ملخص
من الواضح، في إطار هذا التقابل بين جولي وإبراهيم، على رغم ارتباطهما الغرامي، أن نادين غورديمير تطرح بقوة مسألة قلق الإنسان المعاصر، وغربته في أي مكان وعن أي مكان، وهي، حتى وإن كانت في نهاية الرواية ستجد حلاً ينسف غرام الاثنين، إنما يرضيهما معاً في ما كانا يتطلعان إليه، فإن هذا الحل لن يبدو إلا حلاً موقتاً، ذلك أن ابراهيم سيحقق حلمه ويسافر إلى الولايات المتحدة، أما جولي فإنها ستبقى في الصحراء.
بين عام 1991 الذي نالت فيه نادين غورديمير جائزة "نوبل" للآداب، وأعوام حصول جنوب أفريقيا على استقرارها واستقلالها، وصلت سمعة هذه الكاتبة الكبيرة إلى الذروة، ولكن بعد ذلك راح كثر يتساءلون: ما الذي يمكنها أن تكتبه بعدما أفلت القضية العنصرية في ذلك البلد الأفريقي الكبير، الذي تنتمي هي إليه وبرزت طوال عشرات الأعوام واحدة من أكبر كتّابه، وهي التي كانت مواضيعها الأساس مرتكزة تحديداً على قضية التمييز العنصري؟
صحيح أن غورديمير لم تصدر أعمالاً كثيرة خلال العقدين الأخيرين، اللذين استبقا رحيلها عن عالمنا عام 2014 عن 91 سنة، ولكن من بين هذه الأعمال كان ثمة رواية أجابت على السؤال وبقوة، بل إن كثراً رأوا أنها تضاهي في قوتها قوة تلك الأعمال التي واصلت غورديمير كتابتها منذ مطلع شبابها وتفتحها على القضايا السياسية من منطلق إنساني، وهذه الرواية هي "الشاحنة" أو "الالتقاط" أو "اللقاء"، بحسب ما يحلو للقارئ أن يراه، ذلك أن العنوان نفسه غير واضح المعنى على رغم بساطته.
على خطى بول بولز
من ناحية مبدئية، يُذكر بعض ما في هذه الرواية برواية الكاتب الأميركي، الذي كان يقيم ويكتب في المغرب، بول بولز "السماء الواقية" والتي اشتهرت أكثر بـ "شاي في الصحراء"، حيث ثمة بصورة أساس موضوع افتتان امرأة بيضاء بعبق الصحراء وصوفيتها والتوحد فيها.
غير أن ما كان يبدو نوعاً من السيرة الذاتية لدى بولز، يصبح هنا موضوعاً اجتماعياً سياسياً بامتياز، إذ إن غورديمير، من خلال حكاية لقاء وحبّ بين رجل وامرأة، وصلت إلى تعمق لافت في قضايا أساسية ومعاصرة، مثل الاقتلاع والاغتراب والصراع الطبقي والهجرة والإيمان ومادية الحداثة، وصولاً إلى تصادم الحضارات.
واللافت أن كل هذه المواضيع التي تطرقت إليها الكاتبة من خلال حكاية اللقاء والحبّ، لم تكن متوقعة منذ الصفحات الأولى للرواية، إذ كانت الهيمنة للبعد البصري الأخاذ، ففي بداية البداية تطالعنا المرأة الحسناء جولي سامرز، وهي بيضاء تنتمي، كما سنعرف بسرعة، إلى أسرة ثرية، لكنها متمردة على أسرتها، وهذه المرأة حين نلتقيها للمرة الأولى، تكون أمام سيارتها التي تعطلت فجأة وسط شارع رئيس في مدينة صاخبة (لا ريب أنها جوهانسبرغ) في بلد صاخب أفريقي وأسود (هو بالتأكيد جنوب أفريقيا)، وإذ يتولى ميكانيكي شاب إصلاح السيارة، تكتشف المرأة وجوده حقاً، بادئة بقدميه ثم ساقيه وبعد ذلك جسمه ورأسه، حين كان يسحب نفسه من تحت السيارة.
ومنذ تلك اللحظة تبدو جولي مولعة بهذا العامل الشاب الذي سيقول لها إن اسمه عبده، وستفهم سريعاً أنه عامل مهاجر بطريقة غير شرعية من بلد صحراوي (غير محدد)، وأنه يتطلع الآن إلى الحصول على سمة دخول تعطي وجوده هنا شرعيته.
عبده في مقهى البيض
إن أول ما تفعله جولي هو أنها، وربما تأكيداً لنزعة غرابة أطوار لديها، كونها مثقفة وتنتمي إلى جماعة من المثقفين الطليعيين الذين يطلقون على أنفسهم اسم "مجموعة الطاولة" ويجتمعون دورياً في مقهى "إل إي كافيه"، تصطحب عبده معها إلى المقهى لتعرفه إلى أصحابها، وهناك تكتشف أنه ليس العامل الجاهل الذي تعتقد، بل هو مثقف وخريج جامعة، يريد الآن أن يشرعن إقامته كي يُوجد لنفسه مكانة أفضل في المجتمع، لكن الذي لم تخمنه أول الأمر هو أن عبده يتطلع إلى أن يتمكن من حل مشكلاته القانونية من خلال تدخل التاجر الثري والد جولي في الأمر، هو الذي يعرف علية القوم.
بيد أن الوالد سيرفض التدخل، فقط تحسباً كيلا يقال إنه إنما يستغل صداقاته من أجل عشيق ابنته، ذلك أن عبده كان في تلك الأثناء قد أضحى عشيق جولي، وهنا عند هذه النقطة، وإذ يجد عبده نفسه مجبراً على مبارحة بلد اغترابه هذا، يجد نفسه في الوقت ذاته غير قادر على تحقيق رغبته في الهجرة النهائية إلى أميركا، وربما إلى كندا أو أستراليا، فالكابوس بالنسبة إليه هو أن يعود لوطنه الأصلي، البائس المحافظ الصحراوي والذي يعيش تخلفاً مدقعاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن جولي تريد، كما سنفهم بسرعة، بصورة تحديدية أن تسافر رفقته إلى ذلك البلد الصحراوي، فهي بمقدار ما أحبته تبدو تواقة لعيش تجربة الصحراء، وهنا نجد التشابه بين حكايتها وحكاية بطلة "السماء الواقية" كما أشرنا قبل سطور، علماً بأن الأحداث التالية، وصولاً إلى ما قبل النهاية بقليل، ستتشابه كثيراً مع تلك الحكاية.
إذاً، في النهاية، وتحت وقع الضرورة، وتحت ضغط جولي نفسها، يسافر الحبيبان إلى "الوطن" الذي سيتضح لنا أكثر وأكثر مبلغ كراهية عبده له، وحين يصلان إلى قرية عبده وأهله، وبعد أن نكتشف أن لعبده أصلاً اسماً حقيقياً هو إبراهيم موسى، وأن له إخوة لا يقلون بؤساً وفقراً عنه، سيدهشنا أن جولي لم تر شيئاً من هذا كله، فلقد افتتنت بالصحراء والعيش هنا، وافتتنت ببساطة الإسلام وصوفيته، وبساعات التأمل في الصحراء.
ظهور التناقض
لقد افتتنت جولي بهذه الحياة التي تتناقض كلياً مع ما كانت تعيشه من قبل، ولا سيما مع رتابة حياتها العائلية وماديتها، وهكذا، بالتدريج، سيظهر التناقض بينها وبين إبراهيم / عبده واضحاً، فهو يريد الخروج بأي ثمن وهي تريد البقاء، مع إبراهيم أو من دونه، فهي إذا كانت أحبت هذا الأخير، فهي إنما أحبت غموضه في المكان وغموض المكان في حياتها الجديدة، وأحبت بخاصة ذلك التطور المدهش الذي راح يطاول تجربتها في هذا المكان الذي راحت تستمتع بغربتها عنه.
ومن هنا تصبح الرواية سرداً لتطور إنسان ما، وسط ثقافة لا ينتمي أصلاً إليها، ولعل في وسعنا هنا أن نحدد موقف الكاتبة من هذا كله، من خلال رسم خط التناقض، بين غربة عبده/ إبراهيم، في الدولة الأفريقية السوداء، حيث كان يريد أن يبقى ولو لأسباب مادية وهروبية تتعلق بمبارحته وطنه أول الأمر، فيلفظه المجتمع هناك، حتى من قبل أن تلفظه السلطات، وبين غربة جولي المرحب فيها كبديل لانتماء لم تعد تريده.
وفي هذا التوق إلى البعيد، يبدو جولي وإبراهيم متشابهين من حيث المبدأ، غير أن الأمر يتعدى ذلك في النهاية، فهي تتوق إلى عيش يهرب هو منه، وهو يتوق إلى عيش تودّ هي ألا تعود له أبداً، ومن الواضح، في إطار هذا التقابل بين الاثنين، على رغم ارتباطهما الغرامي، أن نادين غورديمير تطرح بقوة مسألة قلق الإنسان المعاصر، وغربته في أي مكان وعن أي مكان، وهي، حتى وإن كانت في نهاية الرواية ستجد حلاً ينسف غرام الاثنين، إنما يرضيهما معاً في ما كانا يتطلعان إليه، فإن هذا الحل لن يبدو إلا حلاً موقتاً، ذلك أن إبراهيم سيحقق حلمه ويسافر إلى الولايات المتحدة، أما جولي فإنها ستبقى في الصحراء.
خاتمة الرواية هي نقطة الفراق، فمن ذا الذي يمكنه أن يقول لنا إن كلا العاشقين لن يندم على اختياره بعد حين؟ وفي الحقيقة يمكننا هنا أن نقول إن رواية "الشاحنة" تفتح الباب على كل الاحتمالات، بل إن هذا الباب المفتوح، إن أمعنا فيه تماماً، قد نجده يبرر رأي أولئك الذين قد يفضلون ترجمة عنوان الرواية الأصلي (Pick Up) إلى "نقطة اللقاء".
نضال ضد العنصرية
ولدت نادين غورديمير عام 1923 في إحدى ضواحي جوهانسبرغ الغنية، ضاحية تشبه تلك التي يعيش فيها أهل بطلة الرواية الأثرياء، وهي منذ أعوام شبابها الأولى خاضت النضال ضد العنصرية واضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان، مدفوعة إلى ذلك بعاملين أساسين: أولهما أن والديها عانيا تمييزاً دينياً، ولا سيما في موطنهما الأصلي بين ليتوانيا ولاتفيا، وثانيهما أنها تربت في دير كاثوليكي اشتهر عن رهبانه وراهباته تعاطفهم مع السود والملونين عموماً، وهي نشرت أول أعمالها على شكل مجموعات قصص قصيرة أواخر أعوام الـ 40، لتنشر عام 1953 أول رواياتها "الأيام الكاذبة" عام 1953، وتواصل بعد ذلك إصدار ما معدله كتاب كل عام، بين رواية ومجموعة قصص قصيرة ومسرحيات ومقالات مجموعة في كتب.