ملخص
تتحسب السلطات السورية لاحتمال عودة تنظيم "داعش" للحركة في البلدات والمدن، وتسعى إلى مواجهة العناصر المتطرفة ضمن مناطق شاركت في الانتفاضة ضد نظام الأسد.
على قمة من قمم جبال القلمون بريف دمشق، تتموضع بلدة "رنكوس" الجبلية الوادعة التي كسر هدوءها الخميس الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، أزيز الرصاص المتبادل خلال مواجهة جرت بين قوات الأمن السوري ومَن قالت السلطات إنهم عناصر خلية تتبع لتنظيم "داعش"، مما أسفر عن مصرع عناصر من الأمن الداخلي وشبان من أبناء البلدة، التي شهدت خروج احتجاجات شعبية رافضة لرواية الحكومة ولطريقة تنفيذ العملية.
محاسبة المتورطين
سادت أجواء التوتر والاحتقان الشعبي طوال أسبوع، نظم خلاله الأهالي تظاهرات واحتجاجات سلمية، حتى عقد مجلس محافظة ريف دمشق لقاءً مع وجهاء بلدة رنكوس، في ريف دمشق الغربي بهدف التواصل بين الحكومة والأوساط الغاضبة.
ونجحت الإدارة المحلية في إزالة الألغام المزروعة على طريق التوصل إلى حلول مرضية، من أبرزها تسريع الإجراءات القانونية والإفراج عمن لا تتوافر مسوغات قانونية لاستمرار توقيفه، ومحاسبة مَن تثبت مسؤوليته عن أي جرم وفق القانون.
وكانت القوة الأمنية المؤلفة من قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة دهمت قبل أسبوع، أحياء سكنية بالبلدة الواقعة في ريف العاصمة دمشق الغربي. ويروي أحد القاطنين أن "الأمر زاد سوءاً مع وصول القوة الأمنية والمداهمة بصورة مفاجئة، مما استدعى وبصورة فورية تبادلاً لإطلاق النار دون معرفة سابقة بوجود قوة أمنية، وتنسيق سابق".
إزالة العقبات
في غضون ذلك أعلنت المحافظة في بيان عبر منصاتها الرسمية، أن الاشتباك الذي دار حال دون استكمال التحقيق المباشر مع المعنيين، وتحديد طبيعة الارتباطات والمسؤوليات بصورة نهائية، بينما التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة الحقيقة عبر الجهات المعنية.
وأكد البيان "الاعتزاز بأهل رنكوس وثقتنا بحرصهم على أمن بلدتهم واستقرارها واستمرار التواصل مع وجهائها، والجهات المختصة لمعالجة الملفات العالقة بما يحفظ الحقوق ويعزز الثقة ويصون وحدة المجتمع".
وأبدى محافظ ريف دمشق، عامر الشيخ، في تصريح صحافي عقب الاجتماع مع الوجهاء، "حرص الحكومة والدولة على استكمال التحقيقات وإعلان نتائجها وفق القانون، ورصد أي نشاط غير مشروع يهدد الأمن، والتصدي وفق ضوابط استخدام القوة حتى لا تتكرر تلك المآسي".
تطبيق الشفافية
في الأثناء تجري وزارة الداخلية تحقيقات حول الحادثة، وتعهدت بتوضيح التفاصيل والملابسات كافة، وعرضها على الرأي العام. وأكد بيان خاص بالعملية حرص الوزارة على اعتماد الشفافية وحق الرأي العام في معرفة الحقيقة بعيداً من الإشاعات، مضيفاً أن "المهمة الأساسية للعملية كانت مقتصرة على تنفيذ مذكرات إحضار، وتوقيف بحق مشتبه فيهم للتحقيق معهم استناداً إلى معطيات استخباراتية دقيقة".
وفي معرض سرد مجريات العملية، تحدث بيان وزارة الداخلية عن "مفاجأة قوة أمنية فور وصولها بمبادرة عناصر الخلية بإطلاق نار كثيف ومباشر نحوها مما أسفر عن مصرع عنصرين من الأمن الداخلي، وإصابة خمسة آخرين، مما فرض التعامل بحزم مع مصادر النيران".
وطالبت الوزارة بعدم الانجرار خلف ما وصفته بـ"الروايات المضللة" التي تحاول استباق العدالة والتشويش على الحقائق، وتحري الدقة وانتظار نتائج التحقيقات الرسمية، مؤكدةً في الوقت ذاته على أولوية أمن وسلامة أهالي بلدة رنكوس.
من جهته طالب الناشط السياسي، أحمد السيد عمر، بضرورة "وقف استخدام أسلوب المداهمات، إلا مع العصابات الخارجة عن القانون والتأكد من أن تلك المجموعات تمتلك السلاح الذي يشكل تهديداً بالنسبة إلى القوة المهاجمة، وإلا يجب استخدام طريقة أخرى بالقبض عليهم أو الطلب بمراجعة الجهات المختصة وفق القوانين والأنظمة المتبعة". وأضاف أنه "وفق المعلومات المتوفرة فإن الشبان أعمارهم صغيرة لا تتجاوز 25 سنة وبينهم طلاب جامعات. والتزامهم الديني لا يعني بأي حال من الأحوال وجود أي ميول أو انتماء إلى 'داعش'، هذه الحادثة لا بد أن تكون تجربة لعدم تكرار أساليب القوة المفرطة في الاعتقال بحال لم تُثبت أي اتهامات في حق هؤلاء الشبان".
قيد الاحتجاز
إلى ذلك تشير المعلومات الصادرة عن سكان من البلدة إلى الإفراج عن بعض الشبان المحتجزين، بينما لا تزال التحقيقات مستمرة مع آخرين منهم لا يزالون قيد الاحتجاز، لمحاولة تبيان انتمائهم إلى "داعش" أو أي تنظيم محظور آخر، وتطبيق القانون بحقهم، في حين يصف أهالي رنكوس هؤلاء الشبان بأنهم "من أبناء الثورة ممن شاركوا بفاعلية في إسقاط نظام الأسد"، بينما ترد مصادر أهلية ما يحدث إلى صراع نفوذ بين قادة فصائل ومجموعات مسلحة للهيمنة والسيطرة على المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتبع بلدة رنكوس إدارياً لمنطقة "التل" في محافظة ريف دمشق، وتبعد 47 كيلومتراً عن العاصمة السورية، تحدها من جهة الغرب بلدتا صيدنايا وسرغايا. وتُعد رنكوس بلدة ذات مقومات سياحية وطبيعية لارتفاعها عن سطح البحر، ووقوعها بمنطقة جبلية، وتحولها إلى مكان يطلبه السوريون في فصل الصيف، وتصدرت أسماء المصايف السورية العريقة، إلى جانب شهرتها الواسعة بإنتاج وزراعة الأشجار المثمرة، لا سيما التفاح واللوز والمشمش والكرز. ولم تكن رنكوس بعيدة من الأحداث السورية خلال العقد ونصف العقد الماضي، لا سيما مشاركتها في الحراك الشعبي لإسقاط نظام بشار الأسد.
وبالعودة لسبب المداهمة المعلن وهو القبض على خلية لـ"داعش"، فإن المخاوف تزداد في دمشق من تسلل تنظيمات متطرفة أعلنت سابقاً تكفير الحكومة الحالية، ووصفت أسلوب الحكم الجديد بـ"المرتد".
ولفت الأكاديمي في الشريعة والمختص بالجماعات الإسلامية، عوض المحمد، إلى وجود "خشية مبررة لدى الأمن والأجهزة المعنية لأن تنظيم ’داعش‘ أعاد ترتيب صفوفه، ويسعى اليوم إلى الاقتراب من العاصمة، لا سيما أنه استفاد من حال الفوضى التي رافقت سقوط نظام الأسد قبل قرابة عامين، وسهولة التحرك بعد ذلك في مدن وبلدات ريفية، كان صعباً على أفراد التنظيم دخولها وفي مقدمها العاصمة".
وعلى رغم انهيار مشروع "داعش"، وشبه استحالة العودة لعام 2014 حيث تأسس التنظيم وتهاوى في مارس (آذار) 2019 في آخر معاقله ببلدة الباغوز، بريف دير الزور الشرقي، فإنه يحاول إعادة تشكيل نفسه من جديد سواء باسمه الصريح أو بأسماء جديدة.
وقال المختص بشؤون الجماعات الإسلامية، "إن التنظيم اليوم يعمل بكل جهد على إنشاء شبكات سرية، وبأسماء مختلفة مستغلاً الظروف المحلية والإقليمية، والحال الاقتصادية والمعيشية المتردية للسوريين لتجنيدهم، وهذا ما يفسر تركيزه على دمشق في تنفيذ عمليات عدة، سواء العمل الإرهابي بتفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة وهي أولى العمليات الانتحارية للجماعة، أو التركيز على عمليات في المدن الكبرى، لا سيما تلك التي تضم تنوعاً طائفياً منها حمص، أو ريف دمشق، ولذلك أعتقد أن وتيرة المراقبة والمتابعة في ريف العاصمة والبلدات الريفية المحيطة بها سترتفع تحسباً لأي هجمات مستقبلاً".