ملخص
ارتفعت مؤشرات الأسواق الأميركية في التعامل المبكر قبل الافتتاح، مع زوال تخوف المستثمرين من تحدي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنتائج الانتخابات.
ما إن بدأت نتائج انتخابات الكونغرس في الظهور مع الساعات الأولى من صباح الأربعاء، مشيرة إلى فوز الديمقراطيين بغالبية مجلسي النواب والشيوخ، حتى سرت موجة إيجابية في الأسواق العالمية.
وفي رد الفعل الأولي المبكر، تراجع سعر صرف الدولار الأميركي، بينما ارتفع سعر الذهب باعتباره الملاذ الآمن البديل للمستثمرين في أوقات الاضطراب. وأضاف الذهب نسبة ثلاثة في المئة إلى قيمته ليصل سعر الأوقية إلى 4 آلاف و46 دولاراً.
وفي افتتاح الأسواق الأوروبية، ارتفع المؤشر الأساسي لبورصة لندن "فوتسي 100"، كما ارتفع مؤشر الأسهم الأوروبية "ستوكس 600". وقادت أسهم البنوك وشركات الطاقة المتجددة الارتفاع، الذي تجاوز عمليات البيع في أسهم شركات التكنولوجيا.
وكان البيع الكبير لأسهم الشركات التكنولوجية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد ترك غالب الأسواق الآسيوية متراجعة فجر الأربعاء، وفي الإجمال ارتفعت مؤشرات الأسواق الأميركية في التعامل المبكر قبل الافتتاح، مع زوال تخوف المستثمرين من تحدي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنتائج الانتخابات، واستقرار القبول بفوز الديمقراطيين الكبير.
أما المؤشر الأهم على نتائج الانتخابات فجاء من سوق السندات، إذ ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية وانخفض العائد عليها بوضوح مع إعلان نتائج انتخابات الكونغرس وفوز الديمقراطيين بغالبية مجلسيه.
وتراجع العائد على سندات الخزانة متوسطة الأجل لمدة 10 أعوام، وهي المعيار القياسي في أسواق السندات، إلى نسبة 4.91 في المئة، بينما تراجع العائد على سندات الخزانة قصيرة الأجل لمدة عامين إلى نسبة 4.59 في المئة.
انتخابات اقتصادية
صوت الناخبون الأميركيون للديمقراطيين اعتراضاً على سياسات الجمهوريين والرئيس ترمب التي لم تفلح في تحسين مستوى معيشتهم، بل قادت إلى ارتفاع أسعار الوقود نتيجة حرب إيران وزيادة أسعار النفط، كما أن الوعود التي قطعت قبل عامين بتخفيف عبء كلفة المعيشة على الأميركيين لم تتحقق، كذلك فإن التصريحات التي أكدت أن فرض الرسوم الجمركية على الشركاء التجاريين سيوفر عائدات بمليارات الدولارات تنفع المواطنين، لم تسفر عن أي تحسن.
ومع ذلك، لا يتوقع كثير من المحللين والمعلقين أن تؤدي نتيجة الانتخابات إلى تغيير كبير في وضع الاقتصاد الأميركي خلال العامين المتبقيين من رئاسة دونالد ترمب، فهو رئيس يحكم بالأوامر التنفيذية أكثر من القوانين التي تحتاج إلى موافقة تشريعية.
أعرب ترمب في تصريح له بعد ظهور نتائج الانتخابات عن أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لن تشكل فارقاً، وأنه سيستخدم حق النقض الرئاسي لإلغاء أي تشريع يمررونه.
وإذا كانت الأسواق والمستثمرون يفضلون تقليدياً حكومة منقسمة في واشنطن، أي أن يسيطر حزب على السلطة التشريعية والحزب الآخر على السلطة التنفيذية، فإن ذلك قد لا يجدي مع رئاسة ترمب، فعلى سبيل المثال حين ألغت المحكمة العليا قرارات فرض الرسوم الجمركية في فبراير (شباط)، لجأ الرئيس إلى المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، التي تتيح للسلطة التنفيذية فرض تلك الرسوم.
ووضوح السياسات المستقبلية في ظل حكومة منقسمة، قد لا يتحقق بعد نتائج الانتخابات كما يتوقع بعضهم، فبإمكان الديمقراطيين تعطيل بعض تعيينات ترمب وعقد جلسات استماع حول سياساته، لكن ليس بإمكانهم النيل من سلطات الرئيس الممنوحة للسلطة التنفيذية.
استمرار عدم الوضوح
كان السبب وراء انخفاض الأسواق الآسيوية، وتراجع أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الأسواق الأوروبية والتداول المبكر في أميركا، هو مخاوف المستثمرين من أن يعمد الديمقراطيون إلى تشريع قوانين لتنظيم الذكاء الاصطناعي تحد من تطوره، لكن يظل بإمكان الرئيس الاعتراض على تلك القوانين باستخدام سلطته في نقض هذه التشريعات وإعادتها للكونغرس.
وينطبق الأمر ذاته على قطاع الطاقة المتجددة، الذي قاد ارتفاع أسهم شركاته التحسن في الأسواق الأربعاء، فقد ألغى الرئيس ترمب كثيراً من القوانين التي تشجع الاستثمار في الطاقة المتجددة على حساب الاستثمار في النفط والغاز، التي أقرتها الإدارة الديمقراطية السابقة.
ويتوقع المستثمرون أن يعمل الديمقراطيون في السلطة التشريعية على إعادة تلك القوانين، بالتالي استعادة شركات الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح وغيرها من الشركات وضعها السابق، لكن مرة أخرى يستطيع رئيس السلطة التنفيذية تعطيل كل تلك القوانين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينعكس ذلك بوضوح في آراء المحللين في الأسواق، ونقلت صحيفة "الغارديان" عن مديرة الأبحاث في منصة التداول "إكس تي بي" كاتلين بروكس، قولها إن "لهذه النتائج تأثيراً متواضعاً في الأسواق حتى الآن، سينتقل المستثمرون من التداول على أساس عدم الوضوح قبل نتائج الانتخابات إلى التداول على أساس ما تعنيه النتائج في شأن السياسات". وتضيف بروكس "هذه أخبار سيئة لشركتي ’تيسلا‘ و’سبيس إكس‘، إلا أن شركات أشباه الموصلات التي تمثل عصب قطاع الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتجاهل القلق من قوانين تنظيم القطاع وتعود للارتفاع".
وعلى عكس ما ذكرته بروكس، هناك من لا يشعر بهذا التفاؤل حول شركات التكنولوجيا، ففي مقابلة مع "رويترز" يقول الاستراتيجي في معهد أموندي للاستثمار أيدان ياو إن "أهمية نتائج الانتخابات أنها تمثل استفتاء على الذكاء الاصطناعي أكثر منها استفتاء على رئاسة ترمب. فإذا خضع الذكاء الاصطناعي لعمليات تنظيم وتقنين، أي فرض قيود عليه، فإن الاقتصاد الأميركي والتضخم في أميركا والسياسة النقدية الأميركية ستصبح غير قابلة للتنبؤ".
الانعكاسات الاقتصادية لنتائج الانتخابات
أكثر ما يهم الناخب الأميركي هو كلفة المعيشة، وفي مقدمها أسعار الوقود في محطات البنزين. وبحسب بعض المراقبين، قد لا يعني فوز الديمقراطيين بغالبية في مجلسي الكونغرس كثيراً في شأن تخفيف أعباء كلفة المعيشة، فقد يعوض الرئيس ترمب تعقيدات السياسة الداخلية بسبب فقدان حزبه الغالبية في الكونغرس بالتوسع في سياسته القائمة على المخاطرة خارجياً.
احتمال عودة الحرب على إيران قد يعني مزيداً من الضغوط نتيجة ارتفاع أسعار النفط، أما السياسات التجارية فمن غير المتوقع أن تتراجع الإدارة الأميركية عن فرض التعريفات الجمركية، بل قد يتشدد الرئيس ترمب أكثر مع الأوروبيين وكندا وغيرهم من الشركاء.
إلا أن بعض المحللين يرون احتمال تعاون نواب جمهوريين مع الديمقراطيين لمواجهة سياسات السلطة التنفيذية حول التعريفات الجمركية، ويقول كبير المحللين في شركة "فيرسك مابلكروفت" آرون بلاي - إسكس إنه "مع هيمنة مشكلة تحمل أعباء كلفة المعيشة على الانتخابات، نتوقع زيادة الضغط من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) من أجل تخفيف التعريفات الجمركية، بخاصة من جانب النواب الممثلين للولايات الزراعية أو تلك التي لها علاقات تجارية قوية مع الخارج، ولا سيما كندا، وقد شهدنا بالفعل بعض الإعفاءات الانتقائية على الواردات الكندية قبل الانتخابات مباشرة".
لكن كل ذلك لن يعني تحولاً جذرياً في سياسات البيت الأبيض، سواء التجارية مع العالم أو الداخلية في الغالب الأعم، بالتالي ستبقى التوقعات حول مؤشرات الاقتصاد الكلي وأسعار الفائدة كما هي إلى حد كبير، برأي كثير من المعلقين.
وبما أن الكونغرس الجديد لن يبدأ عمله قبل مطلع العام، في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2027، فإن الشهرين المتبقيين على نهاية هذا العام سيكونان فترة من عدم اليقين للأسواق والاقتصاد الأميركي بصورة عامة. ويرى بعضهم أن الرئيس ترمب قد يستغل هذه الفترة لإنفاذ ما يريده قبل بدء الديمقراطيين العمل من خلال السلطة التشريعية.
وإذا كانت الإدارة الأميركية ستتفادى أي جدل برلماني حول سقف الدين العام الآن، فإن ذلك سيكون ساحة المعركة الرئيسة بين سلطة تشريعية ذات غالبية ديمقراطية وسلطة تنفيذية جمهورية في المستقبل القريب. ويمكن أن تكون لذلك تبعات واضحة، خصوصاً على أسواق السندات، وربما على التصنيف الائتماني للدين الأميركي.