ملخص
تختزل مأساة شبوة حكايات شباب يمنيين دفعتهم ظروف الحرب وضيق العيش إلى البحث عن فرصة عمل في صفوف الأجهزة الأمنية، قبل أن يجدوا أنفسهم تحت نيران صواريخ المليشيات، في بلد باتت فيه حتى الأحلام البسيطة محفوفة بالموت.
من قلب بلدة شبوة القديمة، تلك البقعة الضاربة في جذور التاريخ كعاصمة لمملكة حضرموت، خرج الشاب محمد صالح يحمل حلماً بسيطاً بحجم الوطن، وكبيراً بحجم المعاناة، الالتحاق بوظيفة أمنية توفر له ولأسرته لقمة عيش كريمة، وتقيه ويلات الارتفاع الجنوني لأسعار المعيشة.
قبل أيام قليلة، غادر محمد بلدته متوجهاً إلى معسكر العلم، شرق مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة اليمنية، للانتظام في دورة تدريبية لمستجدي قوات التدخل الأمني السريع. وبالنسبة إليه، كانت الدورة فرصة لتحقيق شغف الطفولة بارتداء الزي الأمني، وتأمين دخل منتظم يساعد أسرته في زمن القسوة.
وفي صباح "الإثنين الدامي"، تناول محمد إفطاره في السابعة والنصف صباحاً رفقة زملائه، قبل أن يتجمع المجندون في ميدان التدريب، لكن ثلاثة صواريخ باليستية، نسب إطلاقها إلى ميليشيات الحوثي، حولت لحظات التدريب إلى مشاهد من الخوف والذهول والدماء، وكان محمد بين المصابين بشظايا انغرزت في جسده.
البحث عما يعول 3 بنات
ولم تكن حكاية محمد استثناءً. فمن بلدة حبان، غادر ناصر شيخ باحاج زوجته وبناته الثلاث الصغيرات قبل 10 أيام، باحثاً عن فرصة عمل أكثر استقراراً. يقول لـ"اندبندنت عربية"، "قبل 10 أيام ودعت زوجتي وبناتي الصغيرات الثلاث في بلدة حبان متوجهاً إلى معسكر العلم شرق عتق بحثاً عن فرصة عمل في قوات التدخل الأمني السريع، بعدما كنت أعمل على موتر لأكفل أسرتي، لكن لم يكن العمل بصورة مستمر، عمل متقطع".
ويستعيد ناصر تفاصيل الأيام العشرة التي أمضاها مع رفاقه، ضمن دورة كان مقرراً أن تستمر 45 يوماً، حيث نشأت بينهم صداقات وعلاقات طيبة، قبل أن تتحول ساحة التدريب إلى موقع للهجوم. ويروي أنه في الليلة السابقة شوهدت طائرة تحلق فوق المعسكر، فطلب القائد من المجندين الانتشار والتفرق، مضيفاً أن طائرة كانت تحلق فوق الموقع خلال الأيام الثلاثة السابقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما صباح أمس الإثنين، فيقول ناصر إنهم أدوا صلاة الفجر وتناولوا الإفطار، ثم دخلوا ميدان التدريب موزعين على كتائب وسرايا، قبل أن يفاجئهم دوي الانفجارات. ويضيف، "لم أدُخ على رغم الشظايا، سقطت 3 صواريخ.. سمعت أصحابي يصيحون على الأطقم... جلست وأمسك على جرحي في الكتف"، مستعيداً نداءات زملائه طلباً للإسعاف، ومشاهد المصابين الذين فقد بعضهم أطرافه. ويتابع "أركبوني في طقم فيه 10 نفر منتهيين، حال يرثى لها"، موضحاً أنهم قطعوا بعض الملابس لتغطية المصابين قبل نقلهم إلى مستشفى الهيئة في عتق، حيث خضع للعلاج.
وعلى مقربة منه، كان أنور باحمدين، أحد منتسبي اللواء الرابع مشاة المكلفين حراسة المعسكر وتأمين المجندين المستجدين، يعيش التجربة ذاتها. خرج أنور هو الآخر تاركاً أسرته بحثاً عن الوظيفة وبعض الكفاف، لكنه وجد نفسه شاهداً على سقوط رفاقه الذين كان مكلفاً حمايتهم.
جاء يحميهم فصار ضحية معهم
ويستحضر تلك اللحظات بأسى عميق، معرباً عن امتنانه لكل من سارع لإسعاف المصابين، ومتحسراً على رفاق دربه الذين قضوا في الهجوم. وعلى رغم هول الصدمة، يؤكد أنور أن الاستهداف لن يزيدهم إلا ثباتاً وصموداً، مشدداً على أن ما حدث يمثل درساً في التحدي وإصراراً مضاعفاً على مواجهة وإسقاط ما وصفها بالمشروعات التدميرية.
وبين مهمته الأصلية في حماية المعسكر وحاجته المفاجئة إلى النجاة من القصف، تتجسد في شهادته مفارقة أن يتحول المكلفون بحماية الآخرين إلى ضحايا لهجوم لم يكن متوقعاً في ميدان مخصص للتدريب.
وبحسب مصدر طبي تحدث إلى "اندبندنت عربية"، فإن طائرة ظلت تحوم فوق المعسكر ليومين أو ثلاثة قبل الهجوم، مشيراً إلى أن الحصيلة كانت لا تزال غير مستقرة أثناء إسعاف الضحايا. ولاحقاً، أعلنت السلطة المحلية في شبوة مقتل 53 مجنداً وإصابة أكثر من 200 آخرين، وفق وكالة الأنباء اليمنية الرسمية "سبأ"، فيما استقبلت مستشفيات عتق أعداداً كبيرة من المصابين، وأطلقت نداءات للتبرع بالدم، ونقلت حالات حرجة إلى مستشفيات المكلا وعدن.
وحملت السلطة المحلية الحوثيين المسؤولية عن الهجوم على مركز الشهيد أحمد السليماني التدريبي، وأعلنت تثبيت رواتب القتلى لأسرهم وضمان حقوق الجرحى، ووجه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بتوفير الرعاية الطبية للمصابين ورعاية أسر القتلى، و"اتخاذ ما يلزم للرد الحازم على مصادر الهجوم الإرهابي"، معتبراً أن استهداف المجندين يعكس لجوء الحوثيين إلى استهداف الأبرياء كلما واجهوا ضغوطاً في الميدان أو تعثرت مخططاتهم.
تختزل مأساة شبوة حكايات شباب يمنيين دفعتهم ظروف الحرب وضيق العيش إلى البحث عن فرصة عمل في صفوف الأجهزة الأمنية، قبل أن يجدوا أنفسهم تحت نيران صواريخ المليشيات، في بلد باتت فيه حتى الأحلام البسيطة محفوفة بالموت.