Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الباحثة الفرنسية إلزا دورلين ترصد مقولة العنف تاريخياً وفلسفياً

تراوح تأويلي بين مقولة الدفاع عن النفس وتهديد الآخرين

المفكرة الفرنسية إلزا دورلين (دار الساقي)

من لديه الحق في الدفاع عن نفسه؟ ومن الذي يجد نفسه مستبعداً من هذا الامتياز؟ من له الحق في امتلاك السلاح ومشروعية استخدامه إن للهيمنة والسيادة أو للدفاع عن النفس؟ هل هو الفرد أو العرق أو الطبقة أو الدولة، تبعاً لامتيازات عرقية أو طائفية أو مذهبية أو طبقية أو جندرية؟

أسئلة مركزية أسست لصنوف من الانتهاكات والتنكيل والقهر بحق المرأة وبحق جماعات وأعراق وطبقات، مارست بدورها العنف نفسه عندما أتيح لها قلب المعادلات وموازين القوة. انطلاقاً من هذه الأسئلة بالذات تقترح إلزا دورلين في " فلسفة العنف" (ترجمة جلال بدلة، دار الساقي 2021) مسحاً تاريخياً لأشكال من العنف وصنوف من الدفاع الذاتي، فضلاً عن الأثر الذي يخلّفه العنف في حياتنا وأجسادنا، وما الذي في مقدورنا أن نفعل إزاءه وبواسطته.

في أوروبا القرون الوسطى منحت ميزة الحق في امتلاك السلاح لطبقة النبلاء، في حين حظّر على العبيد حمل أي سلاح أو أي عصي غليظة تحت طائلة الجلد، بما يحول من دون أقل بادرة قتالية من جانب هؤلاء، حتى أن أي محاولة من العبد للحفاظ على حياته تتحول إلى جريمة، إذ هو مذنب ومدان دائماً وأبداً، لكونه في حد ذاته "ذاتاً خطرة". وقد منع العبيد من الاحتفالات وحفلات الرقص، وكانوا إذ يجنّدون يوضعون في الصفوف الأولى في مواجهة الموت، باعتبارهم يتميزون بالانضباط والإذعان والجهل والقدرية.

تبحث دورلين في مشروعية العنف، وهل ثمة حرب عادلة تبرّر اللجوء المشروع إلى القوة، فتذكر أنه في القرن الـ 18 جرى تقييد الاستخدام الخصوصي للعنف، باعتبار الدفاع عن الأمة في النموذج الأنغلوسكسوني امتداداً للحق الطبيعي في دفاع المرء عن شخصه، بينما اعتبر في النموذج الفرنسي بمكانة الشرط الفعلي للانتماء إلى الجماعة الوطنية.

حرس نسائي

على هذه الخلفية، اعتبر حرمان المرأة من امتلاك السلاح حرماناً لها من المواطنة ومن حق الدفاع عن النفس، الأمر الذي أسس لحركات نسائية ناضلت ضد التمييز وطالبت بتنظيم حرس وطني نسائي نادى بالحقوق الطبيعية للنساء، وعرّف تسليحهن كحق طبيعي، فضلاً عن تعريفه كواجب وطني.

من منظور طبقي تم التنديد بالعنف بين الأمم، وبالعسكرة لكونهما يعملان في خدمة رأس المال وضد بروليتاريا الأمم الأخرى. ومن موقع جندري اتجه تيار من الحركة النسوية إلى العنف في المطالبة بمساواة مدنية ووطنية لا يمكن التوجّه بها إلى الدولة التي هي في رأي هذا التيار، المحرّض الرئيس لجميع صور اللامساواة. في هذا الإطار افتتح العام 1909 في لندن "نادي الدفاع الذاتي للمطالبات بحق المرأة في الاقتراع " بغية تعليم النساء التقنيات القتالية العملية الناجعة، فالدفاع الذاتي النسوي، في رأي هؤلاء، يقيم علاقة مختلفة مع العالم ومنوالاً آخر للوجود فيه. وهكذا كانت هذه التقنيات التي تشتمل على هدف سياسي وتدريبات بدنية وممارسات وشبكات دعم ومخابئ للأسلحة، بمكانة تقنية فعلية للدفاع النسوي عن النفس.

ترصد دورلين شكلاً آخر من أشكال الدفاع الذاتي إزاء هزيمة حتمية، كما في حال غيتو وارسو، فالمقاتلون في هذه الحال يعرفون تمام المعرفة أن لا أمل لديهم في النجاة، وأن الخيار المتاح أمامهم ليس بين الحياة والموت، بل بين الاستسلام السلبي لموتهم، وبين أن يموتوا ميتة مشرفة والسلاح في أيديهم.

وثمة توجّه أيديولوجي عرفته الحركة النسوية المعاصرة طرح بدل الدفاع السلمي، الرد على العنف بالعنف، والرغبة في الاقتصاص والانتقام، لأن اللجوء إلى العدالة لا يعد حلاً، ولأن الحملات التوعوية والوقائية لا تحمي النساء، وهو الأمر الذي سيؤول إلى أقصى درجات العنف من جانب المرأة الضعيفة والمعنّفة التي تتحول بدورها إلى جلاد، كما في رواية هيلين زاهافي "نهاية أسبوع قذرة " 1991 حيث باتت بيلا بطلة الرواية ترى نفسها بصورة مختلفة وتنتقل إلى استراتيجية العنف على الضد من تكتيك النجاة الذي اتبعته حتى الآن، فالرجال في رأيها لم يدخروا جهداً لكي تصل إلى هذه العتبة، وقد ربوها بالفعل على العنف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذ تتطرق إلى الدولة وموقعها في الوجود السياسي والإجتماعي وما يترتب على دورها في ضبط العنف والعنف المضاد، تجد المؤلفة أول تشكلات مفهوم الدفاع الذاتي بهيئته الحديثة في فلسفات العقد الإجتماعي التي دأبت على إحالة دفاع المرء عن نفسه بنفسه، إلى مفاهيم مثل الحرية والحق الطبيعي في الحفاظ على النفس، فتوماس هوبز الذي لئن تمثّل هدفه الأول في القضاء على كل أنماط العنف، استمر بفهم العنف بصورة إيجابية بوصفه ضرورة لن يستطيع أي جهاز قانوني تحييدها.

هكذا وضع هوبز حرية كل فرد في استخدام جميع الوسائل بغية الحفاظ على نفسه في مرتبة "الحق الطبيعي" الذي يتحتَم بمقتضاه الحفاظ على نفسه ومنع كل فعل مدمَر لحياته، وهو الأمر الذي يؤسس لمساواة البشر في الحالة الطبيعية من حيث التمتع بالحرية ومن حيث القدرة على الدفاع عن الذات، لكن هذه القدرة وإن كانت تقر مشروعية العنف الدفاعي وتعميم حق الدفاع على كل فرد ضد الجميع تؤدي إلى حالة مستمرة من انعدام الأمان لا يمكن العيش معها، مما يجعل من تنازل الفرد عن حقه الطبيعي لمصلحة سلطة واحدة ووحيدة "الدولة" ضماناً ناجعاً وفعلياً لحياة الأفراد.

ومثل هوبز يرى لوك إلى الحال الطبيعية كحال يتساوى فيها جميع البشر، وإلى الحرية كحق ممنوح للجميع بقدر متساو، إلا أنه أخضع الفرد في التصرف بشخصه خضوعاً تاماً لالتزام المحافظة على كيانه، ولواجب التعاون للمحافظة على النوع البشري، كما أقر في الوقت نفسه اللجوء المشروع إلى العنف ضد أي اعتداء على ملكية المالكين، فـ "أدافع عن نفسي" تعني في فلسفة لوك أنني "أدافع عن خيري وملكيتي"، أي أدافع عن "جسدي".

المزيد من ثقافة