Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شاشة "الجونة" تحكي ما تبقى من إنسان الحرب

"حلم صيف آخر" و"طبيب أميركي" و"مارينكا" ترصد وجوه وأزمات الخراب النفسي لدى أبطاله

لا تنحصر مآسي الحروب في أعداد القتلى والجرحى أو المدن التي تتحول إلى أنقاض (إدارة المهرجان)

ملخص

لم تقتصر الأعمال في مجملها على استحضار مآسي الحروب في لحظة سياسية وإنسانية شديدة القسوة، بل اختلفت طرق روايتها، إذ منح الفيلم الوثائقي مساحة للشهادة المباشرة، وتسجيل التجارب التي يصعب اختزالها في الأخبار، بينما استعانت الأفلام الروائية والقصيرة بالرموز والعلاقات الإنسانية، لتقديم صورة أكثر درامية عن المجتمعات التي تعيش تحت الحصار أو التهديد العسكري.

لا تنحصر مآسي الحروب في أعداد القتلى والجرحى أو المدن التي تتحول إلى أنقاض، لكن قد تكون البداية الأكثر مأسوية، منطلقة من آثار تلك الاعتداءات حين يحاول الناجون استكمال حياتهم. وفي الدورة التاسعة من "مهرجان الجونة السينمائي"، تصدّرت وجوه الحرب والخراب والتدمير المشهد عبر مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية والقصيرة، التي تجاوز تسجيل الوقائع إلى الاقتراب من آثارها الإنسانية والنفسية والاجتماعية.

وجاءت فلسطين ولبنان في مقدمة هذه المساحة السينمائية، إضافة إلى تجارب أخرى، حاولت فتح منافذ مختلفة للتأمل في معنى الحياة بعد النجاة من الموت بالحروب، وحدود قدرة الإنسان على استعادة أمانه، بعد أن يصبح العنف جزءاً من تفاصيل يومه، من دون وضع سيناريو للنهاية.

وتنوّعت الأعمال التي أثارت جدلاً في "الجونة السينمائي" بين الروائي والوثائقي، ولم تقتصر في مجملها على استحضار مآسي الحروب في لحظة سياسية وإنسانية شديدة القسوة، بل اختلفت طرق روايتها، إذ منح الفيلم الوثائقي مساحة للشهادة المباشرة، وتسجيل التجارب التي يصعب اختزالها في الأخبار، بينما استعانت الأفلام الروائية والقصيرة بالرموز والعلاقات الإنسانية، لتقديم صورة أكثر درامية عن المجتمعات التي تعيش تحت الحصار أو التهديد العسكري.

حين تعيش المدن داخل ذاكرتها

قدّمت المخرجة الإسبانية إيرين بارتولومي الفيلم الوثائقي اللبناني "حلم صيف آخر"، الذي تناول بيروت وشوارعها بعد عام 2020، والحادثة الأكثر تأثيراً في أهلها خلال الفترة الأخيرة، وهو تفجير مرفأ بيروت وسقوط آلاف القتلى، بينما الناجون لا يزالون ضحايا للترويع النفسي حتى هذه اللحظات.

المخرجة الإسبانية التي زارت بيروت، وعاشت بها فترة قبل انفجار المرفأ، وشعرت بسعادة غامرة بسبب الحياة والناس، ونمط المجتمع الذي ترك في ذاكرتها صوراً لا تنسى عن روعة تلك المدينة الساحرة، تأثرت كثيراً بعد انفجار المرفأ، وتخريب جزء كبير من جمال بيروت ومنشآتها، ولهذا فكرت في تقديم عمل يحمل مواجهة بين الذاكرة والصور الجميلة من جهة، وبين الواقع الحالي من جهة ثانية.

تعاملت المخرجة مع الحرب في لبنان من دون الحاجة إلى مشاهد قصف مباشرة، بل جعلت آثار العنف هي المتحدث الأول، الذي يكشف تغير الملامح والهوية وحجم الضرر والألم، لتصبح المدينة نفسها شاهداً على ما حدث.

من هنا جاءت الزاوية المميزة للمخرجة الإسبانية في الاستعراض عبر محادثات تليفونية مع شخصية وهمية تدعى "إليسا"، يجريها أشخاص يعيشون في بيروت، ويتحدّثون عن آلامهم النفسية الشديدة، حتى مع نجاتهم من الموت المحقق بسبب العدوان الغاشم على المرفأ.

 

حاولت المخرجة أن تركز في تجربتها فقط على العلاقة بين المدينة وسكانها، وكيف تظل الأمكنة محملة بالذكريات حتى بعد تغير ملامحها، وكشفت في رؤيتها عن الشرخ الذي أحدثه الانفجار في إحساس السكان بالاستقرار، وتعمّدت ترك الفيلم أسئلة مفتوحة عن قدرة الناس على مواصلة الحياة، في مدينة تتراكم عليها الأزمات، وكيف يتعافى الإنسان وهو يعيش بين الأماكن التي تذكره بما فقده؟

نجح العمل في تقديم مقاربة تأملية تمزج بين الوثائقي والخيال، ومن خلال الصور والأصوات وتفاصيل الحياة اليومية والتعامل مع الأنقاض، باعتبارها حاملة لذاكرة حية، بدلاً من الاكتفاء بتقديمها كآثار مادية لكارثة انتهت.

وختمت المخرجة فيلمها بعبارة تؤكد فيها أنه في الحال اللبنانية تحديداً، من وجهة نظرها، لم تأت الكارثة منفصلة عن واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي مضطرب، إنما تداخلت مع أزمات جعلت استعادة الحياة الطبيعية عملية أكثر تعقيداً، وحتى لو استعادت المدينة بعض ملامحها، فهذا لا يعني أن أهلها استعادوا شعورهم السابق بالأمان، لأن لا شيء يمحو تلقائياً ما تراكم في الذاكرة.

طبيب أميركي وثلاث شهادات حاسمة

أما فيلم "طبيب أميركي" للمخرجة بوه سي تينغ فشرح الحرب وآثارها بطريقة أخرى، ومن زاوية مختلفة من طريق متابعة ثلاثة أطباء أميركيين ينتمون إلى خلفيات دينية وثقافية مختلفة، لكن يجمعهم العمل على إنقاذ الأرواح في غزة، ثم يواجهون مسؤولية نقل ما شاهدوه إلى الجمهور بعد عودتهم.

ويضم الفيلم الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، وجرّاح العظام الأميركي - اليهودي مارك بيرلموتر، وجراح الإصابات فيروز سِدوا الذي ينتمي إلى خلفية زرادشتية. ورغم اختلاف تجارب الأطباء وخلفياتهم ودياناتهم وثقافتهم وهوياتهم وطرق تعبيرهم عن مواقفهم، لكن الخبرة المباشرة مع المرضى والجرحى في القطاع تجمعهم، حيث يعمل بعضهم في ظروف طبية بالغة الصعوبة، مع نقص الموارد واتساع الحاجات الإنسانية.

اختارت المخرجة مساراً مختلفاً لسرد روايتها، وعرض وجهة نظرها من الناحية الفنية، ولم تلتزم بالطرق المضمونة والرائجة في تصوير وتسجيل حكايات الأطباء عند غرف العلاج، وإنقاذ الحالات الحرجة، بل أهملت تلك المنطقة، وتجاوزت نحو منطقة أكثر حداثة، وهي حكايات وشهادات الأطباء الثلاثة بعد العودة من معارك غزة، وآلام مرضاها وضعف الأجهزة الطبية فيها، ومن هنا ترتقي المخرجة بالأطباء الثلاثة، ليخوضوا معركة أكثر صعوبة، حين يحملون ضمائرهم بعيداً من مواطن الضغط والانفعال، وينقلون شهاداتهم إلى وسائل الإعلام ومخاطبة الرأي العام والدوائر السياسية، في محاولة لإبقاء معاناة من تركوهم خلفهم، حاضرة في النقاش العام.

 

أبرز ما ميّز العمل الفني "الطبيب الأميركي" أنه اعتمد على فكرة شديدة التأثير والخطورة، وهي ماذا يحدث عندما يعود الشاهد لحياته المعتادة، بينما يحمل في داخله تجربة شديدة الألم تظل مصاحبة له مادام حياً، وطرح العمل تفاصيل آلام شخص رأى آثار الحرب من قرب، في التعامل مع المسافة بين ما يعرفه، بحكم تجربته، وما يستطيع الآخرون استيعابه أو تصديقه.

لم يقدّم العمل الأطباء بوصفهم أبطالاً منزوعين من التناقضات، بل أتاح مساحة لاختلافهم في الشخصية والهوية وطريقة التعبير عن الشهادة، مما منح الفيلم بعداً يتجاوز تسجيل مهمة طبية إلى مناقشة المسؤولية الأخلاقية التي قد تترتب على رؤية الألم مباشرة، ليخلص الفيلم إلى نتيجة مهمة، وهي أن المعرفة النابعة من تجربة شخصية لا يمكن أن يكون الصمت فيها خياراً، بل يصبح موقفاً أخلاقياً وإنسانياً، يحتاج صاحبه إلى تفسيره لنفسه والآخرين.

"كنتاكي غزة"

في مسابقة الأفلام القصيرة، اختار الفيلم الأردني "كنتاكي غزة" للمخرج عمر رمّال مدخلاً مختلفاً ليعبُر به إلى المأساة، بعيداً من الصورة المباشرة للدمار والضحايا، وقدم رمّال أبعاد الحصار من خلال فكرة تبدو بسيطة، وهي الحصول على وجبة من مطعم شهير، لكن هذه الرغبة تتحول إلى مغامرة معقدة، حين تصبح السلعة العادية شيئاً يصعب الوصول إليه.

 

تبدأ الحكاية بقصة أنور الذي يحاول تهريب وجبات الدجاج إلى غزة، مستغلاً حاجة الناس ورغبتهم في ظل الحصار المفروض وصعوباته، ولا يبدو الطعام في هذا السياق مجرد عنصر طريف أو وسيلة لصناعة مفارقة درامية، بل تناقض كبير ومفجع بفعل الحصار والخراب والحروب، فرض مسافة إجبارية بين الحياة الطبيعية التي يتعامل فيها الإنسان مع اختياراته اليومية، باعتبارها أمراً بديهياً، وبين حياة أخرى يصبح فيها الوصول إلى هذه الاختيارات معركة مستقلة، ومن خلال هذه المفارقة، يقترب الفيلم من أثر الحصار في العلاقات الأسرية والطموحات الشخصية.

طفولة تحت الحصار

يقدم الفيلم اللبناني القصير "يوما ما ولد" للمخرجة ماري روز حكاية صبي يبلغ من العمر 11 سنة، يتمتع بقدرات خارقة ويعيش مع عمه في قرية لبنانية، ومن شدة تعوّده على ضجيج الحرب، تصير أصوات الطائرات الحربية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

يفتح الفيلم ملف تأثير الحروب ومعاناة الأطفال، ومدى عدمية امتلاك الصغار مواهب خارقة في المجتمعات التي تعيش تحت التهديد العسكري، ويركز على أنه حتى في حال امتلاك قدرات استثنائية، فهذا لا يعني بالضرورة القدرة على التخلص من الخوف، أو استعادة الشعور بالأمان، وحتى لو بدا الطفل بفضل ما يمتلكه من قدرات مختلفاً عن الآخرين، لكنه يظل في النهاية كائناً ضعيفاً يحتاج إلى بيئة تمنحه فرصة للنمو، بعيداً من الخطر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تبدو القضية الأكثر إيلاماً، التي يطرحها الفيلم وتنتهي بها أحداثه، أنه يضع الطفولة في مواجهة واقع يفرض عليها النضج الباكر، حين يصبح الانتباه إلى أصوات الطائرات ومراقبة ما يجري في المحيط، جزءاً من الحياة المعتادة، وهنا تتحول الحرب من مشهد يقع خارج المنزل إلى تجربة تتسلل إلى الوعي، وتؤثر في علاقة الطفل بالعالم، وبمفهوم الأمان نفسه، ويدمره هذا الشعور حتى نهاية عمره.

الحرب حين تشطر العائلات

لا يقتصر حضور الحرب في برنامج "مهرجان الجونة السينمائي" في دورته التاسعة على التجارب العربية، بل يمتد إلى ويلات الحروب في دول أخرى مثل أوكرانيا، وقد عُرض بنجاح كبير الفيلم الأوكراني "ماريينكا" للمخرج بيتر يان دي بو، وتناول العمل تجربة شباب من بلدة تقع على خط المواجهة، عاشوا لأعوام مع تداعيات الحرب والانقسام الذي أصاب عائلاتهم.

ويكشف "مارينكا" وجهاً آخر للصراع، لا يتعلق بالحرب المباشرة والتدمير والقصف والنزوح من المدن، وإنما يبرز أثر كل ما سبق على الجانب العائلي والإنساني، ومدى دوره في تفكك الروابط الأسرية، وتباعد أفراد العائلة الواحدة تحت ضغط الحرب.

 

اعتمد الفيلم على نقلة درامية مهمة، كانت المؤثر الرئيس في الأحداث وتغيير مسارها، وهي تحوّل المكان الذي يجمع الأسرة إلى ساحة مواجهة، وهو ما من شأنه جعل العلاقات الإنسانية هشة ومعرضة للانقسام، حين يجد الأبناء أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم الاختيار بين أماكن وذكريات وروابط لا يمكن فصلها بسهولة، بينما يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع واقع يغير خططهم، ويعيد تشكيل علاقاتهم ومفهومهم عن الانتماء.

في "مارينكا" لا يعبّر العمل عن الحرب بوصفها حدثاً عابراً في حياة الجيل الجديد، بل تجربة تمتد عبر أعوام، وتترك آثارها في الطريقة التي ينظرون بها إلى أسرهم ومدنهم ومستقبلهم.

اجتمعت الأفلام المذكورة، التي عبّرت عن الحرب في "مهرجان الجونة"، على تجاهل مشاهد الدمار أو استدعاء مشاعر الحزن، وركزت بصورة كبيرة على تداعيات الخراب الداخلي الذي يلحق بالإنسان الذي يعيش وينجو بعد هذه المأساة، ويواصل البحث عن وسيلة للحفاظ على حياته وعلاقاته وذاكرته.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما