Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متى يبدأ السلام الحقيقي في اليمن؟

السلاح ينبغي أن يكون تحت سيطرة الدولة كشرط لا يمكن تجاوزه أو تجاهله

دائرة الصراع اتسعت من الجبهات إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الإنسان نفسه أحد ميادين الحرب (أ ف ب)

ملخص

السلام الذي لا يعيد للإنسان اليمني أمنه وحقه وكرامته وموارده ليس سلاماً، وإنما هدنة موقتة بين جولات أخرى من الحرب لطالما استخدمتها الميليشيات الحوثية لتعزيز سلطتها كأمر واقع، أما السلام الذي يحتاج إليه اليمن، فهو الذي يعيد للدولة وظيفتها، وللمواطن حقه، وللموارد العامة معناها، وللحياة نفسها فرصة لأن تستعيد طبيعتها.

أكثر من عقد كامل من الحرب يكفي لكي يدرك اليمنيون أن ما فعلته الميليشيات الحوثية لم يكن مجرد انقلاب مسلح على مؤسسات الدولة، بل مشروعاً لإعادة تعريف علاقة الجماعة بالمجتمع والدولة والموارد والإنسان، وهو ما يجعل أي حديث عن السلام مع هذا المشروع مجرد حلم يلهو في الفراغ ما لم يستند إلى جملة من الإجراءات التي ينبغي على هذه الميليشيات القيام بها.

لكن في البداية دعوني أقُل إن المسألة، بالنسبة إلى هذا الانقلاب المسلح على الدولة، لم تعد متصلة بالسيطرة على مؤسسات أو مدن فحسب، وإنما بما ترتب على ذلك من تغيير في وظيفة السلطة وعلاقتها بالمواطن، وحين تصبح القوة المسلحة وسيلة لإدارة المجتمع، تتحول الدولة من إطار جامع للحقوق والواجبات إلى مجال تتحكم فيه سلطة الأمر الواقع، ويصبح الإنسان أول من يدفع ثمن هذا التحول، في أمنه وحريته وحقه في حياة طبيعية.

ومنذ سيطرة الميليشيات الحوثية على العاصمة صنعاء، تحولت مدن وأحياء يمنية إلى ساحات للقصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما وجد المدنيون أنفسهم أهدافاً أو ضحايا لحرب لم يختاروها، وظلت تعز، منذ عام 2015، شاهدة على حصار مستمر أغلقت فيه الطرق أمام المرضى والطلاب والعمال والتجار، حتى بدت حرية التنقل وكأنها امتياز تمنحه هذه الميليشيات أو تمنعه، وفي الوقت نفسه، جرى الزج بالأطفال في الحرب، وملاحقة الصحافيين والناشطين، واعتقال مدنيين وإخفائهم.

وهكذا يمكنني القول بإن دائرة الصراع اتسعت من الجبهات إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الإنسان نفسه أحد ميادين الحرب، فضلاً عن ذلك، لم تتوقف آثار الصراع عند الأرواح والمنازل، بل امتدت إلى المدارس والمستشفيات والكهرباء والمياه والطرق والاتصالات والاقتصاد.

في الواقع يبرز هنا سؤال أكثر عمقاً من سؤال السيطرة العسكرية: ماذا تفعل سلطة الأمر الواقع حين تتحول الموارد العامة إلى مورد للجماعة؟ فالموارد التي يفترض أن تمول الخدمات وتدعم مؤسسات الدولة وتخفف عن المواطنين أعباء الحياة، تصبح في هذه الحالة جزءاً من معادلة الصراع، وحين يحدث ذلك، لا يعود الانهيار في تصوري محصوراً في البنية المادية للمجتمع، بل يمتد إلى العلاقة بين المواطن والسلطة، وإلى مفهوم المال العام ووظيفته وحق الناس فيه.

لاحظوا معي من فضلكم أن الإيرادات التي تُجبى من الضرائب والجمارك والاتصالات والرسوم في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية ليست ملكاً لها، وإنما هي حق للمواطنين، أليس كذلك؟

من حق الموظف الذي ينتظر راتبه، والمريض الذي يبحث عن دواء، والطالب الذي حُرم من تعليم مستقر، أن يعرف كم تُجبى من أموال، وأين تُنفق، ولماذا تتراجع الخدمات بينما تستمر الأنشطة العسكرية لهذه الميليشيات بوتيرة متصاعدة. فالمسألة هنا بالتأكيد ليست مسألة مالية مجردة، وإنما قضية إنسانية تتصل بحياة الناس مباشرة. وكل ريال يُجبى من المواطن يرتبط بسؤال مشروع عن الجهة التي تديره، والغاية التي يُستخدم من أجلها، والأثر الذي يعود به على المجتمع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأتي من هنا ضرورة التعامل المنهجي مع الأرقام المتداولة بشأن الإيرادات التي استحوذت عليها الميليشيات الحوثية، ومنها الحديث عن مبالغ تصل إلى 1.34 تريليون ريال أو ملياري دولار، فهذه الأرقام لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق سياسية بمجرد تداولها، ما لم تُحدد مصادرها وفتراتها الزمنية ومنهجيات احتسابها.

وبالمثل، فإن التقارير الأممية والدولية المتعلقة بتمويل الميليشيات الحوثية وتسليحها وقدراتها العسكرية وشبكاتها المالية، وبالدعم العسكري والتقني الإيراني لها، ينبغي أن تكون أساساً للتوثيق والمساءلة، وكلما كانت المعلومات أكثر دقة، كانت المساءلة أكثر قوة، وأصبح من الممكن التمييز بين ما هو ثابت وموثق وما هو مجرد تقدير أو ادعاء. الحقيقة في مثل هذه القضايا ليست أداة سياسية، بل شرط لفهم الحرب وكلفتها.

ويحتاج قطاع الاتصالات، الذي أصبح جزءاً من معادلة الموارد والنفوذ لدى الميليشيات الحوثية، إلى قدر أكبر من الشفافية، فالمواطن الذي يدفع الرسوم مقابل خدمة أساسية من حقه أن يعرف حجم الإيرادات المتحصلة، والرسوم التي يدفعها، وأوجه إنفاق تلك الأموال، وأية صلات موثقة بينها وبين تمويل النشاط العسكري، ولا يمكن فصل هذا السؤال المهم عن سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة الموارد العامة في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، فالقطاع المدني، حين يدخل في دائرة تمويل الحرب، لا يفقد وظيفته الاقتصادية فقط، وإنما يصبح المواطن الذي يعتمد عليه جزءاً من معادلة لا يملك قرارها.

وتكشف قصة الخطوط الجوية اليمنية، من احتجاز طائراتها في صنعاء عام 2024 من قبل الميليشيات الحوثية إلى تدمير طائرات في الضربات الإسرائيلية على مطار صنعاء في مايو (أيار) عام 2025، مقدار ما يدفعه اليمنيون حين تتحول المؤسسات الوطنية والمطارات والمنشآت المدنية إلى أدوات أو ساحات في الصراع.

أما حين يصبح الطفل مشروع مقاتل، والموظف بلا راتب، والمريض بلا دواء، والطريق مغلقاً، والمطار معطلاً، والاتصالات مورداً للحرب لدى الميليشيات الحوثية، فإن الانهيار لا يعود عسكرياً فقط، بل يصبح انهياراً في معنى الدولة نفسها.

الدولة تُقاس في النهاية بما تمنحه للإنسان من أمن وحقوق وخدمات وفرص للحياة، لا بمجرد وجود مؤسسات تحمل أسماءها، وعندما يفقد المواطن هذه الحماية، يصبح الصراع أكبر من معركة على السلطة، يصبح صراعاً على معنى الدولة ووظيفتها، وعلى ما إذا كانت الموارد والمؤسسات موجودة لخدمة المجتمع أم لتعزيز سلطة الجماعة وإدامتها كأمر واقع.

ولهذا كله، لا يمكن أن تكون دعوات السلام مجرد خطاب سياسي وكفى، فالسلام الحقيقي يبدأ حين تتوقف الميليشيات الحوثية عن استخدام العنف لإدارة المجتمع، وتُفتح الطرق، وينتهي الحصار، ويُفرج عن المعتقلين تعسفياً، وتُحمى المنشآت المدنية، وتوضع الموارد العامة تحت الشفافية والمساءلة، ويتوقف استنزاف اليمن في صراعات تتجاوز حدوده.

أكرر: السلاح ينبغي أن يكون تحت سيطرة الدولة كشرط لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، والسلام الذي لا يعيد للإنسان اليمني أمنه وحقه وكرامته وموارده في تقديري ليس سلاماً، وإنما هدنة مؤقتة بين جولات أخرى من الحرب لطالما استخدمتها الميليشيات الحوثية لتعزيز سلطتها كأمر واقع، أما السلام الذي يحتاج إليه اليمن، فهو الذي يعيد للدولة وظيفتها، وللمواطن حقه، وللموارد العامة معناها، وللحياة نفسها فرصة لأن تستعيد طبيعتها.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء