العراق ومصيدة البطل المنقذ: حواجز لا مرئية (3-2)

البلد يسير في دائرة مقفلة تتكرر فيه الأحداث كل قرن تقريباً

صورة أرشيفية لمتظاهرين عراقيين في بغداد (رويترز)

يقول جيمس جويس: "التاريخ كابوس، أحاول أن أصحو منه"، وفي الحالة العراقيَّة ماذا يمكن فِعله إذا كان التاريخ ساكناً في الحاضر ضيفاً ثقيلاً لا يقبل المغادرة؟

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2003 قررتُ زيارة بغداد بعد تغرّب ونفي استمر 27 سنة. أتذكّر أني حين حذَّرني بعض الأصدقاء من الوضع الأمني المتردي هناك ومخاطر الطرق البريَّة الرابطة بالأردن وسوريا بسبب تكاثر قُطّاع الطرق المجهزين بأحدث سيارات المرسيدس والأسلحة الناريَّة من مسدسات إلى بنادق كلاشكنوف، كان جوابي غريباً نوعاً ما بالنسبة إليهم: "إنها لحظة تاريخيَّة لا تتكرر إلا مرة كل مئة سنة"، كان سقوط بغداد الأول على يد البريطانيين عام 1917، فهم ابتدؤوا أولاً باحتلال البصرة يوم الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول) 1914، وبعد أقل من ثلاث سنوات دخلوا بغداد يوم الـ11 من مارس (آذار) 1917.

في الطريق إلى بغداد، تعرَّض الجيش البريطاني بين عامي 1915 و1916 إلى أكبر هزيمة على يد الجيش العثماني، عرفها خلال الحرب العالميَّة الأولى في منطقة تقع ما بين الكوت والعمارة، وكانت حصيلتها 4 آلاف قتيل، عدا عن أسْر أعداد غفيرة، مات الآلاف منهم في أثناء سيرهم مشياً على الأقدام صوب شرق تركيا عبر أراضٍ أصبحت لاحقاً جزءاً من العراق، بفعل الكوليرا والأشغال الشاقة.

سيكرر الجيش البريطاني طريقه ثانيَّة خلال شهر مارس (آذار) أيضاً، حين شارك القوات الأميركيَّة في احتلال العراق عام 2003، ففي يوم الـ7 من أبريل (نيسان) تمكّن البريطانيون من السيطرة تماماً على البصرة بعد معارك ضاريَّة مع وحدات من الجيش العراقي خسروا خلالها عدداً قليلاً جداً من القتلى.

هـأنذا أخيراً في بغداد أتعرّف على وجوه جديدة داخل عائلتي الكبيرة المتوزّعة في أحياء مختلفة من بغداد، ولِدت ونشأت وبلغت سن الشباب الذي بلغْتُه قبل خروجي من العراق.

كانت المدينة رغم حالة الذهول التي أصابت سكّانها مملوءة بالحركة، بسياراتها المهلهلة، بالمحلات العامرة بسلعها الكهربائيَّة المستوردة التي اصطفت على الأرصفة، بالبسطات الممتدة في تلك المناطق الراقيَّة، باللصوص الذين ما زالوا يجولون الشوارع بحثاً عن صيد سهل.

في ساحات بارزة من بغداد، كانت هناك سلع من نوع خاص تُعرض على الطريق، لوحات فنيَّة مسروقة من غاليريات المدينة، سلع كهربائيَّة ما زالت متداولة رغم مضي أكثر من ستة أشهر على نهبها من أسواق الدولة وجامعاتها ومراكزها الطبيَّة، وحين مررتُ بالمكتبة الوطنيَّة كانت جدرانها لا تزال تحمل آثار الحريق الذي لحقها في أثناء القصف الجوي المكثّف عليها.

كأنَّ العراق يسير في دائرة مقفلة تتكرر فيه الأحداث كل قرن تقريباً، بعد استيلاء البريطانيين على بغداد خلال الحرب العالميَّة الأولى شكّلوا مجلساً استشارياً لإدارة الحكم من وجهاء البلد، بينما ظلّت السلطة الحقيقيَّة بيد فريق من الضباط البريطانيين الكبار بقيادة اللواء بيرسي كوكس، وها هو مجلس إدارة الحكم يظهر ثانيَّة بينما السلطة هي بيد الموظف الأميركي، بول بريمر، الذي أُطلِق على وظيفته اسم غير رسمي: "الرئيس المؤقت للعراق".

عند وصول الأخير إلى بغداد، قلبَ المائدة في وجه اللاعبين، كان سلفه الجنرال جاي غاردنر في طريقه إلى منح ضباط الجيش الكبار دوراً قيادياً، وكان بالإمكان استخدام نصف مليون عسكري لحفظ النظام وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة من جديد، بدلاً من ذلك، كان قرار حل الجيش والمؤسسات الأمنيَّة محمولاً في جيبه.

وها هي بغداد تعيش حالة أقرب إلى أفلام الخيال العلمي، إذ تهبط كائنات غريبة من كوكبٍ آخر، فتتحكّم بمصير أبنائها الذين يزيدون على خمسة ملايين نسمة.

في الطرق كنتَ ترى الشاحنات العسكريَّة المحملة بجنود غرباء وهي تسير بحركة متباطئة، وكلما اقتربت سيارة التاكسي التي تقلّني من خلفيَّة إحداها يستعد أحد الجنود لإطلاق النار من بندقيته الآليَّة، ومن وقتٍ إلى آخر تظهر لك قافلة مدرعات فتقطع حركة المرور.

حالة الفوضى التي سادت البلد بعد دخول وحدات أميركيَّة إلى بغداد يوم الـ7 من أبريل (نيسان) 2003، وما ترتّب عليه من عمليات نهب واسعة لممتلكات الشعب نفسها كانت قمتها نهب المتحف العراقي الغنيّ بالآثار، خفّت الآن، وكأنّ الاستقرار قانون الوجود الثابت، فليس هناك زلزالٌ أو بركانٌ أو وباءٌ قادرٌ على البقاء إلى الأبد.

مع ذلك، كنتَ تسمع قصفاً منتظماً بطائرات الهليكوبتر لمناطق في الكرخ تستحكم فيها مجموعات متعددة، بعضها مرتبطٌ بالنظام السابق، وبعضها لم يجد أمامه خياراً آخر بعد حل الجيش سوى مقاومة الاحتلال.

غالباً ما تكون تلك الغارات الجويَّة أعمالاً انتقاميَّة لمقتل جندي أميركي بانفجار عبوة ناسفة أو برصاصة قنّاص.

هكذا، وخطوة خطوة تحوَّلت بغداد إلى ثلاث مدن قائمة على أساس طائفي: الأولى ذات طابع سُنّي أجبرَ الشيعة على مغادرتها، والثانيَّة ذات طابع شيعيّ أجبر السُّنة فيها على الهروب منها، وثالثة وهي الأصغر حافظت على هُويتها المختلطة.

في المقابل ومع غياب المؤسسات الأمنيَّة التي تزخر بعناصر ارتكبت جرائم ضد السجناء السياسيين خلال النظام السابق، أصبحت الميليشيات المرتبطة بواجهات دينيَّة سُنّية مثل (القاعدة)، وشيعيَّة مثل (جيش المهدي) هي السلطة الحقيقيَّة. وأمام انعدام وسيلة للعيش أمام أعداد كبيرة من ضباط الجيش وضباط صفه، أصبح الانتماء إلى هذا الطرف أو ذاك الضمان الوحيد لتعويض ما خسروه من رواتب ومكانة اجتماعيَّة.

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2003، كنتَ تسمع في سيارات الأجرة أحاديث تضامن قائمة على أساس طائفي. كأنّ ذلك هو الضمان الوحيد للبقاء وسط غابة معتمة، لا يمكنك فيها رؤيَّة ما يجري وراء أقرب شجرة منك.

كانت هناك استثناءات صغيرة هنا وهناك، حيث يلتقي عددٌ من المثقفين خارج الأطر المذهبيَّة، يحدوهم الأمل بتحقيق تغيير ديموقراطي تسوده العدالة والمساواة، لكن القاطرة الطائفيَّة كانت انطلقت لتحل محل الدولة، وهذه المرة تلون تعبيرا "الوطني" و"العميل" بصبغة طائفيَّة.

كأنّ الجدران التي ظهرت بشكل مادي لتفصل الميليشيات المتقاتلة عن بعضها بعضاً، قد ظهرت عبر الاصطفاف البطيء الذي شهدته بغداد في تلك الأشهر والسنوات العجاف، لتتفجّر بشكلها الأعنف بين عامي 2006 و2007، مخلفةً وراءها أعداداً كبيرة من القتلى ذنبهم الوحيد هو أنهم وجِدوا في المكان الخطأ والوقت الخطأ لينتهي بهم المطاف جثثاً محمولة في صناديق سيارات قتلتهم الخلفيَّة، ليُرمَوا في ساحات مخصصة غالباً للقمامة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن العراق الذي وصله البريطانيون مع بداية الحرب العالميَّة الأولى يمتّ بصلة إلى ذلك البلد الذي كان ذات يوم أهم مركز حضاري في العالم حتى وقوع الغزو المغولي سنة 1258، فالخراب الذي ألحقه هولاكو بنظام الري الذي يعود إلى زمن السومريين والآشوريين وغياب الدولة المركزيَّة الموحدة ساعدا على تحوّل العراق تدريجياً من بلد زراعي يؤوي نحو 30 مليون نسمة إلى أرض يباب، بعد أن فقدت أكثر أجزائها الخصوبة، وحلّت محلها الأملاح لكي تصبح منطقة للكلأ تتنقل بين ثناياها القبائل البدويَّة في فترة رعيها. وتحت وطأة الغزوات المستمرة التي كانت تقوم بها القبائل القادمة من أواسط آسيا والأمراض والفيضانات انقرض أكثر فلاحي بلاد وادي الرافدين، وحلّت محلهم قبائل بدويَّة عربيَّة لم تبدأ بالاستقرار إلا في القرن الثامن عشر.

حين وصول البريطانيين إلى العراق لم يكن عدد سكانه يزيد على مليونين ونصف المليون نسمة، ومدنه لم تكن سوى واحات حضريَّة صغيرة وسط عالم محكوم بالعشائر وقيمه البدويَّة. كان المثقفون والضباط العراقيون الذين تعلّموا في أسطنبول والمنتمون إلى مدن بغداد والموصل والبصرة وجدوا أن هناك هُويَّة تجمعهم يحددها العيش في بلاد وادي الرافدين بعد أن بدأ التيار القومي التركي يتصاعد مع بروز حركة "تركيا الفتاة" في منتصف القرن التاسع عشر، ثم جاء الانقلاب العسكري الذي جرى ضد السلطان عبد الحميد سنة 1908 على يد لجنة الاتحاد والتقدّم.

منذ لحظة تشكّل الدولة العراقيَّة حُدِّد الموقف من المعاهدة التي فرضتها بريطانيا على الحكم العراقي الملكي مقياساً وحيداً لتقييم سياسيي ذلك العصر، فمقابل تصديقها من قِبل البرلمان العراقي وعدت بريطانيا بعدم السماح للدولة التركيَّة بأخذ الموصل.

وفق الصيغة الأولى للمعاهدة كان الإشراف على شؤون الدفاع والسياسة الخارجيَّة والماليَّة والأمن الداخلي بيد بريطانيا من خلال مستشاريها داخل الوزارات المعنيَّة، وهذا سيتم حتى يستقل العراق، ويصبح دولة عضواً في عصبة الأمم عام 1932. في المقابل نُعِت أولئك الذين كانوا حريصين على إبقاء الموصل جزءاً من العراق، وحريصين على بناء المجتمع المدني خطوة خطوة بـ"العملاء".

وها هو التجريم يتكرر مرة أخرى في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2003: أولئك الذين كانوا يقاومون بالسلاح القوات المحتلة اُعتبروا إما "وطنيين" لدى البعض، وإما "بعثيين" قتلة لدى البعض الآخر، في المقابل اُعتبر كل من رفض مقاومة المحتل أو تعاون معه بأنه "عميلٌ" أو "خائنٌ". أتذكر خلال فترة وجودي في بغداد أن مهندسة أرادت إصلاح خلل لَحِق بمحطة ضخ المياه الصالحة للشرب بعد تعرّضها لتفجير من قِبل "الوطنيين"، فكان جزاؤها القتل.

يمكننا القول إنه منذ تأسيس الدولة العراقيَّة، ظلت النخبة المثقفة محكومة بمبدأ رفض السلطة والسعي إلى إسقاطها، بغض النظر عما تحقق خلال فترات استقرار قصيرة. حين تشكَّلت الدولة العراقيَّة الحديثة عام 1921 كان عدد طلاب المدارس في عموم البلد لا يزيد على 229 شخصاً (راجع كتاب العراق الجزء الثاني لحنا بطاطو صفحة 132)، لكن هذا الرقم بلغ 14745 عام 1948 (بضِمنهم طلاب الجامعة)، ثم بلغ  73911 عام 1958، لكن إحدى المبررات التي قدّمها قادة ثورة 14 يوليو (تموز) في إسقاط النظام الملكي هو انخفاض مستوى التعليم من حيث العدد عما يجب أن يكون عليه.

وكأنّ ثورة 14 (يوليو) تموز زلزالٌ أيقظ كل تلك الشروخ التي كادت أن تلتئم في أواخر العهد الملكي، بحكم مبدأ الاسترضاء الذي ظل حكامه حريصين على اتباعه، فالكثير من الضباط الذين ثبت ارتباطهم بالحزب الشيوعي العراقي المناهض النظام الملكي نُقلوا إلى وظائف مدنيَّة، وظلت التغييرات الحكوميَّة مبدأ عاماً كلما هبّت انتفاضة ما، فبين عامي 1921 و1958 كان معدل عدد الحكومات التي تشكّلت هو 1.5 حكومة في السنة، أي ما يساوي تقريباً 50 حكومة.

لقد أدى سقوط النظام الملكي وصعود ضابطين إلى الحكم إلى حدوث انشقاق ظل يتعمق داخل الأحزاب الثوريَّة (الرافضة التطوّر البطيء)، خصوصاً ما بين الحزب الشيوعي وحزب البعث اللذين جمعتهما جبهة الاتحاد الوطني منذ عام 1957، وكان هدفها إسقاط النظام الملكي.

مرة أخرى، يظهر التجريم بين تيارين أحدهما يؤمن بأن الوحدة الفوريَّة بمصر وسوريا هي الطريق للوصول إلى الفردوس، وآخر يؤمن بأن الفردوس يتحقق بالوصول إلى مجتمع المشاعيَّة الخالي من الملكيَّة الخاصة لوسائل الإنتاج.

لكن هذا الاستقطاب خلق استقطابات أخرى على خطوط تماس إثنيَّة ومذهبيَّة ودينيَّة وقوميَّة، فتفجّرت صراعات دمويَّة على الأرض أو على النفوذ السياسي في مدن عاشت فترات طويلة من السلم الاجتماعي رغم تعدد كياناتها المجتمعيَّة مثل كركوك والموصل، لكن هذه الصراعات تلبّست طابعاً سياسياً تحت خانتي الصراع بين القوميين العرب والشيوعيين.

ومرة أخرى يختفي الانتماء إلى الوطن كأسبقيَّة ليصبح الانتماء إلى الحزب أو الأيديولوجيَّة هو الأساس، مثلما هو الحال عام 2003 حين زرتُ بغداد.

خلال الأسابيع القليلة التي قضيتها هناك، كانت هناك انقسامات مذهبيَّة وأخرى داخل المذاهب نفسها، فهي في جوهرها كانت صراعاً على من سيستحوذ على السلطة بالكامل. في عيد الفطر الذي حلّ آنذاك انقسم العراقيون إلى ثلاث خانات: السُّنة الذين بدؤوا عيدهم يوم الاثنين، والشيعة احتلوا خانتين. وهذا ما جعل البدء بالعيد مختلفاً بين ثلاثة كيانات، وأصبح العيد يبدأ في ثلاثة أيام متعاقبة: الاثنين والثلاثاء والأربعاء.

لقد أصبحت المحاصصة نهجاً منغرزاً في أعماق المؤسسة الحاكمة، فكل مؤسسة حكوميَّة يجب أن يكون نِصاب كل من العرب الشيعة والعرب السُّنة والأكراد (الذين أغلبهم من السُّنة) بهذا الشكل: 3: 1:1، بغض النظر عن الكفاءة والخبرة. وفي هذا المضمار نما الفساد مثل نمو البكتيريا فوق جرح مفتوح.

المزيد من آراء