ملخص
استقطبت مصادقة مجلس النواب الليبي أخيراً على مذكرة عام 2019 مع تركيا مواقف متعارضة من أنقرة والقاهرة وأثينا والاتحاد الأوروبي، وفتحت الباب أمام إعادة ترتيب التحالفات في شرق المتوسط، وسط تساؤلات عن مستقبل النفوذ المصري ومكاسب أنقرة المحتملة.
فتحت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا فصلاً جديداً في التنافس الإقليمي على ليبيا وشرق المتوسط، بعدما تحولت خطوة كانت مرفوضة من المؤسسة التشريعية في الشرق إلى قرار يحظى بترحيب أنقرة وطرابلس وبنغازي، ويواجه في المقابل اعتراضاً مصرياً وأوروبياً وإسرائيلياً.
ولا تقتصر دلالة القرار على الجانب البحري، فاعتماده من المؤسسة التشريعية في الشرق، بعد أعوام من المعارضة، يعكس تحولاً في حسابات العلاقة مع تركيا، التي كانت حليفاً عسكرياً رئيساً لحكومة طرابلس خلال حرب عامي 2019 و2020 ضد قوات "الجيش الوطني" الآتية من الشرق، وبات السؤال الأبرز يتمحور حول ما إذا كان هذا التحول سيعيد توزيع النفوذ في شرق ليبيا، حيث تحتفظ مصر تحديداً بعلاقات وثيقة مع القيادة هناك ومصالح أمنية وجغرافية يصعب تجاوزها.
صفحة جديدة مع الشرق
في الـ20 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري صوت مجلس النواب بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة "الوفاق الوطني" السابقة (برئاسة فايز السراج) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، في شأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في المتوسط، وألغى قراريه الصادرين عام 2020، اللذين رفضا المذكرة ودعوا إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، وتشمل المذكرة تحديد مناطق الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة وفق إحداثيات محددة، مع إتاحة التفاهم في شأن استغلال بعض الموارد الطبيعية.
ورحبت وزارة الخارجية التركية بالتصويت، عادّة أن "المذكرة تحمي الحقوق والمصالح المتبادلة للبلدين وفق القانون الدولي ومبدأ الإنصاف، وتفتح المجال لتعميق التعاون".
ورحبت الرئاسة التركية بالقرار، ووصفته بأنه "تطور مهم لحماية المصالح المشتركة وتطوير العلاقات مع ليبيا".
ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه "شرعي من الناحيتين القانونية والسياسية"، عادّاً أن "تصويت مجلس النواب يؤكد اتفاقاً قائماً منذ عام 2019"، بينما قال رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش، إن الاعتراضات الخارجية "بلا معنى"، مشدداً على أن "الاتفاق نتاج إرادة دولتين تتمتعان بالسيادة".
أما في ليبيا فرحبت قيادة "الجيش الوطني" في بنغازي بالتصويت، عادّة الاتفاق "أداة لحماية حقوق البلاد ومصالحها الاقتصادية في المتوسط"، كذلك رحبت وزارة الخارجية بحكومة "الوحدة الوطنية" (برئاسة عبدالحميد الدبيبة) في طرابلس بالقرار، وعدته خطوة لتعزيز العلاقات الليبية – التركية والتعاون الإقليمي.
وفي موقف لافت، أكد رئيس مجلس النواب، الصالحين عبدالنبي، خلال لقائه القنصل الإيطالي في بنغازي في الـ21 من أكتوبر الجاري، أن "الاتفاق قرار سيادي يخدم مصالح الليبيين ولا يمس مصالح الدول الأخرى".
وتعكس هذه التصريحات محاولة ليبية لتقديم المصادقة بوصفها ممارسة للسيادة الوطنية، فيما تراها دول معترضة، مسألة تتجاوز العلاقة الثنائية، لأن ترسيم المناطق البحرية قد يؤثر في مطالبات دول أخرى، ومن هنا، فإن القرار لا يحسم النزاع القانوني، ولا يضمن أن تتحول المذكرة إلى ترتيبات عملية مقبولة من جميع الأطراف.
مصالح تتجاوز ترسيم الحدود
أبرز وأهم القوى الإقليمية التي سيؤثر عليفيها قرار البرلمان الليبي اعتماد مذكرة التفاهم لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة ستكون بلا شك مصر، وعلى أكثر من مستوى، بالنظر إلى مصالحها الإستراتيجية في شرق ليبيا وعلاقتها الوثيقة مع القيادة هناك التي باتت مهددة صراحة بتمدد النفوذ السياسي والاقتصادي وربما العسكري لاحقاً لتركيا في أهم مناطق النفوذ المصري في ليبيا.
لذلك جاء الموقف الرسمي المصري صريحاً برفض المذكرة وحملت التصريحات التي عبرت عن هذا الموقف نبرة تهديد صريحة بالتصعيد إذا اضطرت القاهرة إلى ذلك، إذ أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها القاطع المصادقة، مؤكدة أن "المذكرة باطلة ولا يترتب عليها أثر قانوني في مواجهة مصر".
وقالت القاهرة إن "الاتفاق يمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، ويتعارض مع مبادئ القانون الدولي للبحار واتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وشددت على "احتفاظها بحقها في حماية مصالحها".
ويشرح الصحافي معتز المجبري موقف القاهرة من قرار البرلمان الليبي بالقول، "يمتد القلق المصري إلى ما هو أبعد من الإحداثيات البحرية، فالقاهرة تعتبر ليبيا عمقاً إستراتيجياً مباشراً، وترتبط مع قيادة الشرق بعلاقات أمنية وسياسية واقتصادية تراكمت خلال أعوام الانقسام، ومن ثم فإن إقرار اتفاق تعارضه مصر يكشف عن أن علاقاتها الوثيقة مع قوى الشرق الليبي لا تمنحها قدرة مطلقة على توجيه قراراتها"، وتابع، "لكن الاستنتاج بأن مصر خسرت نفوذها في الشرق يظل متسرعاً، فالجوار الجغرافي والحدود المشتركة والتحديات الأمنية والاقتصادية تمنح القاهرة أدوات تأثير لا يمكن استبدالها بسهولة، وقد تسعى قيادة الشرق إلى تنويع شركائها وتوسيع خياراتها التفاوضية، من دون التخلي عن علاقتها بمصر".
الطاقة والأمن
أما الباحث السياسي محمد العنيزي فيرى أن "الاتفاق يمنح تركيا وليبيا إطاراً ثنائياً لتأكيد مطالبهما البحرية، وقد يفتح المجال أمام تعاون في استكشاف الموارد الطبيعية أو استغلالها إذا توفرت الشروط القانونية والاقتصادية، وتكمن أهمية ذلك في أن شرق المتوسط منطقة تتداخل فيها احتمالات الغاز والنفط مع الحسابات الإستراتيجية للدول الساحلية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالنسبة إلى مصر، يشير العنيزي إلى أن "هذا الملف يرتبط بحقوقها البحرية وطموحها لتعزيز مكانتها مركزاً إقليمياً لتسييل الغاز وتصديره، أما تركيا فترى في الاتفاق وسيلة لتعزيز حضورها البحري وتوسيع خياراتها في ملف الطاقة، ومع ذلك لا تمنح المصادقة أنقرة تلقائياً حق استغلال مناطق متنازع عليها، ولا تثبت أنها ستعطل مشروعات الطاقة المصرية، فذلك يتوقف على التطورات القانونية والدبلوماسية، وعلى ما إذا كانت المذكرة ستتحول إلى ترتيبات تنفيذية"، وأضاف، "أمنياً قد يسهل التقارب السياسي توسيع التعاون العسكري التركي مع شرق ليبيا، خصوصاً بعد تحسن العلاقات بين الجانبين خلال الأعوام الأخيرة، لكن المذكرة البحرية منفصلة عن مذكرة التعاون الأمني والعسكري الموقعة عام 2019، لذلك لا يصح اعتبار المصادقة دليلاً بذاتها على إنشاء قاعدة تركية أو إقرار انتشار عسكري جديد في الشرق".
إعادة ترتيب التحالفات
يرى الباحث السياسي رضا شعبان وفق ما نشر على حسابه في "فيسبوك" أن "مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا والتقارب بين عائلة حفتر وأنقرة لا يمكن أن تقرأ إلا كتحدٍ مباشر للمصالح الاستراتيجية والجيوسياسية لمصر في شرق المتوسط". ويوضح أضرار هذه الخطوة على مصر وتداعياتها، ومنها "المساس بالمناطق الاقتصادية الخالصة لمصر حيث تعتبر أجزاء من القطاعات البحرية التي تشملها الاتفاقية تدخل ضمن الامتداد الطبيعي لمنطقتها الاقتصادية الخالصة، ويهدد هذا التداخل حقوق مصر السيادية في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في تلك المناطق الواعدة، ما دفع القاهرة عام 2022 إلى ترسيم حدودها البحرية الغربية من جانب واحد لقطع الطريق قانونياً على هذا التداخل".