Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا تبحث عن بسمارك عصري... ينقذها

تبدو شخصيته هي الحل كونه الرجل الذي عرف كيف يجابه أخطاراً جيوسياسية مشابهة قبل نحو قرنين من الزمان

تختلف الظروف الجيوسياسية لأوروبا اليوم عما كانت عليه في القرن الـ19 (أ ف ب)

ملخص

لم يكن بسمارك في حقيقة الأمر مجرد قائد ألماني عظيم، بل عُد مهندساً استراتيجياً للنظام الأوروبي في تلك الحقبة التي أعقبت اتفاق وستفاليا، ونهاية الحروب الأوروبية – الأوروبية.

ويضع الأوربيون اليوم أمام أعينهم نموذج بسمارك.

وسط حال الثورة والفورة التي تعم القارة الأوروبية، والتي تجد نفسها بين مطرقة الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وروسيا الاتحادية من جهة ثانية، يتساءل كثيرون، داخل أميركا وخارجها: هل من نموذج سياسي تاريخي يمكن أن يكون بمثابة الملهم لأوروبا في حاضرات أيامها، رجل قادر على قيادتها إلى بر الأمان، وتجنيبها صراعات سياسية وعسكرية، قد تعيد ذكريات حربين عالميتين، سبقتا وانطلقتا من الموقع والموضع ذاته؟

الجواب يقودنا ولا شك إلى السياسي الألماني الأشهر أتو فون بسمارك، الذي صار بمثابة الرمز والقادر على توحيد ألمانيا بداية، ثم إنشاء التحالفات الصلبة العميقة، من دون أن تكون سبباً في تأجيج الخلافات بين أطراف وأطياف القارة الأوروبية.

والثابت أنه إذا كانت أوروبا اليوم تعيش حالاً من المخاوف المعمقة، في مواجهة روسيا بوتين، وتبلغ حال الروسفوبيا مبلغها، والحديث يدور حول حرب روسية هجينة تارة، واستعدادات لعمليات عسكرية تارة أخرى، فإن بسمارك في واقع الأمر يعود إليه الفضل في أنه أول من أنذر وحذر من أن لا يحاول أحد إثارة روسيا أو التعرض لأمنها الداخلي، وربط ازدهار القارة الأوروبية بالعلاقات الروسية – الألمانية بنوع خاص.

هل أوروبا في حاجة بالفعل إلى "بسمارك جديد"؟

حكماً تختلف الظروف الجيوسياسية لأوروبا اليوم، عما كانت عليه في القرن الـ19، حين لمع نجم بسمارك في سماء أوروبا، ولهذا فإن المقاربة التاريخية لا بد من أن تختلف في الظاهر، لكن الروح الرئيسة لبسمارك تبقى الحاجة إليها مؤكدة، فقد كان رجل توحيد القوة وإدارة التوازنات وصناعة التحالفات.

لم يكن بسمارك في حقيقة الأمر مجرد قائد ألماني عظيم، بل عُد مهندساً استراتيجياً للنظام الأوروبي في تلك الحقبة التي أعقبت اتفاق وستفاليا، ونهاية الحروب الأوروبية – الأوروبية.

 من هنا تبدو علامة الاستفهام: هل تحتاج أوروبا إلى بسمارك يوحدها، أم إلى بسماركيين متعددين يعرفون كيف يصنعون توازناً أوروبياً جديداً؟

بسمارك وجذور سياسية عميقة

بالنظر إلى الجذور التاريخية التي ولد ونشأ فيها بسمارك، يمكن للمرء أن يقطع وللوهلة الأولى، بأن الطفل المولود في الأول من أبريل (نيسان) 1815 في منطقة شونهاوسن، كان لا بد من أن يضحى رمزاً أوروبياً سياسياً متميزاً.

في منطقة تملكها عائلته الثرية غرب برلين بمقاطعة ساكسونيا في مملكة بروسيا، ولد لأب هو فيلهام فرديناند فون بسمارك، الضابط السابق في الجيش البروسي.

 تخرج في جامعة غوتينغن متخصصاً في القانون، ليبدأ مسيرة طويلة في العمل السياسي العام، مما سيقوده إلى شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا بين عامي 1862 و1890.

حين يذكر اسم بسمارك يتذكر الألماني خصوصاً، والأوروبيون عامة، كيف أنه الرجل الذي أشرف على توحيد الولايات الألمانية، وتأسيس الإمبراطورية الألمانية، أو ما يسمى بـ"الرايخ الألماني الثاني"، وأصبح أول مستشار لها بعد قيامها في عام 1871، حتى عزله القيصر فيلهام الثاني عام 1890 .

ولدوره المهم خلال فترة مستشاريته، أثرت أفكاره في سياسة ألمانيا الداخلية والخارجية طوال عقود، وعرف باسم "المستشار الحديدي".

ما الذي ميز حقبة بسمارك كمستشار متميز لبلاده؟

استخدم بسمارك استراتيجية توازن القوى بكل مهارة للحفاظ على ما حققته القيصرية الألمانية من مكاسب في أوروبا، إضافة إلى إحلال السلام للحيلولة دون إثارة حرب تتمكن فيها فرنسا في ما بعد من إيجاد حلفاء لها، وبذلك يمكنها استعادة مقاطعتي ألزس ولورين.

سعى بسمارك إلى عزل فرنسا عن بقية دول أوروبا، وبالذات النمسا وروسيا كي لا يضطر لاحقاً إلى خوض حرب على جبهتين اثنتين مع روسيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى. كان بسمارك يأمل بالوقت ذاته في أن تحقق ألمانيا تطوراً ونمواً في فترة السلام هذه، لذا فقد عمل على توقيع معاهدات سلام معقدة ومتداخلة مع روسيا وإمبراطورية النمسا والمجر عام 1873.

هل كانت لبسمارك بصمة خاصة في الداخل الألماني بنوع خاص؟

 بالفعل ذلك، فقد عمل بسمارك على تأسيس دولة رفاهية، ويعد أول مؤسس دولة للرفاه في العصر الحديث.

كان هدفه المؤكد هو الوقوف في وجه تغلغل الأفكار الاشتراكية والراديكالية وسط الحركة العمالية، فحسّن أوضاع العمال المعيشية، واعتمد نظاماً متطوراً للتأمينات الاجتماعية، وتحالف مع الليبراليين ضد الكنيسة الكاثوليكية بسبب اعتقاده أن هذه الأخيرة تحوز قوة سياسية أكثر مما ينبغي.

حين حل فيلهم الثاني في الحكم، حاول الحد من نفوذ بسمارك، مما أدى إلى تفاقم الخلافات بينهما، حتى وصلت إلى نقطة اللاعودة، وقد تكللت هذه التطورات في الـ18 من مارس (آذار) 1890، بتنحي بسمارك عن جميع مناصبه، وكان حينها قد ناهز الـ75 من عمره.

 بعد وفاته، اتخذه القوميون الألمان بطلاً لهم، كذلك أشاد المؤرخون بدوره كرجل دولة أسهم في الوحدة الألمانية، واستخدم سياسة التوازن القوي للحفاظ على السلام في أوروبا في سبعينيات وثمانينيات القرن الـ19.

بسمارك وشبكة تحالفات أوروبية قوية

يضع الأوربيون اليوم أمام أعينهم نموذج بسمارك، ربما لأنه الرجل الذي استطاع نسج شبكة من التحالفات، وقام بالتوقيع على معاهدات، وفّرت نحو عقدين من السلام والطمأنينة للقارة الأوراسية، وليس الأوروبية فحسب، بمعنى أوروبا وروسيا معاً.

جعل انتصار ألمانيا في الحرب الفرنسية - البروسية عامي 1870- 1871، منها أقوى قوة عسكرية في أوروبا، لكن هذا الأمر أثار شكوك القوى الأخرى.

 كان بسمارك مدركاً للخطر، فأعلن أن ألمانيا قوة "مكتفية" وسعى إلى تأمينها.

عام 1879 أبرم بسمارك تحالفاً ثنائياً مع النمسا - المجر، إلا أن دافعه كان الرغبة في ممارسة ضغط على النمسا في حال نشوب أزمة في البلقان، وقد علق بسمارك قائلاً: "حاول أن تكون واحداً من ثلاثة في عالم يضم خمس قوى عظمى".

عام 1875 اندلعت انتفاضة في البوسنة والهرسك ضد الحكم التركي، وبحلول عام 1876 اندلعت أخرى مماثلة في بلغاريا، التي كانت لا تزال جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. لم يهدد الدعم الروسي للقومية السلافية تركيا فحسب، بل هدد أيضاً الإمبراطورية النمسوية - المجرية.

سعى بسمارك للتوسط بين النمسا وروسيا، ولتحقيق هذه الغاية طلب تعاون بريطانيا.

 بعد عام 1875 انتهج بسمارك دبلوماسية أكثر فاعلية، كان هدفه كبح جماح العدوان الروسي ومنع تشكيل تحالف دولي ضد ألمانيا.

يطول الحديث عن تحالفات بسمارك، غير أنه ومن دون اختصار مخل، يمكن القول إن نجاح سياسته على المدى القصير كان ملحوظاً، فقد تمتعت ألمانيا بالأمان، وساد السلام أوروبا لـ20 عاماً.

وفي كل الأحوال يمكن التأكيد أنه بعد توحيد ألمانيا، لم يسعَ بسمارك إلى خوض حروب لا نهائية، استناداً إلى القوة السياسية والعسكرية الوليدة الجديدة، بل حاول جاهداً إنشاء شبكة من التحالفات والتفاهمات، تمنع قيام ائتلاف أوروبي معاد لألمانيا.

من هنا ربما ينبغي علينا أن نتساءل: "هل أوروبا في حاجة إلى بسمارك جديد يوحدها، أم إلى نماذج عدة ومتنوعة من بسمارك في كل دول الاتحاد الأوروبي يمكنها معاً من صنع توازنات أوروبية جديدة في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها القارة العجوز، ومن غير أدنى رؤية مستقبلية واضحة؟".

ربما يحتاج الجواب إلى النظر في أكثر من اتجاه، ذلك أن أوروبا اليوم تبدو وكأنها قارة ذات قوى ديموغرافية، وموارد جغرافية قوية وكثيرة، ناهيك بإرثها من الرؤى السياسية والتنوير، وعقول علماء ومبدعين، كانوا في الأصل، لا سيما على الصعيد العسكري، أدوات النهضة العسكرية الأميركية والروسية، لكن على رغم توافر كل هذا تغيب رؤية الرجل القادر على توحيد الصفوف الأوروبية.

أوروبا... حسم استراتيجي أم قوة فردية؟

ولأن الأوروبيين في الوقت الراهن يسعون سريعاً إلى إيجاد مسارات للعمل ومسارب للأمل، فإنهم يقلبون أوراق التاريخ بكثرة، وفي وقوفهم أمام النموذج البسماركي تبدو المواقف منقسمة بين مؤيد يرى حاجة أوروبا إلى حسم استراتيجي جماعي، وبين معارض يخشى من أن تعود القارة مرة أخرى إلى نموذج القوة الفردية، والمخاوف لا توفر صحوة النموذج الألماني عسكرياً، وهو التوجه الذي تسعى فيه برلين خلال الأعوام الأخيرة، لا سيما بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

أنصار الحاجة إلى بسمارك يرون أن القارة الأوروبية تبدو قراراتها مرتعشة، ولهذا هي في حاجة إلى عقل مفكر ويد قابضة على الجمر، تسند وتدعم ضعفها الهيكلي وتنهي حال عدم المقدرة الأقرب إلى الشلل في عملية اتخاذ القرار.

تبدو ميكانيزمات الاتحاد الأوروبي في أزمة داخلية حقيقية، من جراء نظام التصويت الذي يتطلب موافقة إجماعية، مما يفقد الجميع القدرة التي كان يتمتع بها بسمارك في المناورة وفرض واقع سياسي موحد خلف استراتيجية واحدة.

 تبدو صفحات بسمارك، وكأنها سجل تاريخي لرجل أوروبي عرف جيداً أبعاد السياسة الواقعية، ونأى بنفسه عن السياسات المثالية.

اليوم في هذه الأوقات القلقة والمضطربة جيوسياسياً، يعود العالم من جديد إلى دائرة الصراعات بين القوى الكبرى من جهة، وتبدو تكتلات جغرافية وديموغرافية قادمة تزاحم الجميع. في هذه الأجواء تبدو شخصية بسمارك هي الحل، فهو الرجل الذي عرف كيف يواجه أخطاراً جيوسياسية مشابهة قبل نحو قرنين من الزمان، ولهذا اتسمت سياسات بسمارك بالابتعاد عن المثالية والميل إلى الواقعية السياسية، واضعاً حماية المصالح الأمنية والاقتصادية لألمانيا في مقدم أولوياته.

من جهة أخرى، تبدو أوروبا في حاجة إلى استلهام النموذج الوحدوي البسماركي، بمعنى أنه كما قام بسمارك بجهد فائق الوصف لتوحيد الولايات الألمانية، ودمجها في كيان إمبراطوري ألماني موحد، فإن أوروبا اليوم، وقد قارب حلم الوحدة على التلاشي، في حاجة إلى من ينفخ روحاً أوروبية وحدوية جديدة في عروقها، الأمر الذي يمكنها من تجميع طاقاتها الاقتصادية والعسكرية، الأمنية والاستخبارية، لتضحى في خاتمة الأمر، قطباً دولياً فاعلاً ومؤثراً، ومن دون ارتهان قراراتها للعم سام مرة، أو خوفاً من القيصر بوتين مرة أخرى.

غير أنه وكما أن لبسمارك أنصاراً كثراً في الداخل الأوروبي اليوم، هناك من يرفض طرح محاكاة العقلية البسماركية من ناحية أخرى مقابلة.

 في هذا الإطار، هناك من يرى أن البيئة السياسية تغيرت 180 درجة عن زمن بسمارك، وما كان يصلح في زمانه، لم يعد ملائماً لمسارات الديمقراطية الأوروبية المعاصرة.

قام مشروع بسمارك على "الحديد والدم"، والفرض القسري من الأعلى إلى الأسفل، بينما يرتكز الاتحاد الأوروبي على منظومة رفيعة من الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الخاصة، إضافة إلى التوافق بين الدول الأعضاء بغض النظر عن حجمها.

في الوقت ذاته، يبدو أن الأوروبيين يخشون من صحوة النماذج المؤسساتية الفردية، لا سيما إذا كانت ألمانيا ذات التاريخ المعروف بالميل إلى نموذج القوة، الذي وإن توارى منذ ثمانية عقود، إلا أنه يظل مختبئاً تحت الجلد الألماني، كذلك يظهر في صحوة اليمين المتمثل في "حزب البديل من أجل المانيا" أخيراً، والسؤال: ماذا لو وصل هؤلاء إلى الحكم وأعلنوا زمن الرايخ الرابع؟

يجادل الرافضون فكرة البحث عن بسمارك جديد بأن المناخات الجيوسياسية الأممية قد تغيرت بصورة شبه مطلقة، عما كان عليه الحال في زمن بسمارك، والأزمات بدورها اتخذت صوراً أخرى.

 اليوم تواجه أوروبا أزمة الهجرة من الجنوب، والتغيرات المناخية القاسية، عطفاً على المشكلات الاقتصادية مثل التضخم، إلى جانب أخطار الذكاء الاصطناعي التي باتت تخيم فوق الجميع.

مثل هذه التحديات العابرة للحدود، لا يمكن أن يحلها حكم فوقي واحد، أو إرادة أوروبية علوية متسلطة، بل يتطلب المشهد نوعاً من التعاون الجماعي المستدام.

ماذا يعني ما تقدم؟

ربما يفيد النموذج البسماركي في التجرؤ على بلورة رؤية استراتيجية أوروبية موحدة، ذات نسق براغماتي قادر على أن يقود أوروبا إلى بر الأمان، أكثر من الحاجة إلى أسلوب سلطوي عاشه بسمارك في أوقاته الماضية.

هل يلقي الماضي بظلاله على الحاضر، بمعنى هل تخشى بقية الدول الأوروبية من تكرار تجارب الماضي، ولا سيما في ما يتعلق بألمانيا؟

بسمارك وإرهاصات القوة الألمانية

في تعليقه على فكرة الطرح البسماركي، يربط البروفيسور تيموثي غارتون آش أستاذ الدراسات الأوروبية في جامعة أكسفورد، بين الطرح النظري والواقع العملي لألمانيا التي تستعيد دورها الاستراتيجي في أوروبا، في ظل تنامي قدراتها العسكرية.

لا يواري أو يداري البروفيسور آش فكرة المخاوف الأوروبية، من أن يكون منقذ أوروبا، هو سيدها السلطوي المتنامي.

سوف يبلغ إنفاق ألمانيا الدفاعي العام المقبل 2027 ما يعادل إنفاق فرنسا وبريطانيا مجتمعتين، ومن المتوقع أن يتجاوزه بكثير بحلول عام 2030.

هنا يجادل البعض بأن ألمانيا ليست لديها قوة نووية كما الحال في فرنسا وبريطانيا، غير أن الحقيقة المؤكدة هي أن ألمانيا لو شاءت لتحصلت على هذه النوعية من أسلحة الدمار الشامل خلال بضعة أشهر انطلاقاً مما تملكه من معرفة علمية ووسائط تقنية تمكنها من ذلك.

لكن يظل السؤال المقلق: كيف يمكن ضمان أن يكون نمو القوة العسكرية الألمانية هذه المرة تطوراً إيجاباً لأوروبا بأسرها، وليس ضرباً من ضروب النزعة الفردية الألمانية كما جرى من قبل؟

الحقيقة المؤكدة، هي أنه إذا واصلت ألمانيا استثمار نفقاتها الدفاعية المتزايدة بصورة هائلة في صناعتها الدفاعية الوطنية، فقد تتجاوز فرنسا في نهاية المطاف، التي تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كأكبر مُصدّر للأسلحة في العالم.

هنا يبدو من الطبيعي أن فرنسا تشعر بقلق بالغ إزاء هذا الأمر. وبمنطق ديكارتي محكم، تفسر باريس "السيادة الأوروبية" على أنها تعني: لا تشتروا منتجات أميركية أو بريطانية أو ألمانية، بل اشتروا منتجات فرنسية، أو في الأقل منتجات فرنسية - ألمانية مشتركة، إلا أن أكبر مشروع فرنسي - ألماني مشترك، وهو نظام القتال الجوي المستقبلي، ينهار.

والثابت أنه ليس الفرنسيون وحدهم من يخشى من صحو ألمانية عسكرية، يمكن أن يبزغ من أرضها بسمارك آخر، ولو بملامح ومعالم القرن الـ21، فهناك بولندا بدورها التي لدغت كثيراً في زمن النازي، واليوم تشعر بقلق بالغ من أن تهيمن ألمانيا على الصناعات الدفاعية.

 في الوقت ذاته، بدأ أوروبيون آخرون يشعرون بعدم الارتياح من بناء جيش ألماني قوي قادر أن يعيد سيرة بلاده الأولى.

لكن وعلى رغم المخاوف البادية للعيان من نموذج بسماركي، فإن إرث مستشار ألمانيا الأول، يحمل في طياته ربما وصفة معينة لنجاة أوروبا المعاصرة من المخاوف التي تحلق من فوق رأسها هذه الأيام، وربما تهدد بانفلاش العمليات العسكرية، من أوكرانيا المتألمة بعد خمسة أعوام من الحرب، مروراً بمنطقة البلقان المشتعلة منذ زمان وزمانين، وصولاً إلى رؤية محتملة لمواجهات عسكرية في قلب القارة الأوروبية من جديد... ما وراء ذلك؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تحولوا روسيا إلى عدو أبدي

تتجلى إحدى أبرز أزمات أوروبا الراهنة في انخراطها، بدرجات متفاوتة، في المواجهة مع روسيا الاتحادية، في ظل اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة.

 لم يعد الأمر سراً، ذلك أن هناك كثيراً من الإنذارات الاستخبارية الاستراتيجية وليس التكتيكية التي تشي بأن موسكو تتهيأ لعمل عسكري كبير في أوروبا، لا سيما إذا استمر الدعم الأوروبي لأوكرانيا، على النحو الذي هي سائرة على دربه في الوقت الراهن.

يبدو بسمارك وكأنه "خشبة خلاص" أوروبية من المخاوف الروسية، فقد عين أواخر عام 1850، مبعوثاً لروسيا في الإمبراطورية الروسية. وفي سانت بطرسبورغ أتقن اللغة الروسية في أربعة أعوام، وكان في الغالب يستخدمها في مراسلاته وأثناء عمله مستشاراً في الإمبراطورية الألمانية كان يكتب على الوثائق الرسمية باللغة الروسية عبارات مثل "محظور" و "دقيق" و "مستحيل"، وكانت الكلمة الروسية المفضلة له هي "نيتشيفو"، وتعني لا شيء يدعو للقلق، أو لا بأس.

هذه الكلمة الروسية لازمته طوال حياته حتى إنه نقشها على عصا، واعترف لاحقاً بأنه حين كان يعاني الصعوبات والمتاعب كان يقول لنفسه باللغة الروسية "نيتشيفو" فتصبح الأمور أهون.

بسمارك هو الرجل الذي عرف روسيا جيداً من قرب، وتحدث بلغتها، حذر في كثير من المناسبات من المساس بروسيا، الأمر الذي يقول الروس اليوم إن الألمان تجاهلوه، ولا زالوا يتجاهلونه بعد ثمانية عقود من نهاية الحرب العالمية الثانية.

"كوّن تحالفات مع أي طرف، أطلق العنان لأي حروب، لكن لا تلمس الروس أبداً"، هكذا تكلم بسمارك.

وفي مناسبة أخرى أبدى تشديداً واضحاً على عدم السعي في طريق معاداة روسيا وذلك بقوله: "لا تتوقع أنه بمجرد الاستفادة من ضعف روسيا، ستحصل على أرباح إلى الأبد. الروس يأتون دائماً لاستعادة أموالهم، وعندما يأتون لا تعتمد على الاتفاقات التي تتوهم أنها تبرر لك، إنها لا تساوي قيمة ذلك الورق الذي كتبت عليه، لذلك مع الروس يتعين اللعب بطريقة عادلة، أو عدم اللعب إطلاقاً".

تستحضر المخاوف نبوءات تاريخية وجدت أحد أبرز تجلياتها في غزو ألمانيا النازية الاتحاد السوفياتي عام 1941، الذي كانت روسيا تشكّل جمهوريته الأكبر ومحوره الرئيس، وفق تحليل مطوّل لـ"روسيا اليوم".

حذر بسمارك مشدداً على أن "الحرب بين ألمانيا وروسيا هي غباء عظيم، ولهذا السبب تحديداً ستحدث بالتأكيد"، مضيفاً في مناسبة ثانية أن "الروس يستعدون طويلاً، لكنهم ينطلقون بسرعة".

السياسي الألماني الشهير مضى في التعريف بروسيا التي خبرها وعرف معدنها قائلاً "حتى أكثر نتائج الحرب ملاءمة لن تؤدي أبداً إلى تحلل القوة الرئيسة لروسيا، التي تعتمد على ملايين الروس، فهؤلاء، حتى لو فصلتهم الاتفاقات الدولية، سرعان ما يعيدون الاتحاد، مثل جزيئات الزئبق التي تتجمع مجدداً".

هل يمكن تصور سيناريو افتراضي يمكن فيه لبسمارك أن يعود إلى أوروبا؟

نصائح افتراضية تخيلية لأوروبا

يبدو الغوص في عمق الفكر البسماركي مدخلاً مثيراً لنصائح يمكن أن تكون أدوات إنقاذ لأوروبا المضطربة، القلقة في نهارها، والأرقة في ليلها.

 لعل الإشكالية الأولى تتمثل في الخوف من معارك طاحنة مع الروس من جديد، وسواء كانت في الواقع العملي الفعلي، أو حتى في الفضاءات السيبرانية.

 يمكن لبسمارك أن ينصح الأوروبيين بمواجهة حاسمة حازمة مع موسكو في ملفات عسكرية وسياسية، لكن مع الحرص ألا يتحول الأمر إلى قطيعة استراتيجية كهدف دائم، وهناك مسافة في واقع الحال بين هذا النسق، ومسألة تقديم تنازلات جوهرية لروسيا.

لو عاد بسمارك اليوم لربما نصح بالحوار مع بوتين نفسه، لا من موقع ضعف، بل من باب القوة الأوروبية التي لا تخشى صواريخ القيصر، وأن الحوار ليس مكافأة يجب تقديمها للخصم، بل أداة لمعرفة نياته، واختبار حدود تصرفاته، والمقدرة على بناء رؤى استشرافية لما يمكن أن يقدم عليه.

 في عمق قراءات بسمارك، نجد أثراً واضحاً لفكر المتخصص العسكري الاستراتيجي الصيني، سون تزو، وما أورده في مؤلفه الأشهر "فن الحرب"، ذلك أنه ينصح بردع روسيا لكن من دون أن يكون هذا الردع أداة لإغلاق الحصار عليه، بل بلورة رؤى وحلول تسمح له بالخروج بكرامة من أزماته، وحتى لو سمح له المشهد بأن يبدو منتصراً في الصراع.

ولأن الحرب الروسية - الأوكرانية هي حجر الزاوية في مخاوف أوروبا المعاصرة، فقد ينصح بسمارك بعدم التصعيد وإذكاء نيران المعارك، من خلال تصدير الأسلحة المتقدمة لنظام زيلينسكي، مما يمكنه من تحقيق إصابات عميقة في قلب روسيا.

مخاوف بسمارك من أن تتحول حرب أوكرانيا إلى حرب متسعة في عموم أوروبا، ليتحول المشهد تالياً إلى حرب عالمية يصعب احتواؤها إذا انطلقت.

وقد يمضي الرجل في رؤاه لأوروبا بالنصح ببناء هيكل أمني دائم، لا ترتيبات موقتة تُستدعى عند أي طارئ، وهو أمر يشاغب فكرة الرئيس الفرنسي ماكرون عن قوة عسكرية أوروبية موحدة، حتى ولو لم تكن بالضرورة جيشاً جراراً بديلاً عن تشكيلات "الناتو" العسكرية.

 وقد يقترح بسمارك على الأوروبيين مؤتمراً شبيهاً بمؤتمر برلين 1878، وذلك حين كانت أزمة البلقان قد أصبحت تهدد بإشعال مواجهة روسية - نمسوية - بريطانية أوسع بعد الحرب الروسية - العثمانية.

 دخل بسمارك المؤتمر معلناً أنه يريد أن يكون "وسيطاً أميناً"، لا صاحب مصلحة مباشرة في تقسيم البلقان.

 هنا من الواضح أن أوروبا في حاجة سريعة إلى نسق يمكنه حل المشكلات مع روسيا، وقد يكون النموذج الحديث لبسمارك المعاصر هو المخرج من أزمات طالت وتبدو في الأفق القريب مخاوف تحولها إلى مواجهة مسلحة.

كيسنجر ونظرة على بسمارك

لم يغب فكر بسمارك عن قراءات وكتابات ثعلب السياسة الأميركية المعاصر هنري كيسنجر، فقد كتب ذات مرة يقول إنه كثيراً ما يُستشهد ببسمارك كونه الواقعي المثالي، الذي يعتمد على القوة على حساب المُثل، لكنه في الواقع كان أكثر تعقيداً بكثير. فالقوة، لكي تكون مجدية، يجب فهمها في عناصرها، بما في ذلك حدودها، وبالمثل، يجب ربط المُثل، في مرحلة ما، بالظروف التي يسعى القائد إلى التأثير فيها.

هنا على أوروبا ألا تتجاهل مثل هذا التوازن، ذلك أن تجاهله يهدد السياسة إما بالانحراف نحو العدوان من جانب أنصار القوة، أو نحو حملات عسكرية من جانب المُثل.

وغالب الظن أن أوروبا اليوم لا تبحث عن ديكتاتور يوحدها بالقوة، بل عن قيادة بسماركية ملهمة موحدة قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة، وإصلاح المؤسسات الأوروبية البطيئة، وتحويل الاتحاد من سوق اقتصادي كبيرة، إلى "قوة جيوسياسية موحدة"، قادرة على مواجهة تحديات القرن الـ21.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير