ملخص
يوجد في إسرائيل أكثر من 25 معهداً تمهيدياً دينيّاً عسكرياً، تتلقى دعماً مالياً حكومياً، وتخرج سنوياً ما بين 1500 و2000 شاب يتجهون فوراً للخدمة القتالية في ألوية النخبة.
في الـ20 من يوليو (تموز) 1948، وقف ديفيد بن غوريون، المؤسس والمهندس الأول لدولة إسرائيل، ليعلن دمج كافة التنظيمات المسلحة في كيانٍ موحد أطلق عليه "جيش الدفاع الإسرائيلي". لم يكن القرار حينها مجرد تنظيمٍ عسكري، بل كان وضعاً للحجر الأساس في مفهوم "جيش الشعب" (صَفا هَعَام)، مجموعة اجتماعية ومؤسسية صهرت المهاجرين والشتات العلماني في صلب صياغة الهوية القومية للدولة. لستة عقود متواصلة، احتكر جنرالات "الكيبوتسات" والنخب العلمانية من أحياء تل أبيب والساحل قيادة هذا الجهاز، صانعين منه عقيدة أمنية تقوم على إدارة الصراع وفق الحسابات الجيوسياسية. لكن، أسفل هذا الغطاء الخرساني المتين، كانت تجري مياه ديموغرافية وأيديولوجية دافقة بدأت تتفجر وتطفو على السطح. إن الجيش الذي كثيراً ما عُدّ القلعة الأخيرة للعلمانية الصهيونية والمؤسسة الأكثر حظوة بثقة الجمهور، يتآكل اليوم من داخله عبر اختراق بنيوي صامت لا تستهدف فيه النيران عدواً خارجياً، بل تطاول "روح الجيش" وسلسلة القيادة فيه. إذ لا يدور الصراع داخل أروقة هيئة الأركان العامة حول خطط الهجوم وسيناريوهات المناورة التكتيكية وحسب، بل حول السؤال الوجودي الأصعب: من يتخذ القرار الأخير عندما يتصادم أمر اللواء العسكري مع فتوى الحاخام القومي؟
هندسة ديموغرافية
منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بدأت جغرافية هذا التحول، وتحديداً مع تأسيس أول معهد تمهيدي عسكري ديني في مستوطنة "بني دافيد" المقامة على أراضي نابلس، برعاية الحاخامين إيلي سادان ورافي بيرتس. كان الهدف المعلن آنذاك هو كسر "عقدة النقص" لدى شباب الصهيونية الدينية، وإعدادهم ليكونوا رأس النواة القتالية في الجيش الإسرائيلي بدلاً من بقائهم على هامش المؤسسة العسكرية. وتظهر الأرقام الصادرة عن قسم القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي والدراسات التحليلية الصادرة عن مركز "تاوب" للبحوث الاجتماعية ومعهد الديمقراطية الإسرائيلي (IDI) طفرة هائلة في بنية القيادات الميدانية. ففي أواخر الثمانينيات لم تكن نسبة الضباط المتدينين في سلاح المشاة والوحدات القتالية تتجاوز اثنين إلى خمسة في المئة من إجمال المترقّين. في حين تفيد البيانات المتواترة للمشهد الحالي بأن نسبة خريجي التيار الديني القومي في دورات ضباط سلاح المشاة (المعروفة باهاد 1) تتراوح بانتظام بين 30 و40 في المئة. وترتفع هذه النسبة بصورة دراماتيكية في اللواءات القتالية الأكثر احتكاكاً بالميدان (مثل لواء غولاني، لواء المظليين، ولواء كفير)، حيث تتجاوز نسبة الضباط المتدينين في قيادة السرايا والفصائل (50 إلى 60 في المئة). في المقابل، تشير إحصاءات معهد أبحاث الأمن القومي (INSS) إلى أن نسبة أبناء "الكيبوتسات" والحركات الاستيطانية العلمانية المعتدلة في دورات الضباط تراجعت من أكثر من 30 في المئة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى أقل من ثمانية في المئة اليوم. وتحولت هذه المعاهد من تجربة هامشية إلى شبكة أيديولوجية هائلة تضخ آلاف المجندين سنوياً، كيف لا ويوجد في إسرائيل اليوم أكثر من 25 معهداً تمهيدياً دينيّاً عسكرياً، تتلقى دعماً مالياً حكومياً مضاعفاً، وتخرج سنوياً ما بين 1500 و2000 شاب يتجهون فوراً للخدمة القتالية في ألوية النخبة. وهؤلاء الشباب لا يدخلون الجيش لمجرد قضاء الخدمة الإلزامية، بل بدوافع دينية وقومية تعد الخدمة العسكرية "فرضاً دينياً وتطبيقاً لتعليمات الشريعة في استعادة أرض إسرائيل الكبرى".
"إعادة تشكيل وعي الجندي الإسرائيلي"
لم يقف هذا التحول الهيكلي عند حدود الديموغرافيا ورتب الضباط الميدانيين، بل امتد ليتوج بسياسة ممنهجة لـ"إعادة تشكيل وعي الجندي الإسرائيلي" من الداخل. وكشفت معطيات حديثة نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن تحولٍ دراماتيكي في هوية المؤسسات والجمعيات الخارجية التي يستعين بها الجيش لتثقيف وتعليم جنوده وضباطه. وبين عامي 2021 و2025، سجلت الأنشطة والمحاضرات التي تنظمها الجمعيات والمؤسسات المحسوبة على تيار اليمين الاستيطاني ومجموعات تعزيز "التراث التوراتي واليهودي" ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق داخل الألوية والقواعد العسكرية. في المقابل، شهدت الفترة ذاتها تراجعاً حاداً وملموساً في استعانة الجيش بالمؤسسات الأهلية والمدنية المعنية بـ"سيادة القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان" وهي المؤسسات التي كانت تمثل جزءاً رئيساً من المحتوى التثقيفي للجيش لعقود طويلة. ويُظهر هذا المؤشر أن القيادة العسكرية (وتحت ضغوط الائتلافات الحكومية والمؤسسات الدينية) لم تعد تكتفي بالتعايش مع الصعود الديموغرافي للتيار القومي الديني، بل أصبحت تُسلم له مقاليد الهوية الثقافية والفكرية لعموم المجندين. هذا التحول يعزز المفهوم العقائدي للقتال، ويجرّد الجندي تدرجاً من القواعد العرفية والقانونية التي كانت تُحجم سلوك الجيش الإسرائيلي في الميدان وأمام المنظومة القضائية الدولية.
مرجعية مزدوجة
ليس الخطر في تصاعد أعداد الضباط المتدينين هو ممارستهم الشعائر الدينية، بل في إعادة تعريف "سلسلة القيادة". فقد أوجد هذا الصعود طبقة من الضباط والجنود تعيش حالاً من "ازدواجية الولاء"، حيث تتنازع مساحة القرار لديهم بين المرجعية القانونية العلمانية المتمثلة في قائد المنطقة ورئيس الأركان، والمرجعية الفقهية الأيديولوجية المتمثلة في حاخام المعهد التمهيدي أو المرجع الديني للمستوطنة. وقد تجلت هذه الإشكالية الخطرة في ملفاتٍ ميدانية عدة كملف إخلاء البؤر الاستيطانية. وقد سجلت التقارير العسكرية في الضفة الغربية عشرات الحالات التي رفض فيها ضباط وجنود ينتمون إلى التيار القومي الديني تنفيذ أوامر صريحة بإخلاء بؤر استيطانية غير قانونية، مبررين ذلك بتعارض الأمر العسكري مع فتوى شرعية تحرم "التنازل عن أرض إسرائيل". فيما كشفت تحقيقات داخلية نشرت أجزاء منها صحيفة "هآرتس" وتحليلات المحلل العسكري عاموس هرئيل، عن اتساع فجوة "الضوابط الأخلاقية والعملياتية". فالضباط المشبعون برؤى معهد "بني دافيد" يتعاملون مع الحروب والمواجهات الميدانية بكونها "حرباً دينية شاملة لا تخضع لمعايير القوانين الدولية أو الملاحظات القضائية التي يمليها مستشارو هيئة الأركان". ولم تنحسر الأزمة خلف الكواليس المغلقة، بل خرجت إلى العلن في تصريحاتٍ غير مسبوقة لكبار القيادات الأمنية والعسكرية. ووجه قائد المنطقة الوسطى السابق يهودا فوكس في خطاب وداعه المدوّي عند إنهائه مهمات منصبه، انتقاداً غير مسبوق للضغوط السياسية والدينية التي يمارسها الوزراء والمستوطنون، قائلاً "إن الجريمة القومية والدينية المتصاعدة تحت غطاء سياسي تحاول المساس بسمعة الجيش، وإدخال الأجندات السياسية والدينية في أروقة القرار العسكري يضعف الجيش ويشتت تركيزه عن مهماته الأمنية الأصلية، ويهدد بتفكيك الهيكل القيادي". كذلك حذر رئيس الأركان السابق وعضو كابينيت الحرب سابقاً غادي آيزنكوت في دراسات ومحاضرات مغلقة أمام معهد INSS من أن "تسلل الأجندات الحاخامية إلى الوحدات المقاتلة هو التهديد الداخلي الأكبر لتماسك الجيش". ولفت إلى أن المبدأ الذي أُسس عليه الجيش هو "أمر عسكري واحد وقادة عسكريون محددون"، وبمجرد "أن يراجع الضابط أو الجندي أمره العسكري مع حاخام قبل التنفيذ، نكون قد بدأنا التراجع عن مفهوم الدولة لمصلحة الميليشيات". وهو ما أكد عليه رئيس الأركان هرتسي هاليفي حين اضطر في أكثر من مناسبة إلى اصدار بياناتٍ شديدة اللهجة يؤكد فيها أن "التحقيقات العسكرية والانضباط الميداني وسلسلة الأوامر هي المسؤولية الحصرية لهيئة الأركان العامة، ولا يحق لأي جهة سياسية أو دينية التشكيك في نزاهة الضباط وقادة الألوية".
"الدولة العميقة"
إن الصعود الديموغرافي للصهيونية الدينية داخل الجيش لم يحدث من فراغ، بل توازى مع صعودٍ سياسي مجلجل لحلفائهم في الكنيست والحكومة. فتحول الوزراء والسياسيون القادمون من خلفية استيطانية (مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير) من موقع "المشتكي" من قرارات الجيش إلى موقع "الآمر الناهي" في رسم السياسات. وظهرت ملامح التحول المؤسسي مع اتفاق الائتلاف الحكومي الذي نُقلت بموجبه صلاحيات "الإدارة المدنية" وتنسيق الأعمال الحكومية في الضفة الغربية من سلطة وزير الدفاع والجيش المباشرة إلى "وزير إضافي داخل وزارة الدفاع"، وأسندت الحقيبة لبتسلئيل سموتريتش. وقد أدى هذا الإجراء العضوي إلى تفتيت وحدة القرار، وأصبحت الإدارة الميدانية في الضفة تخضع لسلطتين إحداهما عسكرية تنشغل بالأمن، والأخرى مدنية-سياسية تنشغل بتوسيع الاستيطان وتفكيك السيطرة الفلسطينية. ويرى مراقبون أن ما أضعف المؤسسة الأمنية، وبالأخص "الشاباك" والقيادة العسكرية، تعرضهما لهجومٍ علني وتخوين مباشر من وزراء في الحكومة كلما أصدرت الأجهزة الأمنية تقارير تحذر من تصاعد "إرهاب المستوطنين" أو تداعيات السياسات المتطرفة على استقرار المنطقة. وتظهر استطلاعات مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي (IDI) تحولاً كبيراً في نظرة المجتمع الإسرائيلي للجيش. وانخفضت نسبة ثقة جمهور اليمين القومي في "قيادة الجيش العليا" (الجنرالات وهيئات الأركان) بنحو 18 في المئة إلى 22 في المئة، ويعدها جمهور اليمين مؤسسة "ليبرالية يسارية تكبل أيدي الجنود". في حين أظهرت الاستطلاعات أن 42 في المئة من الجمهور اليميني يثقون في تصريحات وزراء اليمين الديني في شأن إدارة الصراع أكثر من ثقتهم في بيانات رئيس الأركان وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"جيش الشعب"
إن التغير العضوي في عقيدة الجيش لا يهدد القيادة العسكرية وحسب، بل يضرب مفهوم "عقد المواطنة" الإسرائيلي القائم على التضحية المشتركة، مبرزاً شرخاً عميقاً بين ثلاث طبقات مجتمعية. وبينما يُطلب من جنود الاحتياط من الشريحة العلمانية والصهيونية الدينية الخدمة لأشهرٍ طويلة وممتدة في جبهات عدة، يواصل المجتمع الحريدي رفض التجنيد الإجباري. وعلى رغم أن عدد الشباب الحريديم في سن التجنيد سنوياً نحو 66 ألف شاب، فإن من يلتحق منهم بالخدمة العسكرية أقل من 9 إلى 10 في المئة، معظمهم في وظائف مدنية أو إدارية غير قتالية. وبذلك فإن أقل من 30 في المئة من المجتمع الإسرائيلي (العلمانيون والدينيون القوميون) هم من يحملون أكثر من 80 في المئة من إجمال أيام الخدمة الاحتياطية القتالية. هذا الفارق الصارخ خلف شعوراً بـ"الاستغلال المزدوج" لدى الطبقة الوسطى العلمانية، التي باتت ترى أنها تمول موازنات الدولة والقطاعات غير الإنتاجية عبر الضرائب، وتقدم أبناءها في خطوط النار، بينما تستأثر الأحزاب الدينية بالقرار السياسي وتستثني قواعدها من الخدمة. وتحذر دراسات صادرة عن مركز تاوب ومعهد INSS من أن استمرار "تسييس الجيش" وتعاظم الطابع العقائدي والديني المتطرف داخل المؤسسة العسكرية بدأ ينتج ظاهرة تسرب صامتة. وبيّن المركز تراجع رغبة كثير من مهندسي الهاي-تك والنخب العلمية في الاستمرار بالخدمة الدائمة أو خدمة الاحتياط في وحدات التجسس وسلاح الجو، شعوراً منهم بأن الجيش يتحول إلى أداة لتحقيق أجندات أيديولوجية لا تخدم "الأمن القومي المجمع عليه". ويمثل هذا التراجع تهديداً خطراً "للتفوق التكنولوجي النوعي" للجيش الإسرائيلي واستخبارات التكنولوجيا المتقدمة، التي تقودها نخب علمانية قادمة من منطقة المركز (تل أبيب وحوضها).
سيناريوهات إستراتيجية
ويرى مراقبون أن المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي أمام هذه التحولات البنيوية المعقدة، تقف أمام سيناريوهاتٍ إستراتيجية لمستقبل الجيش والدولة، تبدأ باحتمالية كبيرة لهيمنة عقائدية وتسييس كامل يضمن نجاح التيار القومي الديني في الوصول إلى أعلى هرم القيادة العسكرية (رئاسة الأركان وقيادة المناطق وشعبة الاستخبارات) خلال الأعوام المقبلة. مما قد يحول الجيش رسمياً من عقيدة "الردع وإدارة الصراع" إلى عقيدة "الحسم والتطهير والضم الفعلي". وسيترافق ذلك، وفق محللين، مع تآكلٍ كامل لشرعية العمليات العسكرية الإسرائيلية أمام القضاء الدولي، وزيادة عزلة إسرائيل الغربية، مع تحول الجيش إلى هيكل يشبه الميليشيات المنظمة عقائدياً. في حين يرى آخرون أن احتمالية الانشطار المؤسسي والأزمة الدستورية ستقود إلى صدامٍ مباشر وعلني بين قيادة هيئة الأركان العلمانية المتمسكة بالمهنية القانونية والحكومة والسياسيين، يتفجر إثر قرار قتالي كبير أو تحقيقات عسكرية في إخفاقات أمنية، والذي قد يتسبب باستقالاتٍ جماعية لكبار كادر هيئة الأركان، وظاهرة حرجة من "رفض الخدمة" تشمل ضباط سلاح الجو ووحدات النخبة التكنولوجية، مما يؤدي إلى إنهاك بنيوي وتراجع القدرة التشغيلية والردعية للجيش على كافة الجبهات. وبين السيناريوهين، يرى محللون أن المأسسة الصارمة وفصل الدين عن القيادة، سيدفعان إلى قيام نظام سياسي جديد بإجراء إصلاحاتٍ هيكلية صارمة تحظر تدخل الحاخامات في القرارات العسكرية، وإعادة صياغة المناهج التعليمية في المعاهد التمهيدية وإقرار قانون تجنيد صارم يفرض الخدمة على الجميع. مما قد يجّر لاستعادة نموذج "جيش الشعب". لكن هذا السيناريو يصطدم بالثقل الديموغرافي والانتخابي لليمين الديني الذي يمنع تمرير مثل هذه التشريعات.
مصير الدولة
إن التحول الذي يشهده الجيش الإسرائيلي اليوم ليس مجرد تدافعٍ على المناصب أو تغييرٍ في أسماء القيادات، بل هو "انقلاب ناعم وبطيء" في بنية العقيدة الأمنية. لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الانزياح من جيش يُقاد بقرارات "الجنرالات" إلى جيشٍ يُوجه بفتاوى "الحاخامات" لن يغير فقط وجه المؤسسة العسكرية، بل سيعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة برمتها، مائلاً بها نحو مواجهة أيديولوجية صفريّة، تحرم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من أي مرونة إستراتيجية وتجعلها أسيرة لأجندات خلاصية لا تؤمن بالحدود ولا تعترف بالسياسة.