Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوز "قس" ديمقراطي يحيي سؤال "ما خطب كانساس؟" بعد 130 عاما

ولاية ظلت مغلقة أمام الحزب الأزرق في انتخابات مجلس الشيوخ منذ 1932

آدم هاملتون خلال خطاب فوزه بمقعد مجلس الشيوخ في كانساس عام 2026 (أ ب).

ملخص

أعاد فوز القس الديمقراطي آدم هاملتون بمقعد مجلس الشيوخ الأميركي في كانساس إحياء سؤال تاريخي طرحه صحافي جمهوري قبل 130 عاماً عن توجهات الولاية، بعدما أنهى 94 عاماً من الهزائم الديمقراطية، وسط استياء اقتصادي وانقسامات داخل الحزب الجمهوري وتحولات في توجهات الناخبين.

"ما خطب كانساس؟" (What's the Matter with Kansas?)، بهذا السؤال عنون الصحافي الجمهوري ويليام ألين وايت مقالة نشرها في صحيفة "إمبوريا غازيت" بولاية كانساس الأميركية عام 1896، بعدما عاد غاضباً لمكتبه إثر مواجهة مع مزارعين من أنصار الحركة الشعبوية، اعترضوه في أحد شوارع المدينة بسبب آرائه السياسية.

ووجه وايت انتقادات حادة إلى الحركة التي اتهمها بإضعاف اقتصاد الولاية والإضرار بسمعتها، ليتحول سؤاله لاحقاً إلى واحد من أشهر العناوين في التاريخ السياسي الأميركي.

وربما يجد السؤال التاريخي، بعد 130 عاماً، مناسبة جديدة للعودة، بعدما نجح القس الديمقراطي آدم هاملتون، مؤسس "كنيسة القيامة" الميثودية، في انتزاع مقعد كانساس بمجلس الشيوخ الأميركي من السيناتور الجمهوري روجر مارشال، محققاً فوزاً تاريخياً في ولاية ظلت مغلقة أمام الديمقراطيين في انتخابات المجلس طوال 94 عاماً.

وجاءت المفاجأة في واحدة من أبرز معاقل الحزب الجمهوري، إذ صوت ناخبوها لدونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2024 بفارق تجاوز 16 نقطة مئوية عن منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، قبل أن يختاروا بعد عامين مرشحاً من الحزب المنافس في الانتخابات النصفية لعام 2026.

ولاية القمح والجمهوريين

تقع كانساس وسط الولايات المتحدة، ويبلغ عدد سكانها نحو 3 ملايين نسمة، وتعرف باسم "ولاية دوار الشمس"، وتشتهر بسهولها الزراعية الواسعة وإنتاج القمح وتربية الماشية، فيما تحتضن مدينة ويتشيتا، أكبر مدنها، صناعة طيران عريقة أكسبتها لقب "عاصمة الطيران في العالم".

وتشكل المناطق الريفية قاعدة انتخابية مهمة للجمهوريين، في مقابل حضور متنام للديمقراطيين في ضواحي المدن الكبرى، خصوصاً المناطق المحيطة بكانساس سيتي.

وتعود علاقة الولاية بالحزب الجمهوري لمرحلة تأسيسها، ففي خمسينيات القرن الـ19، تحولت المنطقة إلى ساحة صراع دموي بين مؤيدي العبودية ومعارضيها، في أحداث عرفت تاريخياً باسم "كانساس الدامية"، بالتزامن مع صعود الحزب الجمهوري الذي عارض توسيع العبودية إلى الأراضي الأميركية الجديدة.

وعندما انضمت الولاية إلى الاتحاد الأميركي عام 1861، كانت ولاية تحظر العبودية، وترسخت فيها هوية سياسية ارتبطت بالحزب الجمهوري وإرث الرئيس أبراهام لينكولن.

وشهدت الولاية في أواخر القرن الـ19 صعود الحركة الشعبوية، التي استقطبت المزارعين الساخطين على نفوذ المصارف وشركات السكك الحديدية، ونجحت في الوصول إلى حكم الولاية عام 1892، قبل أن يستعيد الجمهوريون سيطرتهم خلال السنوات التالية، وهي التحولات التي أثارت غضب الصحافي الجمهوري ويليام ألين وايت ودفعته إلى كتابة مقالته الشهيرة.

94 عاماً من الهيمنة

وعلى امتداد القرن الـ20، حافظ الجمهوريون على تفوقهم في انتخابات مجلس الشيوخ عن الولاية، وكان آخر انتصار ديمقراطي عام 1932، حين أعاد سكان الولاية انتخاب المحامي جورج ماكغيل، وسط تداعيات الكساد الكبير والتحولات السياسية التي أوصلت الديمقراطي فرانكلين روزفلت إلى البيت الأبيض.

وبعد خسارة ماكغيل مقعده أمام الجمهوري كلايد ريد عام 1938، بدأت سلسلة طويلة من الانتصارات الجمهورية، فيما ظل المقعد الذي انتزعه هاملتون تحديداً في أيدي الجمهوريين منذ عام 1919، أي طوال 107 أعوام.

وامتدت هذه الهيمنة إلى الانتخابات الرئاسية، إذ اختار ناخبو الولاية مرشحي الحزب الجمهوري في جميع الانتخابات منذ عام 1968، وكان ليندون جونسون آخر ديمقراطي يفوز بأصواتها عام 1964.

من دار للجنازات إلى مجلس الشيوخ

وسط هذا التاريخ الجمهوري الطويل، برز آدم هاملتون بصفته مرشحاً يحمل خلفية مختلفة عن السياسيين التقليديين، بعدما أمضى معظم حياته في العمل الديني.

ففي عام 1990، أسس القس الشاب، الذي كان يبلغ 25 سنة، كنيسته داخل مصلى صغير تابع لدار للجنازات في منطقة كانساس سيتي، بهدف الوصول إلى السكان البعيدين من الكنائس.

ومن ذلك المكان، توسعت "كنيسة القيامة" خلال العقود التالية، لتصبح أكبر تجمع تابع للكنيسة الميثودية المتحدة في الولايات المتحدة، وتضم نحو 24 ألف عضو يتوزعون على مواقع عدة في المنطقة.

واكتسب هاملتون، البالغ 62 سنة، شهرة واسعة من خلال نشاطه الديني وتأليفه عشرات الكتب، قبل أن يتجه إلى السياسة بخطاب يدعو إلى التقارب بين الأميركيين وتخفيف حدة الاستقطاب الحزبي.

 

وحتى خلال حملته الانتخابية، واصل أداء مهامه الدينية، ففي أحد أيام الجمعة، خصص وقتاً لإقامة حفلة زفاف، قبل أن يعمد طفلاً بعد يومين في "كنيسة القيامة"، وفق ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" في مقالة رأي نشرتها في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وذكرت الصحيفة أن أعضاء الكنيسة ينقسمون سياسياً بصورة شبه متساوية بين الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين، وهو تنوع اعتاد هاملتون التعامل معه خلال عمله الديني.

وقال هاملتون لصحيفة "نيويورك تايمز" إن اهتمامه ينصب على قضايا كانساس أكثر من الخلافات داخل الحزب الديمقراطي، وهي أفكار تنسجم مع ما طرحه في أحد كتبه بعنوان "رؤية الرمادي في عالم أبيض وأسود"، الذي تناول فيه الانقسامات الدينية والثقافية ودعا إلى البحث عن المساحات المشتركة.

وكان هاملتون جمهورياً في السابق، وفكر بداية في خوض انتخابات مجلس الشيوخ مستقلاً عن الحزبين، وأجرى جولة استماع شملت 18 مدينة في أنحاء الولاية، قبل أن يعلن في أبريل (نيسان) الماضي ترشحه باسم الحزب الديمقراطي.

وقدم نفسه خلال الحملة بوصفه ديمقراطياً معتدلاً ومستقلاً في مواقفه، مستفيداً من علاقاته داخل الولاية وخبرته في مخاطبة جمهور متنوع سياسياً، سعياً إلى استقطاب الجمهوريين المعتدلين والناخبين المستقلين.

جمهوريون ضد مرشحهم

وساعدت الانقسامات داخل المعسكر الجمهوري على تعزيز فرص هاملتون، بعدما أعلن حاكمان سابقان من الحزب دعمهما المرشح الديمقراطي في مواجهة السيناتور روجر مارشال.

فقد أيد الحاكم الجمهوري السابق بيل غريفز هاملتون، منتقداً أداء مارشال وعلاقته بإدارة ترمب، وانضم إليه الحاكم السابق مايك هايدن، الذي سبق أن دعم مارشال في حملته الأولى لمجلس الشيوخ، قبل أن يغير موقفه بسبب تأييد السيناتور للحرب مع إيران والرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، على رغم تداعياتهما الاقتصادية على سكان كانساس.

 

وامتد التأييد الجمهوري إلى إطلاق مجموعة باسم "جمهوريون من أجل هاملتون"، ضمت أكثر من 100 جمهوري من سكان الولاية، في مؤشر على قدرته على جذب أصوات من خارج القاعدة التقليدية لحزبه.

وجاءت هذه المواقف في ولاية يتمتع فيها الجمهوريون بتفوق انتخابي كبير، إذ فاز مارشال نفسه بمقعد مجلس الشيوخ عام 2020 بفارق تجاوز 11 نقطة مئوية.

الاقتصاد والحرب مع إيران

وشكل ارتفاع تكاليف المعيشة أحد أبرز محاور التنافس الانتخابي، بعدما تصاعدت مخاوف السكان من أسعار الوقود والغذاء والرعاية الصحية، إلى جانب التداعيات الاقتصادية للرسوم الجمركية والحرب مع إيران.

وفي كانساس، التي تعتمد قطاعات واسعة من اقتصادها على الزراعة، واجه المزارعون ارتفاعاً في أسعار الديزل والأسمدة مع اضطراب أسواق الطاقة، مما جعل القضايا الاقتصادية حاضرة بقوة في الحملة.

وركز هاملتون على هذه المخاوف، منتقداً سياسات إدارة ترمب وتأثيرها في تكاليف المعيشة، في مقابل دفاع مارشال عن الرسوم الجمركية والحرب مع إيران، وتأكيده أن الاقتصاد الأميركي حقق تحسناً في عهد الرئيس الجمهوري.

وخلال لقاء انتخابي في أوفرلاند بارك، إحدى ضواحي كانساس سيتي، وجه هاملتون انتقاداً مباشراً إلى منافسه الجمهوري، قائلاً بحسب ما نقلته "نيويورك تايمز": "مهمتك هي أن تكون مدافعاً عن شعب كانساس، لا أن تكون ناطقاً باسم البيت الأبيض أمامهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وامتدت المواجهة الانتخابية إلى المعتقدات الدينية، بعدما وجه نائب الرئيس جي دي فانس والسيناتور الجمهوري تيد كروز انتقادات إلى مواقف هاملتون وكنيسته من قضايا اجتماعية ودينية، وأثارت تلك الهجمات اعتراض أسقفه الميثودي ونحو 120 قساً، بحسب الصحيفة.

ووجد خطاب المرشح الديمقراطي تجاوباً لدى الناخبين المعتدلين والشباب، إذ أظهر استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتد برس" بين الناخبين أن نحو سبعة من كل 10 معتدلين صوتوا له، إلى جانب نحو ثمانية من كل 10 ناخبين تقل أعمارهم عن 30 سنة.

ومع احتدام المنافسة، كثف الجمهوريون جهودهم للحفاظ على المقعد، وشارك ترمب في تجمعين انتخابيين لدعم مارشال، فيما زار نائبه جي دي فانس الولاية لحشد الناخبين.

وواجه مارشال أيضاً انتقادات تتعلق بسجله المهني، بعدما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن دعاوى قضائية أقامها هو وعيادته الطبية السابقة ضد أكثر من 700 مريض لتحصيل ديون غير مدفوعة، فيما دافع السيناتور الجمهوري عن ممارساته، مؤكداً أنها إجراءات متبعة لدى مؤسسات طبية أخرى.

وتحول السباق إلى واحد من أكثر الانتخابات كلفة في تاريخ كانساس، بعدما بلغ الإنفاق نحو 110 ملايين دولار، وسط دعم مالي واسع من الحزبين ومجموعات سياسية مؤيدة لهما، فيما تفوق هاملتون على منافسه في جمع التبرعات، خصوصاً من سكان الولاية.

تحولات سبقت المفاجأة

وسبق فوز هاملتون عدد من المؤشرات على تغير توجهات قطاعات من ناخبي كانساس، خصوصاً في الانتخابات المحلية والقضايا الاجتماعية، على رغم استمرار التفوق الجمهوري في الانتخابات الرئاسية.

ففي عام 2018، انتخب سكان الولاية الديمقراطية لورا كيلي حاكمة لهم، قبل أن يعيدوا انتخابها عام 2022، في استمرار لقدرة الديمقراطيين على المنافسة في انتخابات حكام الولاية.

وفي أغسطس (آب) من العام نفسه، رفض نحو 59 في المئة من ناخبي الولاية تعديلاً دستورياً كان سيزيل الحماية الدستورية لحق الإجهاض في الولاية، في نتيجة أظهرت اختلاف مواقف قطاعات من السكان عن التوجهات التقليدية للحزب الجمهوري في بعض القضايا الاجتماعية.

كما شهدت ضواحي كانساس سيتي تحولاً تدريجياً نحو الديمقراطيين، مما عزز قدرة الحزب على المنافسة في المقاطعات الأكثر كثافة سكانية، في مقابل استمرار التفوق الجمهوري في مناطق ريفية واسعة.

وانعكس ذلك على نتائج الانتخابات الأخيرة، إذ تفوق هاملتون في المقاطعات الأكثر سكاناً حول كانساس سيتي وويتشيتا، بينما حافظ مارشال على تقدمه في مناطق ريفية، وفق النتائج الأولية التي أوردتها الصحافة المحلية.

وتعكس هذه النتائج استعداد قطاعات من الناخبين للفصل بين انتمائهم الحزبي ومواقفهم من المرشحين والقضايا المحلية، وهو ما استفاد منه هاملتون في طريقه إلى مجلس الشيوخ.

سؤال يتجدد بعد 130 عاماً

وفي عام 2004، استعاد الكاتب الأميركي توماس فرانك سؤال "ما خطب كانساس؟" عنواناً لكتابه الذي حاول تفسير انجذاب شرائح من الطبقات العاملة والمزارعين إلى الجمهوريين، معتبراً أن القضايا الثقافية والدينية ساعدت الحزب في استقطابهم، على رغم تعارض بعض سياساته الاقتصادية مع مصالحهم.

وقبل الانتخابات بأكثر من شهر، أعادت صحيفة "نيويورك تايمز" طرح السؤال نفسه في مقالة رأي نشرتها في الـ29 من سبتمبر (أيلول)، بعنوان "القس آدم هاملتون يعرف ما خطب كانساس"، تناول حملته الانتخابية وخلفيته الدينية وقدرته على مخاطبة الناخبين المحافظين.

وهكذا انتقل السؤال من انتقاد ويليام ألين وايت للحركة الشعبوية عام 1896، إلى محاولة فرانك تفسير هيمنة المحافظين عام 2004، قبل أن يكتسب دلالة جديدة مع فوز هاملتون في أحد أقدم معاقل الجمهوريين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير