Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسرحية تونسية تطرح مأساة اختفاء الموت من الوجود 

المخرج علي اليحياوي اقتبس رواية ساراماغو ليواجه سؤال الخلود مشهديا

مشهد من المسرحية التونسية "مديح الموت" المقتبسة عن رواية ساراماغو (اندبندنت عربية)

في رواية "انقطاعات الموت" للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو  يختفي الموت من المدينة فجأة بعد أن أعلنت كل المؤسسات الصحية أنها لم تسجل حالة وفاة واحدة. تغمر الفرحة قلوب الناس، فالموت، هذا العدو اللدود، توارى وبات الخلود مصير جميع البشر. لكن هذه الفرحة سرعان ما تحولت إلى قلق وخوف، فمهن كثيرة باتت مهددة بالزوال بعد اختفاء الموت، بل إن الكنيسة والحكومة أصبحتا مهددتين بعد أن فقدتا سلطتهما، حين  أصبح الإنسان خالداً لا يهرم ولا يموت. لقد أدى غياب الموت إلى فوضى عارمة لم تعرفها المجتمعات الإنسانية من قبل، الأمر الذي دفع بكثير من البشر إلى الفرار إلى الدول المجاورة حتى يهربوا من "معاناة الخلود"، وكان من نتائج  التهافت على الموت قيام منظمة سرية تسهل الموت على الراغبين فيه، أصبحت، في ظرف وجيز، دولة داخل الدولة.

كل الرواية ليست إلا مديحاً للموت ودعوة ملحة إلى تقبله بوصفه الوجه الآخر للحياة، فنحن، في واقع الأمر، نحيا بالموت.

"مديح الموت"

على هذه الأحداث المستلهمة من رواية جوزيه ساراماغو بنى المخرج التونسي علي اليحياوي مسرحيته الجديدة "في مديح الموت" التي قدمها المركز الوطني للفنون الدرامية والركحية في مدينة تطاوين في الجنوب التونسي.

لا شك في أن الوضع الصحي الصعب الذي مرت به تونس، قبل أشهر قليلة، كان من الأسباب العميقة التي أدت إلى اقتباس رواية الكاتب البرتغالي واستلهام أحداثها. يقول مخرج  المسرحية متحدثاً عن انتشار جائحة كورونا في تونس والعالم: "فجأة وجد الإنسان نفسه عاجزاً عن مواجهة الوباء: حجر شامل وشوارع مقفرة، وكأن العالم أقفر من ساكنيه".

من المستشفى تبدأ المسرحية حيث رائحة الموت تملأ المكان، ننظر فلا نرى غير المشرحة حيث تتكدس الجثث، ولا نسمع غير صفير سيارات الإسعاف، أو نشرات الأنباء تعلن عن عدد الضحايا. بهذه الأجواء الكابوسية تبتدئ المسرحية حيث لا نقطة ضوء واحدة، ولا بارقة أمل، كل شيء يبعث على الرعب، فالموت يلقي بظلاله على المدينة، كل المدينة والناس يلوذون بالمنازل خائفين.

 مخرج المسرحية يطرح الأسئلة التي أثارها ساراماغو في روايته  "ماذا لو انقطع الموت فجأة وتركنا لحال سبيلنا؟ كيف ستكون حياتنا؟". في المسرحية  كما في الرواية يختفي الموت فجأة ليفضي هذا الاختفاء إلى أزمة اقتصادية خانقة. ومن جديد يكتشف الإنسان شيئاً فشيئاً أن الموت ضرورة حتى تستمر الحياة. سبعة أشهر مرت ولم يمت أي مواطن، أي إن "الموت مات"، وبات الخلود قدر كل إنسان.

مسرح الأسئلة

هذا الضرب من المسرح هو مسرح الأسئلة تستدرج المشاهد إلى وضع الواقع المألوف موضع نظر وتأمل، مسرح الجدل ينعقد بين رؤى فكرية وفنية ابتغاء الظفر بإجابة ممكنة على أسئلة اجتماعية وسياسية حارقة. بعبارة أخرى نقول، مستأنسين بلغة سعد الله ونوس، إن هذا المسرح يدفع المتفرج إلى كسر محارته، ويوقظ انتماءه إلى الجماعة، فيخرجه من كآبة وحدته، ويشبع جوعه للحوار.

ومن أهم خصائص هذا العرض أنه جمع بين السحري والواقعي، وبين العجائبي  والمألوف، وعمد إلى إلغاء المسافة القائمة بين إيقاع الفن وهدير الحياة. فالخشبة، في هذا المسرح الجديد، لم تعد منفصلة عن الحياة، ملفعة بالسحر والغموض. الخشبة، في هذا المسرح، اتسعت لتشمل الواقع كله، والقاعة تمددت، من جهتها، لتستغرق الحياة بكل ما تحويه من تفاصيل. فالكل بات ممثلاً، والكل بات متفرجاً.

اعتاد المخرج علي اليحياوي استلهام الروايات في أعماله المسرحية. مثل روايات إبراهيم الكوني وبرنارد مار ولتاز  وغارسيا ماركيز. لكن نصوصه المسرحية، وإن استمدت مادتها من الروايات، فقد ظلت مشحونة بطاقة درامية كبيرة. فأعماله المقتبسة لم تكن إلا أقنعة يتوسل بها الكاتب ليعبر عن موقف يريده أو ليحاكم نقائص العصر الحديث. فالأحداث التي يستحضرها علي اليحياوي مفعمة بهواجس الحاضر مثقلة بهمومه. أي إن مسرحياته لا تفتأ تحيل باستمرار على اللحظة الراهنة، إنها تدون تاريخاً مقروءاً من موقع معين في الحاضر من أجل تحقيق غايات وأهداف تكمن في الحاضر.

المتفرج مشارك

 حرص اليحياوي على تقديم عرض مسرحي يتحول فيه المتفرج إلى شريك فاعل لا يكتفي بالمشاهدة والاندماج مع الشخصيات وإنما يسهم في الحدث الدرامي، ويخلع عليه النظام والمعنى. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، توسل بالعديد من الصيغ الدرامية التي من شأنها أن تستدرج المتفرج إلى الحوار، وتدفعه إلى الانخراط في العمل الرامي والمساهمة فيه، وهذا ما جعل المتفرج في حال يقظة دائمة حتى يتأمل العرض المسرحي، ويقوم ما انطوى عليه من مواقف ورؤى.

وسعى المخرج إلى تأصيل مسرحيته، المستمدة من رواية برتغالية ذات مصادر ثقافية وحضارية غربية، في أديم الثقافة العربية، بحيث لا يتفطن المتفرج إلى مرجعيتها الأوروبية.. لقد اكتفى الكاتب بالإشارة إلى مكان الأحداث فوسمه بـ"الجمهورية البرلمانية" من غير أن يتبسط في الحديث عنه أو التعريف به، لكن كل الإشارات تحيل على الأرض العربية وبالتحديد على البلاد التونسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن المسرحية ليست نصاً فحسب وإنما هي مجموعة من الفنون المتداخلة المتواشجة. ومعروف أن النص المسرحي حظي على امتداد قرون عديدة المسرحي بقداسة كبيرة حظرت على الممثلين الخروج عنه. فالمسرحية تقوم، في نظر أرسطو على عدة عناصر أهمها القصة. وإذا كانت القصة أهم عناصر فالنتيجة المنطقية أن الكاتب المسرحي هو أهم العناصر في المسرح. لكن هذا التراتب الأرسطي اهتز بتأثير مباشر من الحركات المسرحية الحديثة التي حلت النص إلى مفردة من جملة مفردات عديدة تكون العرض المسرحي. ونحن إذا تأملنا هذه المسرحية وجدنا أنها، لغات متراكبة متداخلة من بينها لغة الدراما ولغة الرقص ولغة الأضواء ولغة الديكور. فالمسرحية عزف أوركسترالي تسهم فيه أصوات عديدة.

هذا الفهم الحديث للفن الدرامي أفضى إلى اعتبار النص، "مجرد مشروع" لا يمكن أن يكتمل إلا إذا توافرت عناصر أخرى تخرجه من حال السكون إلى حال الحركة، ومن حيز الكتابة إلى حيز المسرح والتمثيل. أي إن النص لا يكتمل إلا إذا تحول إلى عرض مع كل ما تنطوي عليه عبارة العرض من معاني الفرجة والاحتفال وتعدد الأصوات.

وهذا ما نجحت في إنجازه الفرقة المسرحية التي تمكنت من توظيف كثير من الفنون وتحويل العمل المسرحي إلى احتفال كبير.

المزيد من مسرح