Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تثمر جهود الوسطاء في سحب فتيل الحرب بين واشنطن وطهران؟

تكتسب المواقف التي أعلنها المرشد خلال لقائه القيادة العسكرية أهمية كبيرة ومختلفة عما سبقها

على رغم الإشارات المتفائلة فإن المنطقة لا تزال تعيش اللحظات الحاسمة (أ ف ب)

ملخص

اللقاء الذي كشف عنه بين المرشد وكبار قادة القوات المسلحة، جاء مباشرة بعد لقائه رضائي الذي نقل إليه نتائج القمة مع دول "حلف مكة الدفاعي" ومضمون الرسالة الأميركية، يشكل مؤشراً على تغيير في قواعد السلوك الأمني الإيراني، ومدخلاً لعودة المرشد للانتظام المباشر في تفاصيل التحديات التي يواجهها النظام وبداية للاستغناء عن سياسة الرسائل عن بعد.

تمر العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ومعهما المنطقة، في أكثر المراحل دقة وحساسية، فهي أشبه بمن يسير على حبل رفيع بين هاوية العودة لمواجهة عسكرية مفتوحة ومدمرة هذه المرة، وبين سفح يمهد الطريق ربما أمام مرحلة جديدة من التفاهمات الثنائية بين واشنطن وطهران، وبين الأخيرة والإقليم.

فالحراك الدبلوماسي خلال الأسابيع الأخيرة الذي تقوم به عواصم إقليمية فاعلة ووازنة باتجاه طهران، ورغبة عواصم دولية مؤثرة في معرفة ما تفكر فيه القيادة الإيرانية، رفعا منسوب الأمل في إمكان الوصول إلى مخرج يفتح نافذة لإبعاد المنطقة من شبح حرب لا يريدها أحد من أقطابها.

فالزيارة التي قامت بها وفود رفعية المستوى أمنياً وعسكرياً تمثل دول "حلف مكة الدفاعي" إلى طهران من جهة، والجهود الباكستانية- القطرية المشتركة من جهة أخرى، تتجاوزان بوضوح البعد الدبلوماسي التقليدي لمثل هذه الزيارات، وتكشفان من خلال الرسائل التي يحملها الموفدون عن محاولات جدية وحقيقية من جانب هذه الأطراف لإدارة الأزمة ومنع العودة للغة النار والحرب، وعمل جدي لتمهيد الأرضية السياسية بين هذه الدول لإعادة تعريف المنظومة الأمنية في منطقة غرب آسيا، والصيغة التي ستكون عليها إذا نجحت هذه الجهود في إبعاد شبح الحرب.

وجهود الوساطة التي تبذل من أجل التوصل إلى صيغة توفيقية بين المطالب الأميركية والشروط الإيرانية لإعادة إحياء المفاوضات بينهما والتي يتولى فيها الجانب القطري مهمة نقل الرسائل والبحث عن صيغ تسووية بين المواقف المتشددة للطرفين، تزامنت مع الكشف عن رسالة حملها الوسيط القطري من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بصفته الجهة المشرفة والمقررة في المفاوضات بعد موافقة المرشد الأعلى للنظام.

قد لا تكون رسالة فانس الأولى من نوعها بين مسؤولي البيت الأبيض والقيادة الإيرانية، فهي تتزامن مع الذكرى السنوية الـ40 للكشف عن فضيحة "إيران كونترا أو إيران غيت أو فضيحة ماكفرلين" بين النظام الإيراني وإدارة الرئيس رونالد ريغان عام 1986، إضافة إلى أن الرئيس دونالد ترمب سبق له أن وجه أكثر من رسالة مشابهة إلى المرشد الأعلى السابق علي خامنئي قبل اغتياله عبر رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الذي زار طهران في يونيو (حزيران) عام 2019، ثم كررها في مارس (آذار) 2025 قبل ثلاثة أشهر من أول هجوم واسع ضد إيران ومنشآتها النووية عبر القناة الإماراتية.

بالتالي فإن تبادل هذه الرسائل، مع غياب الإرادة الحقيقية لدى الطرفين للتوصل إلى تسوية تخرج المنطقة من دائرة المواجهة ومنطق الحرب وتنقلها إلى مسار البحث الجدي عن مخارج حقيقية لتسوية شاملة قائمة على إعادة كل طرف لحساباته واستعداده الجدي لتدوير زوايا شروطه والقبول بتنازلات إستراتيجية تكتيكية، قد لا يؤدي إلى فتح نافذة على توافق محتمل، بل من الممكن أن يعقد المشهد أكثر، وأن يدفع أطرافاً أخرى إلى الدخول على خط الجهود التي تبذل لمنع أية تداعيات دراماتيكية من الصعب معرفة نهاياتها.

وعلى رغم الإشارات المتفائلة التي تصدر عن جميع الأطراف المعنية بمسار المفاوضات والحوارات وقنوات تبادل الرسائل، فإن المنطقة لا تزال تعيش اللحظات الحاسمة في سباق الحرب والسلام الذي يضع المنطقة ودولها بين خياري المواجهة المفتوحة على تداعيات غير تقليدية، وتسوية تسهم في إعادة ترتيب معادلاتها.

والاتصال الذي أجراه رضائي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعزز الاعتقاد بوجود توجه إيراني للتجاوب مع محاولات الدول الصديقة والحليفة مع إيران لإيجاد مخرج جدي للأزمة النووية التي باتت تشكل معضلة أمام الرئيس الأميركي للقبول بأية تسوية مع طهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والدخول الصيني على خط هذه الجهود، قد لا يكون جديداً، إلا أنه يحمل مؤشرات إيجابية لإمكان التوصل إلى تسويات نسبية في شأن المقترح الروسي حول مخزون اليورانيوم، فالحراك الذي شهدته وتشهده بكين خلال الأيام الأخيرة، والزيارات التي تقوم بها أطراف إقليمية عربية فاعلة، يوحيان بأن القيادة الصينية التقطت لحظة التفاؤل، مما دفعها إلى تشغيل محركات دبلوماسيتها الثقيلة والتركيز على وضع صيغة تقبل بها الأطراف الإقليمية لمرحلة ما بعد الاتفاق الأميركي- الإيراني حول إدارة المنطقة أو ما تسميه إيران "منظومة التعاون الأمني الإقليمي".

واعتماداً على دورها الإيجابي في رعاية الاتفاق بين إيران والسعودية في مارس عام 2023، استقبلت بكين مساعد أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني المقرب من المرشد الأعلى (زوج شقيقة المرشد الحالي الذي اغتيل مع المرشد السابق) ومستشار الأمن الوطني السعودي الوزير مساعد بن محمد العيبان، إلا أن الأبرز في هذا الحراك هو زيارة السلطان العماني هيثم بن طارق التي تفتح الباب أمام عودة مسقط للقيام بدور فاعل ومؤثر في خط الوساطة بين طهران وواشنطن.

ونجاح الجهود الروسية والصينية في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن حول المعضلة النووية من جهة، وبين طهران والدول الإقليمية حول مستقبل المنطقة ومعادلاتها والتسويات المرتقبة، قد يضطلع بدور محوري في تحديد مصير عقد قمة ثلاثية بين الرؤساء الثلاثة، الأميركي والروسي والصيني، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المقررة في مدينة شنتشن الصينية في الـ18 والـ19 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، بخاصة أن ترمب سبق أن أكد أن مشاركته في مثل هذه القمة مشروط ببحث ملف نزع السلاح النووي.

وفي موازاة هذه التطورات، برز تطور أمني لم يحصل منذ انتخاب المرشد في الثامن من مارس الماضي، يتمثل في تكثيف واتساع دائرة اللقاءات التي يجريها المرشد الأعلى وتقاربها الزمني خلافاً لما كان سائداً من صعوبة في التواصل، وإجراءات أمنية معقدة تستغرق أياماً، لإيصال أية رسالة له أو تسلّم توجيهاته من قبل كبار قادة النظام.

فاللقاء الذي كُشف عنه بين المرشد وكبار قادة القوات المسلحة، جاء مباشرة بعد لقائه رضائي الذي نقل إليه نتائج القمة مع دول "حلف مكة الدفاعي" ومضمون الرسالة الأميركية، يشكل مؤشراً على تغيير في قواعد السلوك الأمني الإيراني، ومدخلاً لعودة المرشد للانتظام المباشر في تفاصيل التحديات التي يواجهها النظام وبداية للاستغناء عن سياسة الرسائل عن بعد.

من هنا، تكتسب المواقف التي أعلنها المرشد خلال لقائه القيادة العسكرية أهمية كبيرة ومختلفة عما سبقها من مواقف، فهي على رغم الظاهر التصعيدي الذي عبرت عنه من خلال التمسك بالشروط التي وضعتها على طاولة التفاوض وصعوبة التنازل أو التراجع عنها مهما بلغت الأثمان، إضافة إلى الصلاحيات الواسعة التي منحها للقوات المسلحة في التصدي لأي اعتداء أو هجوم قد تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنها تترافق أيضاً مع خطوة غير مسبوقة قام بها المرشد بمنح الحكومة والسلطة التنفيذية بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان صلاحيات التفاوض واتخاذ القرارات التي تنسجم مع المصلحة الإيرانية العليا، مما يمنح المفاوض الإيراني هامشاً من الحرية في البحث عن تسويات وتدوير الزوايا لتسهيل الاتفاق والخروج من دائرة التهديد والحرب من جديد. فهل ستثمر الجهود بالفعل أم أن حافة الهاوية ستظل هي الحاكمة؟

اقرأ المزيد

المزيد من آراء