروائح هو "الأروماثيرابي aromatherapy " تستخدم فيه النباتات العطرية وزيوتها التي تعمل على تغيير المزاج، وتستعمل إما في تدليك الجسم والرأس أو استنشاقاً، وتخفف من الاضطراب والقلق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رائحة الجسم الأصيلة

عطور للأمكنة وعطور للأشخاص وروائح تشعل الذاكرة والحنين. قد تفرحنا أو تبكينا أو تذكرنا بمكان أو شخص أو حتى حالة، لم أستطع يوماً نسيان رائحة عطر أبي الذي يضعه في الصباح، وما زال مرتبطاً بالنهوض باكراً والذهاب إلى المدرسة، تغيّر عطر أبي ورحل أبي، وهذا العطر ما زال حتى اليوم يؤلم معدتي لأنني لم أكن أحب الذهاب إلى المدرسة!

لأنوفنا ذاكرة أيضاً، وتستطيع تذكّر حوالى 10 آلاف رائحة مختلفة، ولقد أجريت دراسة عام 2014 في جامعة روكفلر في نيويورك قامت بها عالمة البيولوجيا العصبية ليزلي فوسهول وجدت بعد اختبارات في مزج جزئيات الروائح أن أنف الإنسان قادر على تمييز حوالى 80 مليون رائحة، على اعتبار أن الرائحة تتكون من جزئيات روائح مختلفة، حتى يبدو لنا أن الحياة قد لا تسنح بفرصة شم نصف الروائح الموجودة في العالم.

الرومان والإغريق

العطر نفسه يتماهى مع الأجساد بطرق مختلفة، إذ توجد روائح ظاهرة ومصنعة وروائح خفية لا نفهمها تماماً بالأنف المجرد، بل تستطيع حواسنا تلقفها بلا وعيها ربما، وهكذا يقع الناس بالحب، وهكذا تختار بعض الحيوانات شركاءها.

فالجسم لديه رائحته الخاصة وهي الفرمونات التي تشبه الهورمونات والتي تفرزها أجسامنا ولها رائحة خاصة، هي رائحة الشخص من دون عطر، تؤثر في الدماغ في المناطق الخاصة بالعاطفة وترفع معدل الجاذبية بين الأشخاص وتسمى أيضاً عطر الجاذبية العديم الرائحة. لذلك فإن كل عطر ظاهر يتفاعل عند وضعه على الجلد مع الفرمونات وعرق الجسم ويشكل بصمة عطرية خاصة بكل شخص، فتنجذب المرأة إلى رائحة جسد رجل معيّن من دون الآخر والعكس صحيح من دون إدراك السبب.

وارتبط الانجذاب بحاسة الشم لدى الرومان والإغريق لدرجة أن الزناة كان عقابهم قطع الأنف، اعتقاداً بأن ذلك سيثنيهم عن العودة لفعلتهم.

رقم "5"

وفي إحدى رسائل نابوليون لزوجته جوزفين ختم بـ "جوزفين لا تستحمي، إنني قادم" وذلك مثل كبير لرائحة الجسد الأصلية التي عشقها نابليون بحبيبته، رائحة عرقها مع رائحة عطرها شكلت معادلة كيميائية مثيرة لنابوليون ألهبت رغبته. ويبدو أن للعطر الذي كانت تستخدمه سحراً آخر، فعندما رحلت تركت عطرها على الوسائد والسرير لتعذبه بالرائحة.

أرادت كوكو شانيل أن تصنع العطر وقالت "أنا حقاً، أعني مصنوعاً، مثل الفساتين، شيء مصنوع. لا أريد أن تضع المرأة أي ورد أو ليلكاً من الوادي، أريد عطراً مركباً".

وهذا ما حدث عام 1921 عندما أنتجت أول عطورها وأرادته أن يدوم لأطول فترة ممكنة المعروف بـ "رقم 5" وصنع من مركبات كيماوية وطبقات عدة، أي أن الرائحة تمتزج أكثر وأكثر بالجسم مع مرور الوقت من دون أن تفقد سحر شذاها بل تتحول إلى شيء أجمل. تضيف "أردت عطراً يعكس خصوصيتي، شيئاً فريداً، ويمثل خلاصة الأشياء".

في متحف العطور

احتل العطر مكانته منذ التاريخ القديم، فكانت الرائحة التي تتصاعد من الأعشاب العطرية أثناء وجودها في الطبيعة أو بعد تجفيفها أو حرقها لاحقاً أم العطور، وما زال البخور الذي يحرق يعطّر المنازل ودور العبادة والأماكن العامة. ويعد متحف العطور الدولي في غراس في جنوب فرنسا الذي أسس عام 1989 مثالاً حياً عن صناعة العطور.

ويحتوي المتحف في إحدى قاعاته على أقدم الماكينات وأضخمها لتصنيع العطور، وقاعات فيها أقدم مستوعبات وقوارير العطر بعضها من الحجر والفخار والزجاج الملون والخزف، إضافة إلى رسوم وحلي وأدوات زينة.

ليس المتحف مختصاً بالروائح الجميلة فقط، إذ يبدو أن كل أنواع الروائح أخذت مكانها في أنابيب طويلة بكبسات تصدر الروائح، من رائحة الأزهار إلى القهوة واللحوم وحتى مخلفات الحيوانات وأنواع الفطريات والطحالب والحشائش، إضافة إلى أصناف عطرية أخرى متجسدة في الصابون والأبخرة، وبعض أنواع الأخشاب. ويحتوي المتحف على صور من معامل تصنيع العطور حول العالم، وحقول جمعها، وعمال يقومون بالعمل في جميع مراحل التصنيع من القطف والفرز والعصر وصور لأصحاب المعامل الكبرى مثل المدعو لوتيه وأولاده في معمل الطيوني في بيروت كما كتب على إحدى الصور باللغة العربية.

تاريخ العطر

أما متى بدأت الروائح تتحول إلى عطور وتحفظ في قوارير، فيرجّح أنه يعود إلى حوالى 4000 عام حيث أكتشف أحد الإيطاليين في قبرص أرضاً مخصصة لصناعة العطر، تزرع فيها الأزهار وتستخلص رائحتها العطرية، ويبدو أنها نُقلت من الحضارة المصرية القديمة لتشابه طريقة الصناعة والمعدات المستخدمة والتي عُرفت لاحقاً في روما.

مصر القديمة

كانت العطور تستخلص في مصر القديمة بعد وضع الأزهار على ورق البردى مع القليل من الماء لفترة، ثم عصرها ووضعها بقوارير، وقد استخدمت على الأجساد، أو أن توضع الأزهار في إناء من الفخار وتحرق لتعطر الجو، وكانت تستخدم في تقديم القرابين وأثناء تأدية الصلاة. واهتم العرب بالأزهار لمداواة بعض الأمراض، ولم يقتصر استخدامها على العطور فقط، وفي كتاب "كيمياء العطور"، ذكر الكندي قائمة كبيرة من العطور وكتب عن كيفية استخراجها وأهميتها.

ويقول كريستيان ديور "العطر النسائي يدل على شخصية صاحبته أكثر من خط يدها". البعض لديه ولاء لنوع عطر معين، أو لمشتقات متشابهة كرائحة الأزهار العطرية، أو رائحة التوابل، والبعض الآخر لا يهمه الأمر المهم أن يستعمل عطراً ما. أما أنت قارئي العزيز، وعلى الرغم من أن عطرك قد يشبه أي عطر آخر لكنه لن يطابقه، لأن فرموناتك فريدة، إلا أنني أدعوك إلى أن تجرب خلط عطرين على الأقل في محاولة لتفرّدك بعطر يشبهك تماماً.