ملخص
تتسع التساؤلات حول مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية الإيرانية عن اختيار وسطاء بيع النفط ومراقبة أنشطتهم، في ظل استمرار تسليم الشحنات لمتهمين بعدم إعادة عائدات مبيعات سابقة، وغموض يحيط بمصير أموالهم
تزامناً مع ادعاء السلطة القضائية الإيرانية مصادرة ممتلكات المتهمين في قضية أمناء بيع النفط التراستي (Trustee)، يعيد خبر رصد محمد هادي مؤمنين، أحد أبرز المتهمين في القضية، داخل نيوزيلندا، طرح سؤال قديم أمام الرأي العام، كيف يتمكن أشخاص ارتبطت أسماؤهم بديون ضخمة ومستحقات مالية ناجمة عن مبيعات النفط من مغادرة البلاد ومواصلة حياتهم وأنشطتهم الاقتصادية؟
وكشفت صحيفة أسترالية، في تقرير تناول الشبكة السرية لبيع النفط الإيراني، عن رصد محمد هادي مؤمنين في نيوزيلندا، ويؤكد هذا الخبر أن مؤمنين، أحد كبار المدينين في قضية "التراستي"، غادر إيران.
ولم تعد القضية تقتصر على مصير وسيط واحد، إذ كان روح الله رضوي ومحمد هادي مؤمنين وسيد روح الله رضوي وعلي بايندريان وحسين شمخاني، من بين الأسماء المدرجة في قائمة تضم 15 شخصاً، ادعت السلطة القضائية الإيرانية أنها أصدرت بحقهم إشعارات عبر الإنتربول لإعادتهم إلى البلاد، غير أن بعض المصادر ترى أنه لا أثر لهذه الأسماء في قوائم الإنتربول، مما يعزز مجدداً الشكوك في شأن وجود تواطؤ متعمد بين بعض الأجهزة الأمنية والقضائية والمتهمين في قضايا اقتصادية، لتسهيل مغادرتهم البلاد.
وتثير هذه القضية تساؤلات جوهرية، أي من هؤلاء المتهمين لا يزال داخل إيران؟ ومن منهم غادر البلاد؟ وما وضع المستحقات المالية المترتبة على كل منهم؟
إن النشر الانتقائي للأسماء، من دون توضيح أماكن إقامة أصحابها وممتلكاتهم وعقودهم، يقدم صورة ناقصة للقضية، صورة تُكشف فيها الديون للرأي العام، بينما تظل مسؤولية صناع القرار وآليات استرداد الأموال غامضة.
وتزيد الأنباء المتعلقة بمصادرة الممتلكات من الغموض المحيط بالقضية، إذ لم يتضح من تصريحات المدعي العام في طهران أي من المتهمين تعود إليه هذه الممتلكات، كما أن الإصرار على إبقاء إجراءات الملاحقة القضائية بعيدة من الشفافية يثير بحد ذاته الشكوك في صحة هذه الادعاءات.
وقال المدعي العام في طهران إنه جرى التحفظ على 86 سيارة فاخرة و187 قطعة أرض و86 وحدة سكنية وعدة فلل، وعقارين يضمان منشآت صناعية، بهدف تحصيل عائدات النقد الأجنبي التي لم ترد إلى البلاد، من دون أن يوضح أياً من المتهمين شملتهم إجراءات التحفظ على الممتلكات.
من الموافقة الأمنية إلى مغادرة البلاد... أين ضاعت المسؤولية؟
تكشف مراجعة المعلومات والتقارير المنشورة في شأن هذه القضية عن أنه في وقت تسعى وسائل الإعلام الرسمية التابعة للنظام الإيراني إلى حصر القضية في إطار المدينين، وجهت وسائل الإعلام المستقلة الأنظار من الوسطاء إلى الجهات التي اختارتهم، فقد حمل ناشط إعلامي، في مقابلة مصورة، الهيئة السباعية التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مسؤولية اختيار أمناء بيع النفط (التراستي) والمتعاملين في مبيعات النفط، والموافقة على أهليتهم، مطالباً بالكشف عن أسماء أعضائها وقراراتهم وتوقيعاتهم.
وتتمحور تصريحاته حول أن الكشف عن أسماء عدد من متسلمي النفط، من دون تحديد المسؤولين الذين وافقوا على أهليتهم المهنية والأمنية، يوفر غطاء يحمي المسؤولين الرئيسين من المساءلة، ويزيد هذا الادعاء الذي طرحه سلطاني من أهمية نشر الوثائق المتعلقة باختيار الوسطاء.
وينبغي أن يبدأ البحث في مسألة توجيه بعض العناصر الأمنية لشبكات "التراستي" أو تقديم الدعم لها من هذه النقطة تحديداً، أي جهة رشحت كل شخص؟ وأي مرجع أمني وافق على نتائج التحريات المتعلقة به؟ ومن الذي أجاز استمرار التعاون معه؟
إن تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية إدارة الشبكة بأكملها من دون وثائق محددة لا يقدم إجابات عن هذه التساؤلات. وفي المقابل، فإن نشر سلسلة الموافقات يكشف بدقة عن حدود مسؤولية كل مسؤول وجهاز.
ويظهر دور الأجهزة الأمنية في التحقيقات الجارية أيضاً في التقرير الرسمي للنيابة العامة، فبحسب تقرير وكالة "تسنيم" الصادر في الـ27 من سبتمبر (أيلول) الماضي، جرى تحديد أربع جهات مكلفة الضبط القضائي في قضايا الالتزامات المتعلقة بالنقد الأجنبي، وهي شرطة الأمن الاقتصادي في طهران، وشرطة الأمن الاقتصادي التابعة للقيادة العامة لقوى الأمن الداخلي وجهاز استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات، ومنحت هذه الجهات مهلة 10 أيام لاستكمال تقاريرها وتنفيذ الأوامر القضائية، ويجعل هذا الحضور الرسمي مسؤولية هذه الأجهزة عن تقديم إيضاحات في شأن الإجراءات المتخذة أكثر وضوحاً.
ويبقى السؤال الأساس، متى سجل أول إنذار في شأن عدم إعادة الأموال؟ وفي أي تاريخ غادر كل مدين يحتمل أنه خرج من البلاد؟ وهل كانت هناك قضية قضائية مفتوحة عند مغادرته، أو طلب لمنعه من السفر؟ وإذا كان مثل هذا الطلب موجوداً، فكيف نفذ؟ وإن لم يكن موجوداً، فما سبب التأخير؟
وتكمن الإجابة في مطابقة تواريخ العقود ومواعيد استحقاق الديون وتقارير المخالفات وسجلات مغادرة البلاد.
أما فرضية التنسيق بين بعض الأجهزة الأمنية وهؤلاء الأشخاص لتسهيل مغادرتهم البلاد، فهي مسألة قابلة للتحقيق، ويبقى السؤال المهم قائماً، ماذا فعلت الأجهزة التي كان يفترض بها تقييم أهلية هؤلاء الوسطاء وأدائهم عندما بدأت ديونهم تتزايد؟ ولماذا لم تؤخذ ضمانات كافية تحسباً لعدم إعادة عائدات بيع الشحنات النفطية؟ ولماذا لم توضع آلية لمنع هؤلاء الأشخاص من الفرار؟
قضية لا يتحمل أحد مسؤوليتها
والأكثر غرابة أنه، وفقاً لبعض التقارير، ظل المتهمون الرئيسون في القضية، حتى بعد الكشف عن حجم الفساد وانتشار أنباء مغادرتهم البلاد، مدرجين في قائمة الأشخاص الذين يتسلمون النفط الإيراني لبيعه.
ويصبح دور باوند أحد المديرين في قطاع النفط المرتبطين بالأجهزة الأمنية، ومن بين الذين اختاروا بعض الوسطاء، أكثر إثارة للتأمل عندما نعلم أن الشحنات النفطية استمرت، بتوجيه منه ومن الفريق المسؤول في وزارة النفط، في التسليم إلى أشخاص سبق أن اتهمتهم الوزارة نفسها والسلطة القضائية بعدم إعادة عائدات بيع الشحنات السابقة.
ومن المحتمل أن تكون إقالة باك نجاد مرتبطة أيضاً بهذا المسار الذي يغذي الفساد في عمليات بيع النفط. ويكشف إصرار حميد بورد، خليفة باك نجاد، على أن متابعة تحصيل المستحقات من الوسطاء لا تدخل ضمن مسؤوليات وزارة النفط، عن محاولات الأجهزة المختلفة التنصل من مسؤولياتها، التي أدى عدم الاضطلاع بها إلى تكبيد خزانة البلاد خسائر بمئات المليارات من الدولارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينبغي أن تُضاف إلى حلقة الفساد هذه مسألة الكيفية التي غادر بها هؤلاء الأشخاص البلاد، ففي بلد يُمنع فيه بعض الأشخاص من السفر بسبب مخالفات مصرفية بسيطة، تكشف سهولة مغادرة متهمين بديون تبلغ آلاف المليارات من التومانات، ناجمة عن مخالفات تصل إلى مستوى الإخلال بالأمن الاقتصادي للبلاد، عن حقيقة مفادها أنهم يتمتعون، على ما يبدو، بحصانة لا يمكن معها تصور مغادرتهم من دون موافقة المستويات العليا في الأجهزة القضائية والأمنية.
ولا سيما أنه سبق أن ثبت أن مغادرة بعض المتهمين في قضايا اقتصادية كانت عملية منسقة، بهدف إبعاد شركائهم الأساسيين داخل مؤسسات صنع القرار في البلاد عن دائرة التحقيق في القضية
من خاوري إلى أوروبا... سوابق تتكرر
تعد قضية المدير العام السابق لبنك "ملي" الإيراني محمود رضا خاوري من أبرز الأمثلة المعروفة على مغادرة مسؤول للبلاد، تزامناً مع بدء انكشاف اتهامات بالفساد الاقتصادي.
ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2011، كان المتحدث باسم بنك "ملي" ينفي أنباء فراره إلى كندا، مؤكداً أن خاوري سيعود بعد انتهاء مهمته، وتبرز هذه الرواية الأولية أهمية الفارق بين رحلة عمل، ومغادرة تتحول لاحقاً إلى موضوع ملاحقة قضائية.
وبعد أعوام، شكل وجود خاوري ومتهمين آخرين في قضايا اقتصادية داخل كندا تكراراً للنمط نفسه، أشخاص يتحملون مسؤولية الجريمة بالتنسيق مع بعض كبار مسؤولي النظام، ويحصلون على الأرجح على إذن بمغادرة إيران، مقابل عدم الكشف عن أسماء شركائهم الآخرين داخل مؤسسات الحكم.
وانطلق طلب الكونغرس الإيراني الكندي إجراء تحقيق في شأن استثمارات المتهمين في قضايا اقتصادية ممن غادروا إيران وملفاتهم، وكذلك بعض المسؤولين المرتبطين بالنظام الإيراني، من هذه المخاوف نفسها.
فقد ترسخ في المجتمع اعتقاد أن هؤلاء الأشخاص يظلون، حتى بعد مغادرتهم إيران، جزءاً من حلقة المديرين وشبكة غسل الأموال التابعة للنظام الإيراني.
وتبين هذه السوابق أن مغادرة الشخص لا تعني انتهاء القضية، إذ ينبغي أيضاً التحقيق في ممتلكاته وشركاته ومسارات تحويل أمواله، فالتركيز حصراً على إعادة الشخص من دون ملاحقة الأصول والممتلكات، يترك جانباً مهماً من المطالب العامة من دون معالجة.
وفي القضايا النفطية، يمثل علي رضا زيباحالت منفرد، نموذجاً آخر جديراً بالاهتمام، فقد كشفت التحقيقات المنشورة في شأنه عن تنقله بين ماليزيا وإسبانيا، وامتلاكه أصولاً في أوروبا، وحصوله على جنسية دومينيكا، واعتُقل في نهاية المطاف وأُعيد إلى إيران.
وتظهر هذه القضية أن شبكة أنشطة الوسيط وممتلكاته قد تمتد عبر دول عدة. ولذلك، فإن تحديد مكان وجوده وحده لا يكفي لمعرفة مصير أصوله المالية.
وطرح اسم مرتضى طلائي في سياق الحديث عن وجود شخصيات شغلت مناصب رسمية في كندا، فقد قال رئيس شرطة طهران السابق، عقب انتشار صور له داخل أحد الأندية، إنه سافر إلى كندا لإنجاز عمل، وإنه سبق أن زارها وعاد منها.
وتشير سرعة عودة طلائي عقب انتشار صوره، في وقت كان أحد الأشخاص المرتبطين بقضية اختلاس بنك "قوامين" والفساد في قوى الأمن الداخلي، إلى أن المتهمين الذين يبدون فارين يستطيعون، في حال تعرضهم لخطر في البلد الذي يقيمون فيه، العودة مجدداً تحت مظلة الحماية التي توفرها الأجهزة القضائية والأمنية التابعة للنظام الإيراني.
أما بالنسبة إلى أمناء بيع النفط (التراستي) اليوم، فإن الدرس المستخلص من هذه السوابق واضح، إن الالتزام بعدم الكشف عن شبكة العلاقات والشركاء في الفساد لا يسهل مغادرتهم البلاد فحسب، بل يتيح لهم أيضاً الاستمرار بوصفهم جزءاً من أذرع الشبكة العليا نفسها، والعودة إلى البلاد عند الحاجة مع التمتع بحصانة قضائية.
ولهذا السبب، ومنذ بدء الكشف عن أبعاد الفساد في قضية "التراستي"، تصدر مطلب مهم مطالب وسائل الإعلام والمواطنين، يتمثل في الكشف عن مسارات الأموال والقرارات.
ولن تقترب هذه قضية من نهايتها إلا عندما يتضح من هم الأشخاص الذين وافقوا على أهلية هؤلاء الوسطاء، ومن خصص لهم الشحنات النفطية، ومن تولى الإشراف على أعمالهم.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا أين يقيم هؤلاء المدينون، وما الممتلكات التي جرى تحديدها من أصولهم لتحصيل المستحقات المالية، ولماذا لا يزالون مدرجين في قائمة الأشخاص الذين يتسلمون النفط الإيراني لبيعه.