Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

راسل كرو يشرف على جمع تبرعات من مختلف أنحاء العالم لمساعدة مطاعم بيروت

مطعم صغير تديره أسرة يتلقى فيضاً من المساعدات بعد الانفجار لا سيما من أحد الراعين الخاصين جداً و"اندبندنت" تلتقي بعض الأشخاص الذين يحاولون الانطلاق من جديد بعد وقوع الكارثة

مطعم "Le Chef" البيروتي الذي تعرّض للنسف إثر انفجار مرفأ العاصمة اللبنانية في أغسطس (آب) الماضي، يحظى بمساعدة "هوليوودية" خاصة لاستئناف نشاطه (غيتي)

عندما يلقي البعض نظرة على المطاعم المتواضعة في بيروت، قليل منهم يدرك أنه وسط الطاولات البلاستيكية والزبائن المنكبّين على تناول أطباق تعبق برائحة لحم الضأن المحشي، يوجد ارتباط ما للمكان بهوليوود.

"لو شيف" Le Chef مطعم لبناني صغير تديره أسرة، شكّل لنحو 53 عاماً أحد الدعامات الأساسية في شارع غورو الشهير في المدينة، على الرغم من مواكبته عدداً من الحروب. ولطالما أمتع صاحبه شربل باسيل الزائرين الجدد برواياته المثيرة عن عبور نقاط التفتيش تحت القصف مع والده، للوصول إلى مكان العمل.

لكن هذا المطعم تعرّض للنسف في الرابع من آب (أغسطس) الفائت، على أثر وقوع الانفجار في مرفأ العاصمة اللبنانية الذي يُعدّ أحد أكبر التفجيرات غير النووية في التاريخ الحديث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أصيب شربل في ذاك اليوم بجروح خطيرة، هو وعدد من العاملين والزبائن. وكاد مطعم "لو شيف" العالق بين فكّي وباء كورونا والانهيار المالي غير المسبوق في لبنان، أن يغلق أبوابه إلى الأبد، إلى حين قيام الممثل العالمي راسل كرو الذي يبعد عن المكان نحو 13 ألف كيلومتر، بلفتة غير متوقّعة تبرّع من خلالها بمبلغ 5 آلاف دولار.

ويقول شربل في وصف لحظة الحادث وهو يشير إلى ندوب في ذراعيه ورأسه: "اعتقدتُ أن قنبلة قد هوت على المطعم". وتحدّث عن محاولات نقل الجرحى فوق مجموعات ركام الزجاج المتكسّر وحطام الأبنية المنهارة، إلى المستشفيات المحلية التي تعرّضت للتدمير هي الأخرى. وفي غضون ذلك، بدا المطعم وكأن أعاصير متضاربة قد عصفت بداخله.

ويضيف شربل: "أردنا أن نبقي المطعم مفتوحاً، لكنه تعرّض لضرر بالغ دفعنا إلى خدمة زبائننا من تحت أنقاض المكان".

إلا أن تدفق التبرعات أتاح لصاحب المطعم إصلاحه بمساعدة نجم فيلم Gladiator الذي قال في حينه إنه تبرّع بالمال نيابة عن الطاهي الشهير الراحل الشيف أنطوني بوردان، الذي كان قد زار مطعم "لو شيف" عام 2006 وأبدى إعجابه بأكلة الكبّة التي يقدّمها وبوجبة لحم الضأن المطهي وبصحن الحمّص.

ويقول شربل بنبرة في صوته تطغى عليها مسحة من العاطفة: "أطلقنا على راسل كرو لقب عرّاب لو شيف. لقد ساعدنا كثيراً، فبعدما تابع عدد من الناس مبادرته، حذوا حذوه وتبرّعوا لنا".

 وقد تمكّن المطعم أخيراً هذا الأسبوع، بعدما جمعت له حملة تبرعات عبر الإنترنت حوالى 20 ألف دولار أميركي، من معاودة فتح أبوابه وخدمة عملائه مرّة أخرى، بحيث انضم إلى عدد من المطاعم والشركات الأخرى المجاورة، التي أعيد افتتاحها أيضاً بدعم من الهبات.

وعلى الرغم من العوائق الكثيرة، شهدت أحياء العاصمة اللبنانية محاولات للعودة إلى الحياة، بعد الانفجار الذي عصف بها حاصداً أكثر من 200 شخص وجارحاً الآلاف.

ويعتقد أن انفجار أغسطس الماضي كان سببه اشتعال النار بعشرات الآلاف من المواد المتفجرة سيّئة التخزين في مرفأ بيروت المتاخم لأحياء العاصمة. وأدّى ذلك في نهاية المطاف إلى استقالة الحكومة التي كانت على علم بالمواد الخطيرة المخزنة، في حين تأجّج الغضب الشعبي نتيجة عدم تحركها لمساعدة المصابين والمشردين والذين فقدوا أشغالهم بسببه.

وفي ظل الغياب الرسمي، نزل متطوعون إلى الشوارع المدمّرة لإزالة الأنقاض واضطر كثيرون مثل شربل إلى إعادة بناء منازلهم ومحالهم التجارية بمساعدة جمعيات خيرية وحملات جمع أموال.

المدينة المنكوبة غصّت بمواطنين يستخدمون حافظة أوراقهم محاولين مسح الأضرار وتقييمها والعمل على إصلاحها من دون مساعدة من الدولة. ويشهد شارع غورو الذي يشقّ طريقه نحو شارع أرمينيا، ورشة أعمال ترميم وإعادة بناء.

في المقابل، وعلى مقربة بضعة أبواب من مطعم "لو شيف"، أعيد للمرّة الأولى في أغسطس الماضي، افتتاح مكتبة Aaliya’s Books، التي تضمّ في آن واحد متجراً مستقلاً لبيع الكتب ومقهى وحانة أدبية، وتعدّ مقصداً لعشّاقها من الصحافيين والعاملين في المجال الخيري.

مالكتها هي سيّدة أيرلندية تُدعى نيام فليمينغ، كانت قد هرعت قبل ثوان من الانفجار الهائل إلى الخارج، بعدما سمعت دويّاً أولياً وما بدا في حينه كأنه صوت طائرة. أما الأمر التالي الذي لا تنساه، فهو السير في حال ذهول عبر الشارع المدمّر، ومشاهدة أشخاص ملطّخين بالدم يقفون إلى جانبها. ولا تتذكّر هذه المرأة أنها فقدت الوعي في ذلك اليوم.

أما المكتبة-المقهى التي تملكها فقد دمّرت بسبب الانهيارات الجزئية للمباني المحيطة بها، التي ما زالت تشاهد حتى اليوم وهي تتأرجح على الطريق بشكل ينذر بالشؤم. وقد بدت مستحيلة إعادة فتح المكان أثناء فترة الوباء، في وقت لا يزال لبنان يعاني من انهيار مالي أسهم في خسارة العملة الوطنية أكثر من 80 في المئة من قيمتها.

لكن مرة أخرى، تدفقت التبرعات. وتقول فليمينغ من داخل المقهى الذي يبدو الآن في وضعٍ جيّد وكأنه حديث الإنشاء، باستثناء بعض علامات التشقّق على امتداد البار وجدران المكان: "لقد تأثرنا جداً بتدفق التبرعات، لا سيما لجهة الذين أسهموا في العطاء، بدءًا من الذين يفِدون إلى هنا بانتظام، وصولاً إلى الأشخاص الذين زاروا لبنان وكانوا هنا مرة واحدة".

وشمل كرم العطاء هدايا لم تتوقّعها أرسلت من موطنها الأصلي أيرلندا. وتقول إن مكتبة صغيرة مستقلّة في مدينة ويستبورت في مقاطعة مايو، لم تكن لها أي صلة بها، بعثت إليها بصندوق من الكتب كي تتمكّن من إعادة تكوين مجموعتها من جديد. وتضيف: "كان مريحاً لنا أن يهتم أشخاص بعيدون بما يحدث هنا، حتى في عزّ فترة الوباء عندما لا يشعر أحد عادة بالبحبوحة أو بالأمان".

المبادرة حفّزت الفريق على المضي قدماً. وقد جاء التحوّل مذهلاً لجهة دعم الزبائن للمرأة، بحيث واظبوا على الجلوس على الأرائك والانكباب على القراءة والعمل بهدوء.

وفي عودة إلى مطعم "لو شيف"، فقد بدا من خلال الجلوس إلى الطاولات النظيفة، في وقت يتم فيه تحضير اللحوم والأسماك على نار هادئة في الجانب الخلفي من المكان، أن من الصعب تخيّل ما حدث هناك.

وتبقى إحدى العلامات الوحيدة على الدمار متمثّلة في الرمز الديني للمطعم الملطّخ بالدم، الذي أخرجه شربل من تحت الأنقاض بعد نحو شهر كامل على وقوع انفجار المرفأ. هذا الرمز هو صورة للسيّدة مريم العذراء التي يقول وهو يمسك بها: "ما زلنا حتى الآن لا نعرف لمن يعود هذا الدم الموجود على الصورة".

إشارة أخيراً إلى أن هذا الرجل مصمّم على إبقاء مطعمه "لو شيف" مستمراً حتى مع مواصلة وباء كورونا تدمير أوصال  الاقتصاد اللبناني الممزّقة أساساً. ويقول: "إننا نصلي على رجاء أن تكون هذه هي آخر كارثة نكابدها. لكن مهما حدث، سنبقي على المكان مفتوحاً، وما دام في عروقي دم يجري، فسأواصل العمل هنا".

© The Independent