ملخص
قدّم وزير الخزانة البريطاني جون هيلي أول موازنة له حملت رسائل في اتجاهين، إلى الخارج بتمويل كامل لخطة الاستثمار الدفاعي، وموعد عام 2030 لبلوغ ثلاثة في المئة من الناتج المحلي، وحزمة بـ13.3 مليار دولار لأوكرانيا، وإلى الداخل بنحو 200 مليون دولار لإنشاء مواقع إيواء كبيرة، تمهيداً لإغلاق فنادق اللجوء، ودفعة طاقة بنحو 133 دولاراً لـ20 مليون أُسرة، تمولها ضريبة إضافية على المصارف، لكن الهامش المالي تقلص إلى قرابة 20 مليار دولار، وتراجع الهجرة الذي تعده الحكومة إنجازاً سياسياً، يضغط على حساباتها.
قبل أن يقف جون هيلي أمام مجلس العموم ظهر اليوم الأربعاء، ليقرأ أول موازنة له وزيراً للخزانة، أجرى مع رئيس الوزراء آندي بيرنهام اتصالاً هاتفياً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، سبق اجتماع الحكومة، وعرض بيرنهام في الاتصال زيادة الدعم البريطاني لكييف بـ10 مليارات جنيه إسترليني (13.3 مليار دولار)، وصفها بأنها أكبر التزام مالي تقدمه المملكة المتحدة لأوكرانيا، بحسب داوننغ ستريت.
وبعد ساعات، وفي ملحق الموازنة المعروف بـ "الكتاب الأحمر"، ورد سطر آخر موجه إلى جمهور مختلف تماماً: نحو 200 مليون دولار من الاستثمار الرأسمالي عام 2027-2028، لتمويل مواقع كبيرة إضافية لإيواء طالبي اللجوء، تمهيداً لوقف استخدام الفنادق.
ويكشف الرقمان معاً طبيعة هذه الموازنة، فهي وثيقة مالية مزدحمة بكُلف المعيشة والطاقة، لكن خلف بنودها رسائل سياسية في اتجاهين: إلى واشنطن وكييف وموسكو من جهة، وإلى ناخب بريطاني يتنازعه حزب "العمال" و"ريفورم" من جهة أخرى.
على الصعيد الدفاعي، أعلن هيلي تمويل خطة الاستثمار الدفاعي بالكامل بما يسد فجوة تقارب 6.7 مليار دولار، وقال إن موازنة الدفاع هذا العام تزيد نحو 18.6 مليار دولار على آخر موازنة لـ "المحافظين"، متعهداً بأن تعرض مراجعة الإنفاق في العام المقبل كيفية الوفاء بالتزام "الناتو" بإنفاق 3.5 في المئة من الناتج على الدفاع، بحلول عام 2035، مع تحديد 2030 موعداً لبلوغ ثلاثة في المئة، مضيفاً بدء مفاوضات معاهدة مع فنلندا وبولندا وهولندا، لإنشاء آلية دفاعية متعددة الأطراف، وصفها بالمصرف، وتوجيه "صندوق الثروة الوطني" و"بنك الأعمال البريطاني" نحو الدفاع والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، بما يصل إلى 6.7 مليار دولار من الاستثمار، والإقراض على أربعة أعوام.
وعلى الصعيد المعيشي، أعلن هيلي دفعة طاقة بنحو 133 دولاراً لـ20 مليون أُسرة في فئات ضريبة المجلس المحلي من "أ" إلى "د"، تودع مباشرة في حساباتها هذا الشتاء، بكلفة تقارب 3.5 مليار دولار، ولتمويلها رفع الضريبة الإضافية على أرباح المصارف ثلاث نقاط مئوية مدة 15 شهراً، وقال إنه اختار "أن يطلب قليلاً أكثر من المصارف"، لدعم الناس العاديين.
خارجياً، تلقت واشنطن موعداً لا مساراً ممولاً، فقد انتقد ترمب مراراً إنفاق الحلفاء الدفاعي، ولوّح بالانسحاب من الحلف، وسبق وزير الدفاع ويس ستريتينغ الموازنة بتأكيد أن بريطانيا ثالث أكبر منفق في "الناتو"، لكن الأرقام السنوية التي تنقل بريطانيا إلى ثلاثة في المئة، لن تُعرف قبل مراجعة الإنفاق، ثم إن الـ6.7 مليار دولار المخصصة عبر الصندوقين ليست زيادة في موازنة وزارة الدفاع، بل قروض واستثمارات لا تخرق القواعد المالية، لأنها يُفترض أن تدرّ عوائد، وهي قابلة للاحتساب ضمن أهداف "الناتو".
أما كييف فتلقت الرسالة الأوضح رقمياً، بحسب ما نقلته وسائل إعلام أوكرانية عن زيلينسكي، إذ تمتد حزمتها على ثلاث أعوام، بنحو 9.3 مليار دولار للاقتصاد، و4 مليارات لدعم الصادرات وتسليم المعدات العسكرية، يأتي ذلك فيما أوقف ترمب التمويل الحكومي المباشر لأوكرانيا، وتتفاوض المفوضية الأوروبية مع لندن وأوتاوا وطوكيو لزيادة مساهماتها عام 2027.
وبالنسبة إلى روسيا، فهي تقرأ الرسالتين معاً: المال والتحالف مع دول الجناح الشرقي لـ"الناتو"، فقد اتهم المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بريطانيا في أغسطس (آب) الماضي بأنها "تصب الزيت على النار"، وتعرقل أي تقدم نحو التسوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
داخلياً، تبدو الهجرة الملف الأكثر حساسية، وقد تعاملت معه الموازنة من زاويتين: الأولى رمزية مباشرة، وهي تمويل مواقع الإيواء الكبيرة لإنهاء صورة فنادق اللجوء التي استثمرها "ريفورم" طويلاً، والثانية أعمق وأقل ظهوراً في الخطاب، وتتعلق بأثر تراجع الهجرة على المالية العامة، فوفق "معهد الدراسات المالية"، تشير بيانات التأشيرات إلى أن صافي الهجرة ربما انخفض بنحو 130 ألف شخص هذا العام، في حين لم يتوقع "مكتب مسؤولية الموازنة" أي تراجع، وهو ما قد يدفعه إلى خفض توقعاته، وبالتالي خفض الإيرادات.
وكان "مكتب الإحصاء الوطني" قد خفّض توقعه لصافي الهجرة على المدى الطويل من 340 ألفاً إلى 230 ألفاً سنوياً، وقدّرت مؤسسة "نيوزسكواك" أن كل خفض بـ50 ألفاً في توقعات الهجرة، يقتطع نحو 5.3 مليار دولار من الهامش المالي.
وهنا تتقاطع الرسالتان، فقد رأى المعلق السياسي إيان دانت أن حزب "العمال" يراهن على أن أعواماً من الهجرة المنخفضة قبل انتخابات عام 2029 ستُفرغ خطاب نايجل فاراج من مضمونه، لكن هذا التراجع نفسه يعقد حسابات هيلي، وعلى رغم ذلك أبقى هيلي القواعد المالية قائمة، وأكد "مكتب مسؤولية الموازنة" أن الهامش سيبلغ نحو 20 مليار دولار عامي 2029-2030، بعد أن كان نحو 31.4 مليار في مارس (آذار) الماضي، على أن يرتفع إلى نحو 29.3 مليار في العام التالي، وبرّر هيلي ذلك بالقول إن الهامش وُجد لامتصاص صدمة الحرب في إيران، "استخدمه حين تحتاجه، وأعد بناءه حين تستطيع".
ولا ينفصل الملف عن العلاقة مع أوروبا، فبعد أسابيع من الموازنة يتوجه بيرنهام إلى بروكسل في الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لقمة تسعى إلى إنجاز اتفاقات على تجارة الأغذية، وتداول الانبعاثات، وبرنامج لتنقل الشباب، وتقف الأرقام عقبة، فبريطانيا تريد سقفاً بـ50 ألف شاب سنوياً، والاتحاد الأوروبي يريد 150 ألفاً، وبيرنهام نفسه قال إن العلاقة الحالية مع الاتحاد "ليست جيدة بما يكفي"، لكنه يبقى ملزماً ببيان "العمال" الانتخابي لعام 2024، الذي استبعد العودة للسوق الموحدة والاتحاد الجمركي وحرية التنقل.
وجذور هذا الحذر قريبة، ففي يونيو (حزيران) الماضي استقال هيلي من وزارة الدفاع احتجاجاً على خطة رأى أنها أقل بكثير مما يتطلبه الوضع، وبعد توليه الخزانة، أكدت الوزارة في أغسطس الماضي أنه لن يلتزم بثلاثة في المئة بحلول عام 2030، فوصفت مجلة "سبكتيتور" ذلك بالتراجع.
وفي ملف الهجرة، ورثت حكومة بيرنهام من سلفها ستارمر خطة تقييد أُعلنت في مايو (أيار) 2025، وفُهمت على نطاق واسع رداً على تقدم "ريفورم" في الانتخابات المحلية، وتشير الموازنة إلى أن حكومة بيرنهام اختارت "التأجيل المنظم"، برسائل خارجية بالمواعيد، وأموال محدودة لأوكرانيا والدفاع، عبر قنوات خارج الموازنة، وإنفاق داخلي رمزي في الهجرة، وترحيل الحسم إلى قمة بروكسل ومراجعة الإنفاق.
ومنطق هذا المسار هو حماية الهامش وطمأنة سوق السندات، وتجنب منح فاراج مادة جديدة، وكلفته أن الحلفاء يقرأون وعوداً لا شيكات، وأن الضغط على الإيرادات يتراكم مع كل خفض في توقعات الهجرة.