Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كاميرا كوساكوفسكي ترتحل في حياة الأشجار

الطبيعة بصفتها قوة هائلة تتحدى الإنسان إلى كونها حقيقة بشرية

فيلم عن البيئة بلغة سينمائية عالية (ملف الفيلم)

ملخص

ماذا يحل بالشجرة في اللحظة التي تقطع فيها؟ بم تشعر؟ وهل يجوز لنا أصلاً الافتراض أن ما نسميه "نباتاً" لا يملك إحساساً أو ذاكرة؟ من هذه الأسئلة الغريبة ينطلق فيكتور كوساكوفسكي في فيلمه الأحدث "هولي وود داست"، يرافق المخرج الروسي عالم النبات ستيفانو مانكوزو في رحلة إلى بيئة الأشجار، في محاولة لإزاحة موقع الإنسان من مركز الصورة، والنظر إلى العالم النباتي من داخله.

اختيار فيكتور كوساكوفسكي للشجرة ليس مفاجئاً لمن يعرف سينماه جيداً، فهذا مخرج لا يبدأ من موضوع يظن أنه يعرفه، وإنما من شيء يستعصي على الفهم. أفلامه الكبرى تنطلق من أسئلة تبدو بسيطة، ثم تفتح وراءها باباً على المجهول. الماء في "أكواريلا" كان أكثر من مادة طبيعية، وفي جديده تؤدي الشجرة الدور نفسه: هي حاضرة أمامنا طوال الوقت، لكننا لا نعرف كيف نراها.

"هولي وود داست" امتداد طبيعي لفلسفة كوساكوفسكي، وهو يعتبر أحد أكثر صانعي الأفلام الوثائقية ابتكاراً في السينما المعاصرة. لكن الفيلم يكشف أيضاً عن تطور في اهتمامه: من الطبيعة كقوة هائلة تتحدى الإنسان، إلى الطبيعة كحقيقة قد تكون أقرب إلينا ويمكننا التواصل معها. فالفيلم، في تصريح جاء على لسان المخرج، يسأل تحديداً عما يحدث في الثانية التالية لقطع الشجرة، وما الذي يمكن أن تفكر فيه أو تشعر به في تلك اللحظة.

هذه الأسئلة ليست في منأى عن قواعد كوساكوفسكي الـ10 لإنجاز الفيلم الوثائقي الذي كان وضعها قبل بضع سنوات، التي هي أشبه بمانيفستو. قاعدته الأولى تختصر هذا الموقف كله: "لا تنجز فيلماً إن كنت قادراً على الاستمرار في العيش من دون إنجازه"، في حقبة زمنية ينتج فيها عدد هائل من الأفلام كل عام، لا يرى كوساكوفسكي سبباً لإضافة فيلم جديد إلى الرصيد العالمي إلا إذا كان ضرورياً بالنسبة إليه. في هذا الصدد يسأل: "إذا كنت تفتقر إلى المقاربة الفنية المميزة، فلماذا تنجز فيلماً؟"، السينما، في نظره، ليست مهنة تمارس كوظيفة، ولا وسيلة للتعليق على الأحداث الجارية، إنها أقرب إلى الحاجة البيولوجية.

ولهذا السبب، يرفض بشدة فكرة استخدام السينما لأغراض دعائية تتجاوز الفن، حتى لو كانت الغاية منها نبيلة. "لسنا الأمم المتحدة، لا يسعنا تغيير العالم". لا يؤمن أن المخرج قادر على إنقاذ البشرية من خلال فيلم، لكنه يؤمن بقدرة الفن على تغيير نظرة الأفراد إلى العالم. وهذا ما يبدو حاضراً بقوة في عمله الجديد، فبدلاً من أن يقدم درساً عن الأشجار، يجعلنا ننظر إليها بطريقة لم نعتدها. يقول إن الفن قد يكون عاجزاً عن إيقاف الحروب، لكنه يعتقد أن "رواية القصص يمكن أن تزرع بذوراً لمستقبل أفضل".

تجربة بصرية

ينبذ كوساكوفسكي الأفلام التي تأتي بإجابات وقناعات، قاعدته الثانية تقول: "لا تصور إن كنت تنوي قول شيء ما، صور فقط إذا احتجت إلى أن ترى شيئاً ما"، بالنسبة إليه، إذا كان بإمكانك قول الشيء نفسه عبر الكتابة، فلا حاجة إلى فيلم. السينما عنده تبدأ حين ينتهي الكلام. لهذا السبب لا يمكن اختزال أفلامه بسهولة، كونها مبنية على تجربة بصرية وحسية، بعيداً من المعلومات التي يمكن تلخيصها.

يرفض كوساكوفسكي أن يصور شيئاً، فقط لأنه يعرف مسبقاً ما يريد أن يقوله عنه. في "هولي وود داست" تبدو هذه الفكرة غاية في الأهمية، إذ لا يحول الفيلم إلى محاضرة في علم النبات. البحث العلمي جزء من السيناريو، لكنه ليس غاية في ذاتها. تشير المواد التعريفية إلى قدرات النباتات على الإدراك والاستجابة والتعلم والتواصل والذاكرة، وهي أمور تقلب التصور البشري التقليدي الذي يضع الإنسان في أعلى درجة بين سائر المخلوقات.

هذا يحملنا إلى الحديث عن قاعدة كوساكوفسكي الخامسة التي تنصح بـ"تصوير فقط ما لا تعلم إذا كنت تحبه أو تمقته"، ذلك أن الشك عنده شرط من شروط الفن. فإذا أحببت شيئاً مسبقاً، ستبحث عن الأدلة التي تثبت جماله، وإذا كرهته، ستبحث عما يدينه. في كلتا الحالتين، تصبح الكاميرا أداة دعاية. وكوساكوفسكي يفضل أن ينجز أفلاماً عما لا يفهمه، الموضوع عنده يبدأ من منطقة لا يستطيع فيها إصدار حكم نهائي. حتى أثناء التصوير، يرفض أن يثق بالعقل وحده. يحضر كل شيء مسبقاً: المعدات، حركة الكاميرا، الفريق. لكنه عندما تبدأ اللحظة الحقيقية، يغلق عقله ويشغل غريزته، مشبهاً الإخراج بالرقص: "كل عملنا كمخرجين رقصة"، هذه الجملة تلخص طريقته في التعامل مع الواقع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أهم قواعده ربما هي تلك التي يقول فيها إن "القصة مهمة، لكن الإدراك أهم". وهذا ما يفسر اعتماد أفلامه على الصورة والصوت والموسيقى كعناصر سردية قائمة في ذاتها، ثم تأتي القاعدة التي تبدو كأنها تناقض كل ما سبق: "لا تتبع قواعدي، ابحث عن قواعدك". وعلى رغم أن قواعده هذه أصبحت مرجعاً لكثير من السينمائيين، فلا يرغب كوساكوفسكي في أن يكون معلماً ويعامل كـ"أستاذ في مدرسة". وهذا يتأتى من إيمانه بأن لكل مخرج تجربته الخاصة، وأن ما يشعر به أحدنا قد يكون مستحيلاً عند الآخر.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما