ملخص
يراهن رئيس الوزراء آندي بيرنهام على هزيمة الجمهوريين لدفع العالم نحو إنهاء حرب إيران وخفض كلفة المعيشة، لكن الأدوات التي تعني بريطانيا أكثر من غيرها تبقى في يد دونالد ترمب، من القرار العسكري إلى الرسوم الجمركية. ويتوقع بنك إنجلترا أن يبلغ التضخم نحو 4.9% في 2027، فيما ينظر 86 في المئة من البريطانيين إلى ترمب بسلبية.
حين سأل الصحافيون آندي بيرنهام في سانت جونز، عاصمة أنتيغوا وبربودا، عما إذا كانت هزيمة الجمهوريين ستجعل دونالد ترمب أكثر تقلباً، لم يكن رئيس الوزراء البريطاني بعيداً من أزمته. فقد جاء إلى قمة الكومنولث مثقلاً بتضخم يتسارع وموازنة ضاق هامشها. وقال أمس الأربعاء إن ترمب قبِل النتيجة، وأمام العالم "فرصة" للتوحد حول كلفة المعيشة، وإنه لا يستطيع خفض الضغوط عن الأسر قبل حل النزاع في الشرق الأوسط.
بدت الإجابة حذرة فيما تركته أكثر مما قالته. فبيرنهام لم يذكر الديمقراطيين، فيما نقلته وسائل الإعلام عنه، ولم يجب مباشرة عن سؤال التقلب. وتولى الوزير في وزارة الصحة جيمس فريث رسم الخط الرسمي، فوصف النتيجة لإذاعة "تايمز" بأنها تحول زلزالي في السياسة الأميركية الداخلية، لكنه قال إن علاقة بريطانيا بالولايات المتحدة بوصفها أقرب حلفائها "لا تتزعزع ولا تتغير". أما عمدة لندن صادق خان وزعيم حزب الديمقراطيين الأحرار إد ديفي فاحتفيا صراحة بما عداه رفضاً لسياسات ترمب.
غير أن الموقفين الحكوميين لا يستقيمان معاً إلا بصعوبة. فإذا كانت العلاقة لن تتغير، فكيف تتحول نتيجة الانتخابات إلى فرصة لإنهاء حرب يديرها البيت الأبيض لا الكونغرس؟ تكمن الإجابة في الفارق بين ما خسره ترمب وما احتفظ به. فوفق تقدير الدبلوماسي البريطاني السابق في واشنطن إد رومان، يستطيع الكونغرس الجديد تعطيل التشريعات والاعتراض على الإنفاق والتحقيق مع الإدارة، لكن الرئيس يبقى حراً إلى حد بعيد في الدبلوماسية والعمليات العسكرية حتى الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2029. بل حذر رومان من أن انشغال ترمب بمتاعب الداخل قد يدفعه إلى "مغامرات" خارجية.
وتنطبق هذه القاعدة على ملفات لندن واحداً تلو الآخر. ففي الحرب، قال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إنها "يجب أن تنتهي"، ملمحاً إلى سلطة التمويل، بينما يجيب ترمب بأنه كان سيخوضها مجدداً لأن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً. وقال لصحيفة "فايننشال تايمز" إنه "جاهز" إن لزم الأمر، وإنه قد لا يكون هناك سبب لذلك. وفي المقابل، نُسب إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بيان يعد من ينتظر تبدلاً أميركياً عبر تغير الأحزاب واهماً، فيما ربط أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي فتح مضيق هرمز بتلبية شروط طهران السبعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في التجارة، خلصت قراءة قانونية لشركة "بيكر ماكنزي" إلى أن الديمقراطيين لن يلغوا الرسوم بسهولة، لأن أي تشريع يحتاج إلى تجاوز حق النقض بأصوات جمهورية، ولأن المادتين 232 و301 من قوانين التجارة الأميركية لا تتطلبان موافقة سنوية من الكونغرس. ونقلت "يورونيوز" عن جيمس سميث من بنك "آي إن جي" أن انقسام واشنطن قد يدفع الرئيس إلى اعتماد أكبر على هذه الأدوات، من دون استبعاد رسوم جديدة على أوروبا. وهذا يمس لندن مباشرة، إذ توعد ترمب في يونيو (حزيران) الماضي أي دولة تفرض ضريبة على الخدمات الرقمية برسم نسبته 100 في المئة يتجاوز الاتفاقات القائمة. وتجبي بريطانيا ضريبة مماثلة بنسبة اثنين في المئة درت أكثر من مليار دولار عام 2024-2025، بحسب مراجعة لوزارة الخزانة أوردها موقع "ياهو فاينانس".
أما في الدفاع، فربما يكون القلق أكبر. فقد نقل موقع "بوليتيكو" قبل الاقتراع عن خمسة دبلوماسيين من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) استعداد الحلفاء لسيناريو يعوض فيه ترمب خسارته الداخلية بالضغط على الحلف، عبر سحب آلاف إضافية من الجنود من أوروبا أو خفض المساهمة في موازنته المشتركة. وردت متحدثة باسم البيت الأبيض بأن ترمب قدم للحلف أكثر من أي شخص آخر. وفي شأن أوكرانيا نقلت جوان لي من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية نصيحتها للأوروبيين بألا يعولوا إلا على الأموال التي تصل فعلاً، إذ سبق أن حجب البيت الأبيض مخصصات أقرها الكونغرس حتى انتهت صلاحيتها.
ويبقى الاقتصاد المجال الذي ظهر فيه الأثر سريعاً، وإن كان هشاً. فقد هبط سعر خام برنت أمس إلى نحو 94 دولاراً للبرميل بعد إغلاقه عند 103 دولارات في اليوم السابق. لكن بنك إنجلترا رفع الفائدة اليوم الخميس إلى أربعة في المئة، متوقعاً أن يبلغ التضخم نحو 4.9 في المئة في الربع الثاني من 2027. وتستند هذه التقديرات إلى أسعار طاقة تعود إلى ما قبل التراجع الأخير، مما يترك مجالاً لتحسنها إن صمد الهبوط. وقال المحافظ أندرو بيلي إن الزيادة لا تبدو الأخيرة ما لم يُحل النزاع في مضيق هرمز.
ولا تملك الخزانة ترف الانتظار الطويل. فوزير المالية جون هيلي قدم في موازنة الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي دفعة تزيد على 120 دولاراً لنحو 20 مليون أسرة بكلفة تفوق 3 مليارات دولار، بينما تراجع الهامش المالي إلى 20 مليار دولار من 32 ملياراً، وخفض مكتب مسؤولية الموازنة توقعاته لنمو 2027 إلى واحد في المئة من 1.6 في المئة. ويتوقع أن يرتفع سقف أسعار الطاقة 22 في المئة في يناير، ومن هنا يصبح ربط بيرنهام كلفة المعيشة بالحرب توصيفاً اقتصادياً له سند في كلام بيلي، وهو في الوقت نفسه غطاء سياسي، لأنه ينقل مسؤولية ضغوط الداخل إلى قرار لا تملكه لندن.
ولا تبدأ محاولة لندن الموازنة بين دعم حليفها الأميركي وتجنب الدخول في الحرب مع هذه الانتخابات. فقد رفض رئيس الوزراء السابق كير ستارمر في البداية السماح باستخدام القواعد البريطانية في الضربات الأولى على إيران، ثم سمح بعدها بأيام باستخدامها لغرض دفاعي محدد، قبل أن يوسع الإذن ليشمل المواقع التي تستهدف الملاحة في مضيق هرمز، واضعاً القرار في إطار ما تسميه لندن ضربات دفاعية. وهكذا لم تشارك بريطانيا في الحرب، لكنها لم تبق خارجها تماماً، وهي صيغة لم ترض ترمب ولا معارضي الحرب في الداخل.
وورث بيرنهام هذه المعادلة حين واصل السياسة نفسها في يوليو (تموز) الماضي. ولم يكن ملف القواعد منفصلاً عن الخلاف في شأن جزر تشاغوس، التي تضم قاعدة دييغو غارسيا المشتركة. فبموجب معاهدة وقعتها لندن عام 2025، تنتقل سيادة الجزر إلى موريشيوس مع بقاء القاعدة، لكن تنفيذها تعثر أمام اعتراض واشنطن. وفي سبتمبر (أيلول)، قال ترمب إنه يستطيع التعامل مع بيرنهام، لكنه وصف الاتفاق بأنه "فظيع" وشدد على الأهمية الإستراتيجية للقاعدة. أي إن الود الشخصي بين الرجلين لم يلغ الخلاف على أصل يمس الحرب نفسها.
تستعد حكومة بيرنهام لقمة بريطانية أوروبية في بروكسل في الـ20 من نوفمبر، تشمل الغذاء وربط سوق الكربون والعودة لسوق الكهرباء. إذ كانت لندن تعيد تموضعها قبل الانتخابات الأميركية، والنتيجة قد تمنحها غطاء إضافياً. وتمنح استطلاعات الرأي هذا التموضع سنداً داخلياً. فقد وجد استطلاع لمؤسسة "يوغوف" شمل 2355 بالغاً في الأول والثاني من نوفمبر الجاري، قبل الاقتراع، أن 41 في المئة يتوقعون أثراً معتبراً للانتخابات الأميركية في الحياة ببريطانيا، مقابل 36 في المئة يتوقعون أثراً ضئيلاً أو معدوماً.
وأظهر مؤشر "يوغوف" في أكتوبر الماضي أن 86 في المئة ينظرون إلى ترمب نظرة سلبية مقابل 10 في المئة، وهو أدنى صافي تأييد منذ بدء القياس في مارس (آذار) 2025. وفي استطلاع نيات التصويت الذي أجرته في الفترة نفسها، تقدم حزب العمال بـ26 في المئة، يليه حزب المحافظين بـ24 في المئة ثم "ريفورم" بـ21 في المئة.
يجعل ذلك ترمب عبئاً محتملاً على اليمين البريطاني. فناخبو "ريفورم" هم الوحيدون الذين فضلوا الجمهوريين في استطلاع "يوغوف"، بنسبة 36 في المئة مقابل 12 في المئة، وقد توقع زعيمهم نايجل فاراج ليلة الاقتراع ألا يتعرض ترمب لهزيمة ساحقة. أما زعيم "ريستور بريتن" روبرت لو، فوصف قرار مهاجمة إيران بأنه "خطأ كارثي" من دون أن يسمي ترمب.
وبحسب المحلل في مجموعة "أوراسيا" مجتبى رحمن، فإن تراجع شعبية ترمب قد يحوله لدى أقصى اليمين الأوروبي من مكسب إلى عبء انتخابي. غير أن لهذا الاستثمار السياسي حداً، فالناخب يحاسب حكومته على الفاتورة أياً كان مصدرها.
ربما يتمسك بيرنهام بإدارة العلاقة مع ترمب كما هي ويتجنب أي استفزاز في ملفات القواعد والضريبة الرقمية وتشاغوس. يملك الرئيس الأميركي أدوات الضرر حتى 2029، ولكن الخشية من إغضابه تعني استمرار ضغط اليسار البريطاني في رفض الحروب الخارجية. أما الخيار الثاني أمام بيرنهام فهو الإبقاء على القناة الرئاسية وبناء جسور مع الغالبية الديمقراطية والمرشحين المحتملين لعام 2028، وتسريع التقارب مع أوروبا. ومنطقه تنويع الأخطار، وكلفته احتمال إغضاب البيت الأبيض، فضلاً عن تحذير رومان من أن الرهان على أوروبا بديلاً من أميركا "وهم" في المدى القريب.
المسار الثاني هو الأقرب إلى سلوك الحكومة وخطابها، إذ يتيح لها الاستفادة من ضعف ترمب من دون الرهان على سقوطه. وهذا يتسق مع ما سماه بيرنهام نهجاً جديداً حيال الشرق الأوسط وأوروبا والكومنولث. المفارقة أن الهزيمة التي أضعفت ترمب في واشنطن قد تطلق يده خارجها، وهناك تحديداً تتحدد فواتير البريطانيين. فالفرصة التي رآها بيرنهام في أنتيغوا حقيقية، لكن مفتاحها ليس في يد من صوتوا ولا في يد من يدعوهم إلى التوحد.