ملخص
تكتسب العمارة التي تدور فيها الأحداث أهمية أكبر من أنها مكان للأحداث أو خلفية لحركة الشخصيات، فالبناية التي يحرسها "سمعان" بكل عناصرها نموذج مصغر للمجتمع الذي تتجاور داخله شخصيات مختلفة في مصالحها ومواقفها وقدرتها على فرض إرادتها.
يعدّ فوز فيلم "خروج آمن" للمخرج محمد حماد بـ"جائزة نجمة الجونة الذهبية" لأفضل فيلم روائي طويل خلال الدورة التاسعة من المهرجان، انتصاراً لتجربة تنتمي إلى السينما المستقلة التي تشق طريقها بصعوبة، وكذلك خطوة جريئة استطاعت تحطيم صخرة تجنب الاقتراب من منطقة شديدة الحساسية سينمائياً، وهي تفكيك علاقة الخوف بالتطرف والصمت بالعجز والشعور بالاضطهاد وفقدان القدرة على الدفاع عن النفس.
الفيلم لا يشبه الحكايات التقليدية المبهجة، ولا القصص التي قد تجعلك تتوقع النهايات السعيدة، لكنه حال خاصة تعبّر عن شخصيات تعاني الألم بكل مستوياته، والانكسار الداخلي والرهبة والعجز والصمت الذي يكون رد الفعل الوحيد تجاه القهر والإحساس بضعف الأقليات.
اختار محمد حماد في السرد طريقة أقرب إلى الصمت الداخلي والانفعالات المدفونة في التعبير عن شخصيات الفيلم، وقد يبدو أنه منذ المشهد الأول قرر الطرق على أكثر الأبواب خطورة، ليطرح قضية يراها كل شخص بطريقته وإحساسه، فبعضهم قد يرى أنه يعبر عن المجتمع ومشكلات الفقراء والمهمشين، وبعضهم الآخر استشعر منذ اللحظة الأولى أن العمل يمسّ الأقليات وشعورهم بالخوف، والهواجس التي يعانونها نتيجة تبعات تطرف ديني مضاد يعدّهم صيداً ضعيفاً في كثير من الأحيان.
سمعان... شاهد على الجرم
سينتابك في حال مشاهدة الفيلم شعور منذ بداية المشهد الأول بتعاطف شديد مع "سمعان" الشاب القبطي الوسيم المرتبك الضعيف الذي يخشى رفع صوته أو الرد على أي شخص مهما كان قاسياً معه. فاستدرجنا المخرج عن طريق "سمعان" للشعور بضعفه الداخلي الذي يجعلك تقف في صفه، وستدرك بصورة غير مباشرة أن "سمعان" هو رمز للأقليات الخائفة التي يمارس عليها المجتمع سطوته وقسوته وتجد نفسها غير قادرة على اتخاذ مواقف حاسمة مناسبة لما يمكن أن تتعرض له.
يرسم العمل أبعاد وتاريخ شخصية "سمعان" الذي يبلغ من العمر 25 سنة، فهو قبطي مصري فقير تعرض والده لحادثة على يد الجماعات الإرهابية في ليبيا، ولقي مصرعه ذبحاً على يد تنظيم "داعش" في الحادثة الشهيرة التي تسببت في ألم لا يزال يعتصر قلوب المصريين على رغم مرور ما يقارب 13 عاماً عليها.
وعلى رغم أن "سمعان" يحكي عن الحدث وكأنه مجرد خلفية أو ذكرى مؤلمة، فإنه في واقع الأمر أكبر من ذلك، لأنه مفترق الطرق الذي صنع شخصيته ووضعها وراء جدار الخوف الطائفي من العنف الذي يمارس ضد الأقباط على يد الجماعات المتطرفة الدموية.
ولا يتعامل الفيلم في كل مشاهده مع هذه الواقعة على أنها مأساة انتهت بانتهاء لحظتها، بل على أنها صدمة امتدت آثارها إلى الحاضر، وتركت صاحبها ضحية لقلق جعله أسيراً مرتعباً من الآخرين، ومتردداً في التعبير عن غضبه أو الدفاع عن حقه.
استمرارية الألم والذكريات المرعبة كانت المحرك المباشر للأحداث، إذ لم يترك المخرج الحدث يسقط بالتقادم، بل جعل "سمعان" مشاركاً في مشاهدة مذبحة أبيه ليظل نابضاً بالأوجاع التي لا مفر منها، وتفاجئنا الأحداث بأن "سمعان" يكشف عن أنه كان مع والده في ليبيا وتركه الإرهابيون من دون أن يذبحوه مثل أبيه ليظل يحمل مشاعر الخوف حية ما دام أنه حيّ، وينقل التجربة الدموية إلى غيره كأنه شاهد عيان يعطي للجريمة عمقاً أكبر بذكرياته المؤلمة عنها، وهنا تتجاوز الحكاية حدود استعادة جريمة إرهابية وقعت في الماضي، لتطرح قضية أكثر تعقيداً وهي مشاعر الناجين من العنف وآثار التطرف الدامي على الضحية وفقدان الشعور بالأمان حتى في الأماكن التي يفترض أن تكون محايدة وآمنة.
وعبر مواقف فاصلة يعري العمل ضعف "سمعان"، ويكشف عن مخاوفه من مواجهة كل شيء مهما كان مؤذياً أو حتى تافهاً فهو عاجز كلياً عن فكرة المقاومة، ولا يستطيع الصمود في أبسط المواقف. وتكشف الأحداث المتتالية عن شاب مهزوز، مرتبك اعتاد الانسحاب قبل أن تبدأ المواجهة، حتى صار الخوف جزءاً من تكوينه النفسي، لا مجرد رد فعل على خطر عابر، فـ"سمعان" مكبل بضعفه في مواجهة شخصيات الفيلم التي تمارس عليه القهر بكل أنواعه مثل "عبدالله" الإرهابي الذي يعيش معهم في العقار، أو الساكن سليط اللسان الذي يتعمد إهانته والذي يأمره بجلب أغراض باستخدام السب والتوبيخ.
يقدم محمد حماد شخصية "سمعان" بعيداً من الصورة النمطية للبطل الذي ينتصر على ظروفه بمجرد أن يكتشف قوته الداخلية، وهذه السمات لا تقرأ فقط بوصفها ملامح شخصية ضعيفة، بل بوصفها نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية تحمل ذاكرة عنيفة مرتبطة بمقتل والده، وفي الوقت نفسه يعاني شعوراً بالهشاشة داخل محيط اجتماعي لا يثق تماماً بقدرته على حمايته.
هنا، يقترب الفيلم من الإحساس الذي قد يتولد لدى بعض أبناء الأقليات الدينية حين تصبح نتائج الفتن الطائفية وأعمال العنف والتطرف جزءاً من الذاكرة الجماعية، وعندما يتعارض الانتماء الديني مع الإحساس بالأمان والقدرة على الدفاع عن النفس تكون النتيجة شخصية مثل "سمعان" الذي يفترسه الخوف والضعف ولا يستطيع مواجهة ما يهدد إحساسه بالأمان، وكأن العالم كله مساحة محتملة للخطر، وأي اعتراض قد يفتح باباً لا يستطيع إغلاقه.
وعلى رغم وضوح فكرة خوف الأقليات، لكن مخرج الفيلم انتقل إلى قيمة أكبر في تناوله الدرامي، إذ لم يجعل الهوية الدينية تفسيراً وحيداً لكل ما يعانيه "سمعان"، ولم يحوله إلى ضحية مكتملة الملامح تنتظر تعاطف الآخرين، بل عبّر عنه كشخصية متشابكة ومركبة إنسانياً بفعل كثير من الأسباب، فهو يعاني صدمة نفسية ويواجه واقعاً اجتماعياً مرتبكاً، ويعيش تناقضاً بين رغبته في حياة طبيعية وعجزه عن التصرف، لأنه مستسلم وفاقد للرغبة والاستحقاق، ويسهم في استمرار الوضع بامتناعه عن المواجهة، وهنا تصبح الشخصية أكثر تعقيداً من أن تكون مجرد ضحية مفعول بها، بل هي فاعلة بأنها أسيرة صمت يسمح للخطر بأن يظل قائماً.
العمارة... هنا يحتمي الخائف والفاسد والمتطرف
تكتسب العمارة التي تدور فيها الأحداث أهمية أكبر من أنها مكان للأحداث أو خلفية لحركة الشخصيات، فالبناية التي يحرسها "سمعان" بكل عناصرها نموذج مصغر للمجتمع الذي تتجاور داخله شخصيات مختلفة في مصالحها ومواقفها وقدرتها على فرض إرادتها.
وتتنوّع الشخصيات المتناقضة بين "عم عربي" العجوز الفاسد الذي يتعامل مع المكان بمنطق المصلحة، بينما يعيش "عبدالله" الإرهابي المتطرف متستراً داخل العمارة، ومستفيداً من قدرة المحيطين به على التغاضي بسبب خوفهم من بطشه وإكراماً لأمه العجوز التي تحمي ابنها في دائرة أخرى من دوائر التواطؤ.
وفي "خروج آمن" الفساد لا يرتبط بفرد واحد، بل بشبكة من العلاقات التي تتيح له الاستمرار، سواء بفعل المصلحة أو الخوف أو الانحياز العاطفي. ويجمع المخرج بين شخصيات الخائف والفاسد والمتطرف داخل مكان واحد ليكشف عن كيف يمكن للخطر أن يتحول إلى جزء من الحياة اليومية حين يجد من يحميه ومن يستفيد منه، ومن يخشى الاعتراض عليه، وهكذا تصبح العمارة مساحة تكشف عن العلاقات التي تجعل العنف ممكناً، وليست مجرد مسرح لصراع بين حارس قبطي ومتطرف ديني.
وضع مخرج العمل وسط كل شخصيات الفيلم المحاصرة بالمصلحة والخوف والتهديد، شخصية "فاطمة" المرأة الفقيرة المسلمة المريضة التي لا تملك المال الكافي للعلاج. وعلى رغم أن ظروف "فاطمة" تبدو للوهلة الأولى أكثر قسوة من ظروف "سمعان"، لكنها تمتلك صفات يفتقدها الجميع مثل الأمل والكرامة والجرأة والقدرة على المبادرة وعدم الاستسلام الكامل للواقع.
وتكتسب العلاقة بين فاطمة وسمعان أهميتها من هذا التناقض، فالرجل الذي يبدو أنه أكثر قوة واستقراراً وصحة عاجز عن الحفاظ على كرامته وحب الحياة والتخلص من خوفه، بينما المرأة المشردة الضعيفة التي لا تجد مسكناً ولا دواءً ولا مالاً يسهم في علاجها من مرضها الخطر تمنح الحب والأمل والسعادة.
ومن خلال علاقة فاطمة بسمعان تبدأ الجدران التي بناها حول نفسه بالتصدع، ويكتشف أن وجود شخص آخر إلى جواره لا يعني بالضرورة تهديداً جديداً، بل قد يكون فرصة لاستعادة ثقته بنفسه وبالعالم. ومن هنا يبدو أن المخرج حرص على ألا يجعل الاختلاف الديني بين فاطمة وسمعان يمثل عائقاً إضافياً لتعقيد العلاقة بين الشخصيتين، بل بالعكس تجاوز هذه الفجوة، ولم يقدم فاطمة بوصفها تمثل ديناً في مواجهة دين سمعان، وعبّر الفيلم عنهما كشخصين يلتقيان عند نقطة إنسانية مشتركة، ويكشف كل منهما للآخر عما يفتقده.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ماذا تقول الصورة؟
على المستوى البصري، اختار المخرج الابتعاد من الألوان المبهجة والإضاءة، وسيطرت على المشاهد درجات لونية قاتمة تتناسب مع الحال النفسية للشخصيات. وتمنح العمارة إحساساً بالرتابة والانغلاق، وربما تعمد ألا يبدو المكان محايداً أو مريحاً، بل كأنه يضغط على ساكنيه، ويضاعف شعورهم بأنهم محاصرون داخل حياة لا تتغير، وأن الخروج من أزماتهم أكثر صعوبة مما يبدو، ولهذا على الجميع أن يتحرروا من مخاوفهم وقتامة حياتهم.
خدمت الصورة الداكنة بناء المناخ النفسي الخائف والمقبض للشخصيات، وكان لا بد من مستوى صوتي يتناسب مع هذا الإعتام، فجاء صوت الأبطال بطيئاً وخافتاً ومنخفضاً بلا روح أو حماسة وكـأن الشخصيات تتحدث من داخل مخاوفها.
"خروج آمن" ليس مجرد فيلم يمكن اختزال هدفه في قضية واحدة، فهو ليس عن التطرف فقط، ولا عن القوة والضعف، والغالبية والأقلية، إنه فيلم يتجاوز الحدود النفسية ليصل إلى أعماق النفس السحيقة التي ينهشها الخوف والإحساس بفقدان الأمان، وهو أيضاً يعري المجتمع حين يصبح الصمت وسيلة للتعايش مع الخطر.