Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هواجس الحرب والنزوح تطارد الغزيين وسط خروقات الهدنة

يعيشون تحت وطأة الإجهاد النفسي المستمر وغياب المأوى الآمن على رغم مرور عام على وقف إطلاق النار

من الخطأ العلمي والميداني استخدام مصطلح اضطراب ما بعد الصدمة لوصف الحالة في غزة (أ ف ب)

ملخص

على أرض غزة كل ما يتحدث عنه الدبلوماسيون والسياسيون لم يطبق، فالخروقات العسكرية وبقاء النازحين في الخيام وسط الركام جعلا خطة السلام والازدهار مجرد اتفاق لم ينفذ إلا جزء محدود منه، مما جعل تعافي الغزيين نفسياً من اضطراب ما بعد الصدمة صعباً.

يخدش سماء غزة صوت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية (الزنانة) الذي لم يغِب تماماً على رغم انقضاء عام كامل على إعلان وقف إطلاق النار، يمزق الأزيز الصاخب الناتج منها دوي انفجار ضخم في الأطراف الشرقية للقطاع خلف الخط الأصفر، في واحد من الخروقات المعتادة للهدنة الهشة.

في تلك اللحظة، ينتفض جسد الصغير عمر (ثلاث سنوات ونصف السنة) كمن صعق بتيار كهربائي، يضم ركبتيه إلى صدره النحيل، يغطي أذنيه بكفيه الصغيرتين، ويبدأ بنوبة صراخ هستيري.

تندفع شقيقته ميساء أبو العوف لتحضن الصغير عمر بذراعين مرتعشتين، فجسدها لا يقل ارتجافاً عن حال الصغير، وتهمس في أذنه تحاول طمأنته "خلص يا عمر، الحرب خلصت يا حبيبي، هذا بالون فرقع بعيد، بس بالون".

تربت على ظهره بإيقاع سريع، بينما ترتفع عيناها لتراقب سقف الخيمة حيث تعيش وهو يهتز مع تجدد حركة الطيران، تبتلع ميساء ريقها وتقول "أكرر له هذه الكذبة كلما سمع صوت غارة قريبة، وأذكّره بأن الحرب انتهت منذ عام وأننا في أمان، لكنه لا يصدق، بالنسبة إلينا، بخاصة صغارنا كل ما عشناه من رعب كأنه وقع قبل دقائق".

بعدما سيطرت على نوبة الهلع التي أصابت شقيقها، تضيف أن "الخروقات المستمرة تنسف أية محاولة للإحساس بالأمان، لا نزال في الخيمة والركام يحيط بنا و’الزنانة‘ فوق رؤوسنا، لم نخرج من الحرب وأجسامنا لم تتعافَ من صدمات الحرب، جسد عمر وعقولنا جميعاً تخاف كلما حدث انفجار ونتذكر أيام الحرب القاسية".

في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 وقعت حركة "حماس" وإسرائيل بوساطة الولايات المتحدة على اتفاق وقف إطلاق النار، وانطلقت برعاية دولية "خطة السلام والازدهار" وتأسس "مجلس السلام" كضامن لطيّ صفحة الحرب وبدء "اليوم التالي"، وصدرت خطط التعافي وبدأ العالم يتحدث عن غزة الجديدة.

على أرض غزة كل ما يتحدث عنه الدبلوماسيون والسياسيون لم يطبق، فالخروقات العسكرية وبقاء النازحين في الخيام وسط الركام جعلا "خطة السلام والازدهار" مجرد اتفاق لم ينفذ إلا جزء محدود منه، مما جعل تعافي الغزيين نفسياً من اضطراب ما بعد الصدمة صعباً.

مرّ عام على وقف إطلاق النار، لكن الصدمات تعيش مع النازحين، فتستيقظ ميساء مع كل خرق أمني، وتقول "تدمر بيتي وما زلت أعيش في خيمة، مسببات الرعب مستمرة، وأشعر بأن حالي النفسية مهزوزة وأن مرحلة الاستشفاء لم تبدأ بعد، خروقات الهدنة تذكّر أدمغتنا بالصدمات التي عشناها أثناء القتال الضروس، إذ لا تطوى في الذاكرة كأحداث من الماضي، وأهوال الحرب المتراكمة باتت كابوساً أعيشه كل يوم".

تحت سقف خيمة ميساء، لا تملك ترف التفكير في مصطلحات "مجلس السلام" أو وعود "الازدهار"، كل ما يشغلها كيف تخفض معدل ضربات قلب شقيقها عمر، تمسح العرق البارد عن جبينه ثم تهمس "العالم يقول إننا نجونا، لكن قلبي وارتجاف هذا الطفل، يخبرانني أننا ما زلنا نعيش تحت الأنقاض".

الهدنة لم تنهِ الخوف

بعد نحو عام على وقف إطلاق النار، يعتقد باحثو الصحة النفسية بأن حالة عمر ليست مجرد نوبة بكاء، ويشرح المدير العام لبرنامج غزة للصحة النفسية ياسر أبو جامع أن "من الخطأ العلمي والميداني استخدام مصطلح اضطراب ما بعد الصدمة لوصف الحالة في غزة، نحن لم نصل أصلاً إلى مرحلة ما بعد الحدث حتى يبدأ التعافي، ما يعيشه الغزيون هو إجهاد صدمي مستمر".

ومن جانبها تقول الطبيبة النفسية في منظمة "أطباء بلا حدود" أودري مكماهون "محاولة تقديم الدعم النفسي لنازحي غزة، في ظل هذا المشهد المتقلب هي أشبه بالمستحيل، نحن لا نعالج اضطرابات نفسية عادية، فمحاولة علاج الجراح النفسية في القطاع تشبه تماماً محاولة خياطة جرح والرمح لا يزال مغروساً فيه".

 

 

حين تشن إسرائيل غارة على غزة مخترقة الهدنة، يفهم جسد الطفل عمر وشقيقته ميساء القصف كتهديد على حياته، وتضيف مكماهون أن "الدماغ البشري مصمم ليفعل ما يعرف بوضع الاستنفار عند الخطر، فيضخ كميات هائلة من هرموني الأدرينالين والكورتيزول لتهيئة العضلات والحواس للركض والنجاة، وبمجرد زوال الخطر يعود الجسد لحاله الطبيعية وتبدأ معالجة الذاكرة".

وفي غزة، بحسب مكماهون فإن غياب المأوى الآمن والعيش في خيام واستمرار أصوات الطيران والانفجارات، تجعل الجهاز العصبي عالقاً في حال طوارئ قصوى ومستدامة، فيرفض الدماغ "أرشفة" أحداث الحرب ويبقيها مشتعلة كخطر يقع الآن.

أما أبو جامع، فيضيف أن "العقل والجسد في غزة لا يزالان في حال طوارئ واستنفار دائمين لمحاولة النجاة، لا يمكن أن تطلب من جهاز عصبي أن يهدأ، بينما الرعب من أصوات طيران وخروقات أمنية لا تزال تحيط بالنازحين، هذا الاستنفار الدائم يستنزف أية مرونة نفسية باقية لدى إنسان له ثلاثة أعوام يعيش الحرب".

عائلات كاملة منهكة

والاستنفار العصبي الدائم لا يقتصر على الأطفال ويمتد إلى جميع فئات المجتمع، الأب بشار الذي نزح سبع مرات تآكلت صلابته النفسية حتى أصبح مجرد التفكير في الحقائب يخيفه، ويقول "خلال النزوح الأول، حملنا أوراقنا وملابسنا وتاريخنا، في النزوح الرابع حملنا الفراش، نحن لا نحمل شيئاً سوى أرواحنا، لقد استُنزفنا حتى النخاع ولم يبقَ فينا شيء ليكسر".

بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فإن الغزيين يتعرضون لتدمير ممنهج للنسيج النفسي، إذ يسبب تكرار النزوح اقتلاعاً يفقد معه الغزي أي ارتباط بالمكان.

ونزحت خديجة منون أكثر من 20 مرة من جباليا وصولاً إلى ركام مبنى في خان يونس، تجلس وسط زاوية الركام تتجاهل الخراب وتفتح شاشة هاتفها، تقلّب صور مطبخها القديم وصالون بيتها المجهز، وتقول "لا أصدق أن غزة سحقت، أوقفت عد الأيام عند السابع من أكتوبر 2023، أعيش على ذكريات حياتي القديمة".

خوف وإنكار

بجلوسها وسط الركام، ترفض خديجة الاعتراف بواقع غزة، ويعلق أبو جامع "هناك فئة لا تزال تتمسك بذكرياتها، مما يعني أنها تهرب من الانهيار التام، إذ اختارت أجهزتها العصبية الإنكار كآلية دفاعية".

وتعيش زهر التي نزحت إلى المواصي، حالاً من "الفوبيا" المكانية، بعدما فقدت منزلها بالكامل في حي الزيتون، وعلى رغم مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار، ترفض رفضاً قاطعاً مجرد التفكير في العودة لرؤية ركام بيتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول "خائفة من الانهيار النفسي عند رؤية بيتي مسوّى بالأرض، أعتقد بأني أحافظ على نفسي برفضي العودة لملكي، وراضية في العيش داخل الخيمة على رغم أني عاجزة عن التقدم نحو المستقبل، ومرعوبة من العودة للماضي".

تمرر مها مشطاً بلاستيكياً مكسوراً في شعرها، تتساقط خصلات كاملة بين يديها، وبخفة تحاول دفنها في رمل الخيمة، لكن طفلتها الصغرى لمحتها، وتقول "أدفنه حتى لا يرى صغاري كيف يأكلني الرعب من الداخل، العبء كله صار على عاتقي، أبوهم مريض وانكسر ظهره من قلة الحيلة وهو يرى صغاره يرتجفون وغير قادر على حمايتهم، وأنا مثله شارفت على الانهيار من الأزمات النفسية التي أعيشها".

الخوف يعيش في الجسد

في علم النفس، ما تعيشه مها يسمى "الأمراض النفس-جسدية"، ويقول أبو جامع "نرى في العيادات أجساداً أكلها الخوف، لقد دمرت الصدمة المستمرة الأسرة الغزية، فالآباء فقدوا القدرة على توفير سقف لأطفالهم أو حمايتهم، وهذا العجز النفسي انعكس أمراضاً جسدية فورية".

ويضيف "نرى حالات شلل نصفي موقت وآلاماً مبرحة في المفاصل لشباب في الثلاثينيات لم تصبهم رصاصة، لكن جهازهم العصبي أعلن الإضراب لعدم قدرتهم على تحمل عبء النزوح المستمر، الصلابة ببساطة انكسرت في ظهورهم".

أما مكماهون، فتقول "عندما يعيش الإنسان في وضع طوارئ مستدام من دون أي يقين أو ملاذ آمن، يضخ الدماغ مستويات هائلة من هرمون الكورتيزول والأدرينالين، وبيولوجياً يفرز الجسد كميات كبيرة من السكر ليمنح العضلات طاقة للركض والهرب من الخطر".

وتشير إلى أن النازح يعيش محاصراً ولا يملك جغرافيا آمنة يهرب إليها وهذا التوتر يحرق الأعصاب ويدمر البنكرياس، وتتابع "نحن أمام أجساد تحرق نفسها من الداخل في محاولة يائسة للنجاة".

في غزة، دمرت الصدمة المستمرة الحاضر والمستقبل، ويقول استشاري الطب النفسي في برنامج غزة للصحة النفسية سامي عويضة "نحن أمام جيل كامل سلب منه حق التخيل، الدماغ البشري الذي يولد ويعيش داخل بيئة طوارئ يقوم بحذف قسم المستقبل من برمجته كلياً، والتفكير في الغد يصبح ترفاً لا يملكه عقل مشغول بمحاولة البقاء حياً للساعة المقبلة، أحلام صغار غزة أُعدمت".

ومن جانبه يشرح أستاذ الطب النفسي فضل أبو هين "المفروض أن الأدرينالين هبط في أجساد النازحين، لكن ذلك لم يجلب الطمأنينة، لقد أصيبوا بحال من الفزع، طوال فترة الحرب لم يكُن لدى الغزيين وقت للبكاء، كانوا مشغولين بالنجاة، مما جعل اللحظة التي سيشعرون فيها بالأمان الجسدي هي ذاتها اللحظة التي ينهار فيها جدار الدفاع النفسي، ليبدأ ما نسميه ’الحزن المؤجل‘".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير