Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية الرئيس والشاعر

كان هواري بومدين يرى الشاعر مفدي زكريا رجعياً فخطط لإزاحة اسمه من النشيد الوطني لكن مفاجأة كانت في انتظاره

الرئيس الجزائري هواري بومدين مع نظيره المصري جمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

ملخص

خرج الوزير وظل الرئيس وحده يدور في مكتبه، وبدأ يفكر كيف استطاع أن يسقط رئيساً من على كرسيه بانقلاب عسكري، واستطاع أن يصفّي كثيراً من معارضيه في الداخل والخارج، وأخفق في إسقاط شاعر من على النشيد الوطني!

يقول المثل الشعبي الجزائري "الغيرة تحرك أميرة وترد العجوز صغيرة"، فهل يغار رئيس قوي له كل السلطات بين يديه، من شهرة شاعر من مواطنيه، لا يملك سوى سلطة اللغة وملكة الشعر؟

تلك حكاية الرئيس هواري بومدين (1932-1978) مع شاعر الثورة مفدي زكريا (1908-1977)، وروى لي الكاتب والباحث والإعلامي الأستاذ الطاهر بن عائشة (1925-2016) هذه الحكاية التي لها دلالات كبيرة ومعقدة في فهم علاقة الأديب بالسلطة، وفي الكشف عن معنى سلطة الشعر وسلطة السياسي والعلاقة ما بينهما.

والطاهر بن عائشة هذا مثقف موسوعي معروف في أوساط المثقفين الجزائريين بجرأته على الإفصاح عن بعض نقائص نظام هواري بومدين، ويذكر بعضهم بأنه كان ينقد نظام الرئيس في حضرة هذا الأخير، وكان يتردد في بعض الحلقات بأن الرئيس بومدين كان يخشى لسانين: لسان الطاهر بن عائشة، ولسان زينب الميلي (1935-2022)، فالأول شيوعي عرف بالبحث في الإسلاميات والثقافة الشعبية، فهو موسوعة تمشي على الأرض، والثانية صحافية كانت تترصد أخطاء نظام حكم الرئيس، فلا تتردد في الكتابة عنها وإدانتها بوضوح.

كان الرئيس هواري بومدين شخصية لا تريد ولا تقبل أبداً أن يشاركها أحد أضواء السلطة، فبعد أن أبعد خصومه من العسكريين والسياسيين من حوله بطرق مختلفة، وأسقطهم من على حلبة القرار والقيادة، جاء الدور على الشاعر مفدي زكريا.

يقول الطاهر بن عائشة، وهو الذي لم يكن معجباً بشعر مفدي زكريا، "كان الرئيس هواري بومدين يشعر بنوع من الضيق حيال ما تتمتع به شخصية الشاعر مفدي زكريا من شهرة، فاسمه على كل الألسن، في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، ويخصص له المقعد الأول في كل التظاهرات الأدبية والفكرية، من مؤتمرات الفكر الإسلامي التي كانت تعقد سنويا إلى الأماسي الأدبية والحوارات التاريخية، والنشيد الوطني الذي كتب كلماته يردد في كل المحافل وفي كل المناسبات الوطنية.

صحيح، كانت بعض مواقف الشاعر مفدي زكريا لا تتناسب مع اختيارات هواري بومدين السياسية والأيديولوجية، فالرئيس اشتراكي التوجه والقناعة، وهو صاحب مشروع الثورة الزراعية والطب المجاني والتعليم المجاني، كان يرغب في تأسيس دولة قائمة على العدالة وبالأساس على سلطة الفلاحين الفقراء، وأما الاختيار السياسي للشاعر مفدي زكريا فكان وطنيا ليبرالياً، شاعر الحياة والتفتح والحرية.

وربما أيضاً، الذي أفاض الكأس في الخلاف بين الرئيس وأكبر شاعر جزائري هو أن مفدي زكريا كان مقرباً من محيط كثير من الرؤساء والملوك، الذين لا يقاسمون الرئيس رؤيته السياسية والأيديولوجية، وهذا ربما ما كان يثير حفيظة الرئيس أيضاً.

لم يستطع الرئيس هواري بومدين أن يبلع فكرة أن تكون كلمات النشيد الوطني من تأليف شاعر مقرب من هذا القصر الملكي أو الجمهوري، في بلدين كان الرئيس يراهما خصمين له في التوجه، وخصمين له أيضاً في اختيار الحلفاء على المستوى العالمي، في زمن كان فيه العالم مقسماً إلى كتلة شرقية وأخرى غربية.

وبمختصر الكلام، كان الرئيس يرى الشاعر رجعياً أو خصماً للاشتراكية التي كانت تعتبر ثابتاً من ثوابت الأمة، فبدأ يخطط لإزاحة اسمه ومحوه من التداول الإعلامي وإسقاط اسمه من النشيد الوطني، وهكذا شرع في تجسيد فصول المناورة، وعلى عجل استدعى الرئيسُ وزيرَ المجاهدين آنذاك، وحدثه في أنه يريد تغيير النشيد الوطني، وطلب منه أن ينظم مسابقة شعرية جزائرية كبرى لاختيار أحسن قصيدة، تكون مناسبة لنشيد وطني جديد.

وفوراً، شكّل الوزير لجنة تحكيم للمسابقة الشعرية من الذين كان لهم شأن في الشعر آنذاك من جامعيين وإعلاميين ونقاد أدب، وجرى الإعلان عن المسابقة في وسائل الإعلام، وبمكافأة محترمة ومعتبرة مادياً، وقد تضمنت ديباجة الإعلان عن الجائزة شرطاً من الشروط يقضي بأن يرسل المتباري قصيدته من دون ذكر اسمه، وعليه أن يضع الاسم في ظرف منفصل ومغلق، استبعاداً لكل شبهة في الاختيار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأت القصائد تهطل على مكتبة لجنة التحكيم، وانتهت المدة التي منحت للمشاركين وأغلق باب المسابقة، واجتمعت اللجنة مرات عدة، وبعد قراءات وتقييم لجميع القصائد المشاركة، جرى الاتفاق وبالإجماع على قصيدة رأى فيه أعضاء اللجنة بأنها الأفضل من الناحية الجمالية، ومن حيث وضوح الرؤية السياسية فيها، وهو ما يؤهلها لكي تكون نشيداً وطنياً جديداً، وربما أفضل من النشيد الذي كان سارياً، وبعد الاتفاق قرّر أعضاء اللجنة فتح الظرف الذي به اسم شاعر القصيدة المتوجة، فوجدوا بأن صاحبها هو مفدي زكريا.

وقبل الإعلان عن النتيجة رسمياً، ولأن الرئيس كان حريصاً على هذه المسابقة، وربما كان يتابعها بطريقة غير مباشرة، طلب وزير المجاهدين مقابلة هواري بومدين لإخباره بنتائج المسابقة، فهذه مسابقة تهم الرأي العام، وتتصل بالثورة والتاريخ الجزائري العريق، ومن دون تأخير، استقبل الرئيس الوزير وأطلعه هذا الأخير على سير المسابقة التي كانت شفافة ونزيهة، وأن الاختيار وقع على واحدة من عيون الشعر الجزائري، بحسب رأي المختصين، وذواقة الشعر ودرّاس التاريخ.

كان الرئيس مبتهجاً وهو يتابع مديح وزير المجاهدين للقصيدة التي تفوق، بحسب رأي المختصين في اللجنة، بكثير قصيدة النشيد الوطني ساري المفعول، من حيث الرؤية التاريخية والرمزية والجمالية واللغوية والموسيقية، وقبل أن ترفع جلسة اللقاء، طلب الرئيس من الوزير الكشف عن اسم الشاعر الذي سيكون اسمه على الألسن وفي المحافل وفي ذاكرة الأجيال، فقال له إنه الشاعر مفدي زكريا، فتراجع الرئيس قليلاً ولم يبد أي رد فعل، وكتم كل شيء في صدره، وبعد صمت استدار نحو الوزير وقال له "إن تغيير النشيد الوطني ربما ليس من الأولويات الآن، وعليك أن تلغي المسابقة، ولا تعلن النتيجة نهائياً".

خرج الوزير وظل الرئيس وحده يدور في مكتبه، وبدأ يفكر كيف أنه استطاع أن يسقط رئيساً من على كرسيه بانقلاب عسكري، واستطاع أن يصفي كثيراً من معارضيه في الداخل والخارج، وأخفق في إسقاط شاعر من على النشيد الوطني. إن الشعراء لكيدهم عظيم.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء