Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إليزي: ظلال امرأة" قتلت وقطّعت بشراسة ورحمة

جريمة الزوجة والام البرازيلية بين فيلم وثائقي ومسلسل درامي

المرأة البرازيلية تقتل زوجها  (نتفليكس)

ملخص

في عام 2012، ارتكبت جريمة  في البرازيل هزت الرأي العام، بعدما بدأ صحافي التحقيق في هوية جثة عثر على أعضائها المقطعة في ضواحي مدينة ساو باولو. ثم يتبين لاحقاً أن الضحية هو "ماركو ماتسوناغا" رجل أعمال معروف من أصول آسيوية، كان يشغل منصب المدير التنفيذي لشركة يوكي الكبرى للأغذية. حوكمت زوجته "إليزي ماتسوناغا" بتهمة قتله وتقطيعه بوحشية، وقد ظهرت في تسجيلات كاميرا المراقبة وهي تغادر البناية في المصعد إلى جانب حقائب سفر تحمل جثته.

شغلت هذه القضية الرأي العام في البرازيل لسنوات، إلى غاية صدور الحكم في عام 2016، واهتمت الصحافة بتفاصيلها، لا سيما مع عرض مقاطع مسجلة من المحاكمة، والاطلاع على دوافع المتهمة المرتبطة بالخيانة الزوجية. تمكنت إليزي بشهادتها من إقناع الرأي العام بكونها ضحية لقسوة زوجها أكثر مما هي متهمة بقتله، بعدما عبرت بملامحها البريئة عن ندمها وأسفها والضغوط التي دفعتها لارتكاب الجريمة، مما جعل الآراء تنقسم بين من تعاطفوا معها ومن دانوها.

لم تنس هذه القضية الشهيرة، وانتقل الاهتمام بها من نشرات الأخبار ومقالات الصحف، إلى مسلسل وثائقي قصير أنتجته نتفليكس عام 2021 عن إليزي ماتسوناغا، ظهرت فيه القاتلة نفسها لتسرد الحكاية الكاملة مع إعادة تمثيلها. أما في صيف هذا العام، فتعرض نتفليكس، فيلماً درامياً جديداً بعنوان

"إليزي :ظلال امرأة" Elize  Shadows of a Woman يقدم الحكاية من وجهة نظر القاتلة على خلاف ما قدمه الوثائقي من وجهات نظر متعددة،  شملت شهادات الصحافيين والمحامي والمدعي العام ومعارف ماركو، إلى جانب أفراد من عائلتي الضحية والقاتلة على حد السواء.

بداية صادمة لفيلم "إليزي"

يبدأ فيلم إليزي بمشهد افتتاحي قوي وصادم، إذ تعرض الدقيقة الأولى منه حدثاً يوقظ الحواس، ما إن تشاهده حتى تجد نفسك متورطاً بقصة الفيلم ومهتماً بفهمه ومعرفة تتمته. وليست الجريمة بحد ذاتها ما يجذب الانتباه في فيلم "إليزي"، فهناك عشرات الأفلام التي تبدأ بمشهد جثة غارقة في دمها، ولكن الفضول كله يحيط بالقاتلة نفسها، على نحو محير يعقد الحاجبين أو يرفعهما من الدهشة! يعرض الفيلم مشهد امرأة شقراء منهمكة في تقطيع جثة رجل ضخم بدقة، ثم تنتقل اللقطات إلى صور عائلية في البيت، توحي بأن القتيل هو زوج القاتلة، قبل أن يقاطع انشغالها بكاء رضيع. فتترك المرأة الجثة وتضع السكين جانباً، وتهب إلى حمل ابنتها كي تحضنها وتهدئها.

يتشابك المشهد الأول مع تناقضات عدة، بين العنف والرحمة، والغضب والهدوء، والقسوة في قتل إنسان وتقطيعه ببرود، في مقابل عاطفة أمومية وحساسية عالية غائبة عادة في قلوب المجرمين أو في لحظات القتل في الأقل. وهذا أكثر ما يبعث على الحيرة والتساؤل: كيف لكل هذه المشاعر المتباينة أن تجتمع في إنسان واحد وفي اللحظة ذاتها؟ ثم كيف لجسد ما زال ملطخاً بدم الضحية أن يكون قادراً على منح ذلك النوع من الحنان والاحتواء، وفصل مزاج عن آخر لحظة الجريمة؟

وما يزيد الحكاية تشويقاً هو خيارات المخرج فيليبي فيلاس للممثلين من أجل تأدية دور كل من إليزي وماركو ماتسوناغا، فقد اختار ممثلة شقراء شبيهة بالقاتلة الحقيقية وممثلاً يكاد يطابق الزوج القتيل في ملامحه وصفاته الجسمانية، ليغدو الفيلم كما لو كان إعادة تمثيل لقصة حقيقية بحذافيرها. وإن حددت الرؤية الدرامية من وجهة نظر القاتلة كما روتها في المسلسل الوثائقي، وهذه النقطة كانت أكثر ما انتقد عليه الفيلم عند عرضه.

كيف يروي الوثائقي جريمة إليزي؟

 إن مشاهدة فيلم "إليزي: ظلال امرأة"، لا تغني عن الاطلاع على المسلسل الوثائقي الذي أنتجته نتفليكس. بل على العكس من ذلك، فمشاهدة أربع حلقات مكثفة من التفاصيل الكاملة للجريمة، تتيح الإصغاء إلى شهادة القاتلة منها شخصياً، بنبرتها ونظراتها وتعابيرها، في محاولة من الاقتراب من حالتها العقلية التي دفعتها لارتكاب الجريمة.

وما يميز الوثائقي عن الفيلم هو التزامه بالحياد والموضوعية في حين بدت الدراما منحازة بوضوح إلى رواية القاتلة، إلى حد تصويرها في ثوب ضحية ارتكبت جريمتها عن غير قصد.

يعرض الفيلم على امتداده ما تعرضت له إليزي من تعنيف لفظي من زوجها، وابتزاز عاطفي وخيانات تكررت إضافة إلى سعيه إلى الزج بها في مصحة للأمراض العقلية، كل هذا يجعل الزوجة تعاني القلق والكآبة وتكن لشريكها الحقد ولإحساس بالظلم. فيتحول عذابها النفسي إلى مبرر قوي لارتكاب الجريمة. هكذا تظهر إليزي زوجة مجروحة أطلقت النار على زوجها في لحظة انفعال، وقطعته لا لتنكل به إنما لتنجو بنفسها فحسب.

 السيناريو إذاً مكتوب والحبكة معدة ليتعاطف المشاهد مع القاتلة ويتفهم دوافعها، على النمط الأميركي الذي يجعلك تتمنى ألا تقبض الشرطة على القاتل ويستمر بالفرار والاختباء، بينما يأتي الوثائقي ببحث شامل في القضية بكل أبعادها ومن كل زواياها.

وعودة لانقسام التلقي بين الإدانة والتعاطف، ذكر المدعي العام كيف كانت والدته تشاهد بث المحاكمة في التلفزيون، وتشفق على إليزي قائلة: "لماذا لا يخففون الحكم على هذه المرأة المسكينة؟"، في الوقت الذي يطالب هو بتطبيق أشد العقوبات على الجريمة الوحشية التي ارتكبتها.

على هذا النحو، تحكم العاطفة منطق كثير ممن شاهدوا الفيلم أو تابعوا المحاكمة، لا سيما النساء. كما لو أن ماركو جنى على نفسه بذلك المصير، ولو كان زوجاً محباً ومخلصاً لما دفع الزوجة المسكينة لقتله وتبديد شبابها في السجن بعيداً من ابنتها. ولا يتعامل هؤلاء مع القضية بكونها جريمة مرفوضة أخلاقياً وقانونياً، وما كان ينبغي أن تحدث لأنه لا يحق لأي إنسان أن يلغي حياة إنسان آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 يمثل هذا النوع من التلقي واقعاً مرعباً في ظل مساهمة الدراما والسينما في التطبيع مع الجريمة وتبريرها وتقديمها كفعل مباح، قد يحدث في ظروف معينة. هذا ما يجعلنا نعيش مع أشخاص يعانون أزمات نفسية، قد يفكرون في القتل كحل انتقامي سريع بدلاً من حل مشكلاتهم الشخصية بطرق أخرى. أما النقطة المرعبة الثانية، فقد يلاحظها، من يتأمل مشهد إليزي وهي تغادر بوابة السجن، بإفراج مشروط لمرة واحدة في السنة، وهي بكامل أناقتها وبشعر مصفف وطلاء أظافر. تركب السيارة، وهي تتأمل الكاميرات بابتسامة صغيرة، كأنها معجبة بما حظيت به من اهتمام وشهرة لارتكابها جريمة قتل! ولعل أسوأ ما قد يحصل عليه قاتل، هو مجد كهذا، يرضي غروره ويغذي نرجسيته.

البناء السيكولوجي للشخصية 

يرتكز فيلم "إليزي: ظلال امرأة" على بناء سيكولوجي محكم لشخصية إليزي ماتسوناغا، إذ لا يكتفي الكاتبان رافايال مونتس وماريانا توريس بالعودة لبداية التعارف والعلاقة التي جمعت ماركو بإليزي. بل بالتعمق في ماضي القاتلة، ونشأتها في بيئة متواضعة، وحادثة اغتصابها وهربها من زوج والدتها في فترة مراهقتها. كذلك، بالتركيز على مغامرات زوجين لا يمكن وصف حياتهما بالعادية، بالنظر إلى الأسلحة التي يمتلكانها في شقتهما، وتربيتهما أفعى في البيت، وشغفهما بالصيد والرحلات البرية. حتى أن خبرة إليزي في تقطيع جثة زوجها بدقة، تبدو مثل مهارة اكتسبتها من سلخ الحيوانات التي كانت تصطادها مع زوجها. وحين سئلت إليزي في الوثائقي عن الغزال المحنط في بيتها، قالت "أفهم الأشخاص الذين يحزنون على أرواح هذه الحيوانات، إلا أنني لم أفعل ذلك لأؤذيه، أنا أحب أكل لحمه فحسب". وهذا ما يعكس دهاءها واستعدادها للرد على أي سؤال بهدوء. تبدو امرأة قادرة على إيجاد مبررات لأي شيء تقوم به، وهو ما يمكن إسقاطه على جريمتها، حين تقول عن ماركو، إنها لم تقطعه كي تعذبه وتنكل به، كان ميتاً مسبقاً ولم تفكر في حل آخر.

 تفسر هذه التفاصيل النفسية كثيراً من شخصية إليزي، غير أن هذا البناء السيكولوجي قبل أن يقدمه كل من الفيلم والوثائقي، ارتكز عليه محامي الدفاع أولاً في الدفاع عن موكلته. فلم يقتصر دفاعه عنها على العمل بالأدلة والأقوال، إنما استغل ماضيها بذكاء ليفسر اضطراباتها، كي يقول بصورة ما، إن الجريمة كي تحدث، تسبقها أزمات نفسية تؤدي إلى القتل، ولعله غضب مكبوت وانتقام متأخر، لامرأة عانت كثيراً في حياتها.

 تختتم إليزي الوثائقي بجملة مؤثرة، وهي تتساءل عن الاهتمام الهائل الذي أحاط بقضيتها، قائلة: "في السجن قابلت كثيراً من القتلة الذين ارتكبوا جرائم أفظع بكثير من جريمتي، لكن لم يهتم بهم أحد فقط لأن الضحايا كانوا فقراء أو سود البشرة. لكن البلد كله تابع محاكمتي واهتم بمصيري وإدانتي فقط، لأن الضحية هو ماركو ماتسوناغا".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما