ملخص
لا يقاس الدور السعودي بحجم المشاركة ورعاية الاجتماعات فحسب، بل بقدرة السعودية على توظيف علاقاتها السياسية والاقتصادية كأدوات ضغط عملية. ومن هذا المنطلق، تشكل الرياض ركيزة أساسية لأي جهد عربي يهدف إلى توحيد المبادرات المختلفة. وبينما يركز المسار السعودي - الأميركي بصورة مباشرة على المفاوضات بين طرفي النزاع والترتيبات الإنسانية، يعمل المسار المصري، كمسار مواز نحو تسوية سياسية. ومن هنا، يمكن لجامعة الدول العربية أن تؤدي دوراً في الربط بين هذه المسارات وتنسيقها.
جاءت زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى الخرطوم الإثنين الماضي لتؤكد دعم الجامعة للسودان ووحدته، مع السعي في الوقت ذاته إلى الربط بين الجهود الدبلوماسية العربية من جهة، والإقليمية والدولية من جهة أخرى. وشددت الزيارة على أن السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة يكمن في دعم حوار سوداني داخلي وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف السودانية، مع رفض فرض أي حلول أو ترتيبات خارجية. وخلال لقاءاته مع رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس وأعضاء اللجنة المكلفة التحضير للحوار السوداني، أكد فهمي ضرورة أن يؤدي المدنيون دوراً جوهرياً في رسم مستقبل البلاد، وذلك ضمن إطار وطني يحترم إرادة الشعب السوداني، ويحافظ على مؤسسات الدولة، ويمهد الطريق لعملية سياسية يقودها السودانيون بأنفسهم.
وعلى رغم أن دعم جامعة الدول العربية للسودان ليس أمراً جديداً، إذ جرى التأكيد عليه منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" عام 2023، فإن التواصل مع اللجنة المعنية بالتحضير للحوار السوداني يضفي بعداً مهماً، إذ يتيح للجامعة دعم إطار الحوار الوطني والمساعدة في تنسيق المبادرة التي يقودها السودانيون مع الجهود الدبلوماسية الخارجية. وتكمن أهمية الزيارة أيضاً، في محاولة توجيه الموقف العربي، بقيادة السعودية ومصر وجامعة الدول العربية، نحو دعم مسار سياسي قد يتطور ليصبح تسوية شاملة. ومع ذلك، يظل نجاح هذه المبادرة مرهوناً بمدى شمولية الحوار، ومشاركة القوى السودانية المتنوعة، والقدرة على التوصل إلى ترتيبات تضع حداً للقتال وتحمي المدنيين.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحذير مشترك صادر من الاتحاد الأوروبي و29 دولة أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والسعودية المتحدة، في شأن تزايد خطر المجاعة في السودان خلال الأشهر المقبلة. وهناك دعوات دولية إلى هدنة إنسانية عاجلة تضمن وصول المساعدات إلى ملايين المتضررين، وتمهد الطريق في الوقت ذاته لعملية سياسية تفضي إلى إرساء السلام والحفاظ على وحدة السودان.
ركيزة أساسية
تحتل السعودية موقعاً محورياً في المبادرات الدبلوماسية المتعلقة بالحرب في السودان، ويبرز ذلك بصورة خاصة من خلال استضافتها ورعايتها محادثات جدة بالشراكة مع الولايات المتحدة. وانطلقت هذه المحادثات في السادس من مايو (أيار) عام 2023، وفي الـ11 من الشهر ذاته، وقع طرفا النزاع على إعلان التزام بحماية المدنيين. وعلى رغم أن هذه العملية وفرت قناة للمفاوضات غير المباشرة حول القضايا الإنسانية ووقف إطلاق النار، فإنها واجهت تحديات تمثلت في محدودية النتائج وغياب آليات ملزمة لضمان تنفيذ الالتزامات. وفي الوقت ذاته، توفر "اللجنة الرباعية"، التي تضم السعودية والولايات المتحدة والإمارات ومصر، ثقلاً سياسياً أكبر وقدرة أقوى على تنسيق الضغوط على طرفي النزاع. وعلى عكس محادثات جنيف، لم تقاطع القوات المسلحة السودانية مسار جدة، ما يعزز الرأي القائل إن البناء على المنصة التي تقودها السعودية قد يكون أكثر فاعلية من إنشاء مسار جديد ومستقل تماماً.
ولا يقاس الدور السعودي بحجم المشاركة ورعاية الاجتماعات فحسب، بل بقدرة السعودية على توظيف علاقاتها السياسية والاقتصادية كأدوات ضغط عملية. ومن هذا المنطلق، تشكل الرياض ركيزة أساسية لأي جهد عربي يهدف إلى توحيد المبادرات المختلفة.
وخلال جولة محادثات جدة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023، تضمنت الالتزامات المعلنة تحسين وصول المساعدات الإنسانية، وإنشاء منتدى إنساني بقيادة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وتنفيذ تدابير لبناء الثقة بين الطرفين. وفي المقابل أشار البيان إلى أن طرفي النزاع لم يتوصلا إلى ترتيبات لتنفيذ وقف إطلاق النار خلال تلك الجولة. وفي سبتمبر (أيلول) عام 2025، صدر بيان مشترك عن وزراء خارجية السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، أكدوا فيه على جملة من المبادئ المشتركة، منها، ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وتأكيد عدم وجود حل عسكري قابل للتحقيق للنزاع، وأهمية حماية المدنيين وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، وضرورة إنهاء الدعم العسكري الخارجي الذي يطيل أمد النزاع، ودعم التوصل إلى تسوية تفاوضية تشمل كلاً من الجيش و"الدعم السريع"، ومساندة جهود "مسار جدة".
تحدٍّ جوهري
شاركت مصر في الجهود الإقليمية الرامية إلى إنهاء الحرب، فقد تشكلت "مجموعة الاتصال العربية في شأن السودان"، بقرار من جامعة الدول العربية في مايو 2023، وضمت في عضويتها كلاً من السعودية ومصر والجامعة العربية، وناقشت المجموعة، خلال اجتماعها في جدة، ضرورة التوصل إلى وقف إطلاق نار فوري ومستدام، ودعم "إعلان جدة" الإنساني، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، واستضافت القاهرة اجتماعات للقوى المدنية والسياسية السودانية.
وتطور الدور العربي لاحقاً إلى جهود أوسع تهدف إلى تنسيق المبادرات الإقليمية والدولية، حيث عقد اجتماع تشاوري في مقر الجامعة بالقاهرة في يونيو (حزيران) عام 2024 لتنسيق مبادرات السلام. وشارك في الاجتماع السعودية، إضافة إلى أطراف إقليمية ودولية فاعلة، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة "إيغاد" والأمم المتحدة، ومصر، والولايات المتحدة، ودول أخرى. وركز الاجتماع على سبل تعزيز آليات التنسيق المشتركة، وتكامل جهود تحقيق السلام، وتجاوز العقبات التي تواجهها هذه التحركات.
وقد أشار بيان رباعي صدر في سبتمبر عام 2025 إلى جهود مصر المتعلقة بـ"منبر القوى المدنية والسياسية السودانية"، الذي عقدت جولته الأولى في القاهرة في يوليو (تموز) عام 2024، وشددت فيه على تنفيذ مبادئ "منبر جدة"، وفي مقدمها المساعدات الإنسانية.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، اتخذت جامعة الدول العربية موقفاً إضافياً في شأن الأزمة السودانية، مؤكدة دعمها وحدة السودان وحواراً وطنياً شاملاً، ونظراً إلى أن هذه المبادئ الأساسية، المتعلقة بوحدة الدولة والحوار الشامل، كانت ترسخت بالفعل، فإن التحدي الجوهري يكمن في الانتقال من مجرد إعلان المواقف إلى التنفيذ الفعلي والتنسيق الفعال.
وفي سبتمبر الماضي، وفي إطار "الآلية الخماسية" في شأن السودان، التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، و"إيغاد"، والاتحاد الأوروبي، عقدت جامعة الدول العربية سلسلة من الاجتماعات مع مسؤولين سودانيين في الخرطوم، وهدفت هذه الجهود إلى ربط المبادرات الدولية والإقليمية بتلك المحلية، ودفع عملية سياسية تهدف إلى إنهاء الحرب.
تنسيق الجهود
على مدى عقود طويلة، راكم السودان خبرة واسعة في جهود صنع السلام، بدءاً من المفاوضات مع "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، التي بدأت تمردها عام 1955، والصراع في دارفور الذي اندلع عام 2003، وصولاً إلى الحرب الدائرة حالياً. ومع ذلك، تباينت نتائج هذه المساعي التفاوضية بصورة لافتة، ففي حين مهد "اتفاق نيفاشا للسلام" لعام 2005 الطريق أمام انفصال جنوب السودان عام 2011، فشلت جولات التفاوض المختلفة في شأن دارفور، بدءاً من "اتفاق أبوجا" لعام 2006، في تسوية أزمة الإقليم. وعلى رغم هذا التاريخ، فإن مسار المفاوضات في الصراع الراهن يتشكل وفقاً للديناميكيات الداخلية للعمليات العسكرية، فضلاً عن المتغيرات الهيكلية المتأصلة في طبيعة النزاع ذاته.
في سياق المبادرات التي تقودها أطراف عربية، تكتسب مواقف كل من السعودية ومصر وجامعة الدول العربية وغيرها أهمية سياسية ودبلوماسية واضحة، إذ تعزز هذه الجهود قنوات التواصل المباشر بين الجامعة العربية والحكومة السودانية، مع التأكيد في الوقت ذاته على دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، ويمكن لهذه المبادرات أن تؤدي دوراً في تنسيق الجهود العربية وربطها بمسارات إقليمية ودولية أوسع، غير أن فاعلية هذا الدور تظل مرهونة بالقدرة على التوصل إلى تفاهمات عملية بين طرفي النزاع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعد الحوار السوداني الداخلي ركيزة جوهرية في هذه العملية، وهو ما يتجلى في عمل اللجنة المكلفة التحضير لهذا الحوار، وكذلك في المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين المبادرات التي يقودها سودانيون ومشاورات "آلية المجموعة الخماسية". وفي هذا الصدد، تضطلع جهود كل من السعودية ومصر بأدوار تكاملية، فبينما يركز المسار السعودي - الأميركي بصورة مباشرة على المفاوضات بين طرفي النزاع والترتيبات الإنسانية، يعمل المسار المصري، الذي يتواصل مع القوى المدنية والسياسية، كمسار مواز نحو تسوية سياسية. ومن هنا، يمكن لجامعة الدول العربية أن تؤدي دوراً في الربط بين هذه المسارات وتنسيقها، بما يضمن تحويل التنسيق المعلن إلى نتائج ملموسة.
آفاق محتملة
يمكن تصور دور عربي مشترك يشمل تيسير المفاوضات، والإشراف على العملية السياسية، والمشاركة في ترتيبات تضمن وقف إطلاق النار وتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. ومع ذلك، فإن تحويل هذا الدور إلى ضمانة فاعلة يتطلب اتفاقاً واضحاً مع الأطراف السودانية حول طبيعة هذه الضمانات، وآليات مراقبة التنفيذ، وكيفية التعامل مع الانتهاكات. وتفتح زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية آفاقاً محتملة، إذ ستعتمد النتائج على قدرة الجهود العربية والدولية على تحويل الانتظام السياسي إلى خطوات عملية نحو إنهاء الحرب في السودان.
تشير وثائق جدة إلى أن التفاهمات الإنسانية واتفاقات وقف إطلاق النار تتطلب ترتيبات إجرائية، بينما تركز مبادرات الحوار السياسي على مستقبل الحكم والتوصل إلى تسوية وطنية. ولا يمكن لأي من المسارين أن يغني عن الآخر، فالتوقف المستدام للأعمال العدائية يستلزم تفاهمات وآليات قابلة للتطبيق، في حين تتطلب التسوية السياسية مشاركة سودانية واسعة واتفاقاً على ترتيبات الحكم والمرحلة الانتقالية. ويؤكد هذا على أهمية التنسيق بين السعودية ومصر وجامعة الدول العربية والشركاء الدوليين، مع الأخذ في الاعتبار أن الاتفاق على المبادئ العامة لا يعني بالضرورة الاتفاق على تفاصيل التنفيذ.
على المدى القريب، وكما أكدت الوثائق السعودية والأميركية والمصرية، إضافة إلى البيانات الدولية، تظل مسألة حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية قضايا جوهرية. وتشدد وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة في شأن التزامات "منبر جدة"، على الحاجة الملحة للانتقال من مرحلة التعهدات إلى التنفيذ على أرض الواقع.
أما على المدى البعيد، فيظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان الحوار الوطني المقترح قادراً على استيعاب مختلف القوى السياسية والمدنية والاجتماعية السودانية بصورة فاعل. وتشير معطيات "الآلية الخماسية" إلى أهمية وجود عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم. ومع ذلك، فإن تحديد المدى الحقيقي لهذه الشمولية يتطلب فحص تركيبة المشاركين، ومواقف القوى غير المشاركة، وآليات اتخاذ القرار، والضمانات المتاحة. وبناءً عليه، يمكن اعتبار الإعلان عن إطلاق حوار، أو تشكيل لجنة للتحضير له، هو ضربة البداية لتنفيذ البنود المقترحة، نتيجة جهود التحركات العربية لأنها الأزمة السودانية.