ملخص
على مأدبة دولة في قلعة وندسور تحدث ملك بريطانيا بالعربية أربع مرات، خلال كلمته في تكريم سلطان عمان هيثم بن طارق، واستشهد بحديث نبوي في مدح أخلاق العمانيين وببيتين لشاعرين عمانيين. ليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها تشارلز الثالث بالعربية، فهو يتعلمها منذ أكثر من عقد. لكن المشهد أعاد السؤال القديم عن الحد بين الشغف الشخصي والتوظيف الدبلوماسي في علاقة الملك بالعالم العربي والإسلامي.
مساء أمس وقف الملك تشارلز الثالث في قاعة القديس جورج بقلعة ويندسور ليرحب بسلطان عمان، وبحسب النص الكامل للكلمة، بدأ الملك بالإنجليزية ثم انتقل إلى العربية ليرحب بضيفه بوصفه زائراً لا يمل منه، فأورد عبارات عدة بلغة الضاد في مواضع مختلفة من الكلمة.
لفتت إحدى العبارات الانتباه أكثر من غيرها، ففي معرض إشادته بأخلاق العمانيين، استشهد الملك بالحديث النبوي "لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك". والحديث وارد في "صحيح مسلم"، وقاله النبي محمد لرجل أرسله إلى قوم من العرب فشتموه وضربوه. وجاء الاستشهاد في سياق إشادة الملك بدور عمان في الخليج، إذ قال إن "أهمية هذا الدور تتجاوز مضيق هرمز وتستحق التقدير".
عند حديثه عن جمال الطبيعة العمانية استشهد الملك ببيت للشاعر العماني أبي مسلم البهلاني: "ولا برحت تلك الرياض نواضرا.. تضمخها طيب السلام النسائم". وفي ختام الكلمة أهدى السلطان بيتاً لشاعر عماني يلقب بـ"شيخ البيان"، نصه "عش في كمال مستمداً نعمة.. من ربك الوهاب لا متناهية".
تضمنت كلمة الملك إحالات أخرى إلى التراث العربي، فقد روى أنه حاول مراراً رسم مناظر عمان الطبيعية خلال زياراته، وكان السلطان يرافقه أحياناً، واستشهد بوصف الرحالة ابن بطوطة في القرن الـ14 لجمال تلك الأرض. واستعاد ذكرى السلطان الراحل قابوس بن سعيد، فوصفه بالصديق والأخ العزيز.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما وراء المأدبة
جاءت الكلمة في سياق سياسي واقتصادي أوسع، فآخر زيارة دولة لحاكم عماني إلى بريطانيا تعود لعام 1982، حين استقبلت الملكة إليزابيث الثانية السلطان قابوس. وقد أغلق مضيق هرمز فعلياً، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل في شهر فبراير (شباط) الماضي ضربات واسعة على إيران قتل فيها المرشد الأعلى، وأشعل حرباً مستمرة إلى اليوم. لذلك كان للمضيق حضور في كلمة الملك، فقد أشاد بما وصفه بالجهود النبيلة التي تبذلها عمان لإبقاء أحد أهم الممرات البحرية في العالم مفتوحاً، واعتبر أنها خدمت المجتمع الدولي كله والفئات الأكثر تضرراً خصوصاً. كما أشاد أيضاً بالتزام مسقط الدائم بدور المحاور الموثوق لدى جميع الأطراف، في وقت عاد فيه الصراع للمنطقة بصورة مؤلمة.
في اليوم التالي، أصدرت الحكومة البريطانية بياناً صحافياً أعلنت فيه استثمارات تتجاوز مليار جنيه استرليني ينتظر أن توفر وظائف وفرصاً في البلدين. وأضاف البيان أن رئيس الوزراء آندي بيرنهام استضاف السلطان في "داونينغ ستريت"، إذ كان مقرراً توقيع اتفاق لتسريع الاستثمارات المتبادلة في قطاعات من بينها الطاقة المتجددة والتقنية والمعادن الحيوية والفضاء والرعاية الصحية والخدمات المالية.
ومن بين الأرقام الواردة في البيان أن الهيئة البريطانية لتمويل الصادرات سترفع قدرتها التمويلية إلى 7 مليارات جنيه لدعم الصادرات إلى عمان، وأشار البيان إلى اتفاق متوقع مع شركة بريطانية للبنية التحتية لبناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في صلالة، تتجاوز كلفة مرحلته الأولى فقط 1.3 مليار دولار ويوفر أكثر من 100 وظيفة لأصحاب المهارات في بريطانيا. وتضمن البيان كذلك مذكرة تفاهم في الأمن البحري، وعودة برنامج منح "تشيفنينغ" الدراسية إلى عمان، على أن يبدأ استقبال الطلبات في أغسطس (آب) 2027.
ونقل البيان عن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند قوله إن العلاقات بين البلدين تمتد لنحو أربعة قرون، وإن التعاون بينهما لم يكن يوماً أكثر أهمية مما هو عليه في هذا الوقت الحرج في الشرق الأوسط.
أما السلطان هيثم فجاء رده منسجماً مع الرسالة نفسها، فقال إن عمان اختارت طريقاً مختلفاً ومستقلاً في منطقة عرفت الكثير من الصراعات. وأضاف أن الأمة الحكيمة تختار الإصغاء، وأن عمان وجدت في ذلك قوة لا توفرها الجيوش. وروى بشيء من الدعابة أنه تعرف في شبابه بين البريطانيين إلى عادتهم الوطنية في دقة المواعيد، وأعلن موافقة الأمير ويليام على أن يصبح راعياً مشاركاً لـ"الجمعية البريطانية العمانية" إلى جانب ولي العهد العماني.
سجل قديم
ليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها تشارلز بالعربية في مناسبة رسمية، ففي مأدبة الدولة التي أقامها لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في ديسمبر (كانون الأول) 2024، افتتح كلمته بتحية "السلام عليكم"، وتحدث عن قيم أخلاقية مشتركة بين القرآن والكتاب المقدس تتعلق بالسلام والعدل وإنقاذ الأرواح.
وتعود علاقة الملك تشارلز الثالث بالعربية دارساً لما قبل توليه العرش، ففي مارس (آذار) 2013، وخلال جولة شملت عمان والسعودية والأردن وقطر، كشف عن أنه يتلقى دروساً خاصة في العربية، ومازح مستمعيه بأن اللغة تدخل من أذن وتخرج من الأخرى، وأكد مساعدوه آنذاك شغفه بها واهتمامه الكبير بالمنطقة.
وفق تقرير لصحيفة "تلغراف" أمضى تشارلز ستة أشهر يدرس العربية مع معلم خاص قبل جولة شرق أوسطية عام 2015، ونقلت عن مصدر مقرب للملك أنه أراد قراءة القرآن بلغته الأصلية وفهم النقوش في المتاحف خلال زياراته المتكررة إلى المنطقة.
ويمتد الاهتمام إلى خطاب أقدم في شأن الإسلام نفسه، فالملك راع لمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية الذي تأسس عام 1985، وفي شهر أكتوبر 1993 ألقى في مسرح "شيلدونيان" محاضرته الشهيرة "الإسلام والغرب". وفي تلك المحاضرة استعان بمثل عربي مفاده بأن ما يخرج من الشفاه يبلغ الآذان، وفي جامعة الأزهر عام 2006 قال الملك إن "الغرب مدين لعلماء الإسلام الذين حفظوا كنوز المعرفة الكلاسيكية خلال العصور المظلمة في أوروبا".
ويبدو أن تحية الضيوف بلغاتهم صارت سمة ثابتة في مآدب الدولة في عهد تشارلز الثالث، ففي قصر فرساي ألقى معظم كلمته بالفرنسية. وفي مأدبة الرئيس النيجيري بولا تينوبو حيا ضيوفه بلغة اليوروبا، وعدل برنامج الزيارة مراعاة لصيام الرئيس في رمضان فألغى الغداء الرسمي المعتاد، ثم ختم كلمته بالتهنئة بعيد الفطر.
بين الشغف والدبلوماسية
تنظم زيارات الدولة في بريطانيا بطلب من الحكومة، وتأتي كلمات الملك فيها عادة منسجمة مع الأولويات الدبلوماسية للدولة. وهذا ما ظهر في وندسور، إذ تقاطع حديث الملك عن هرمز والحياد العماني مع ما تضمنه البيان الحكومي في شأن الأمن البحري والاستثمار. وحضر المأدبة بيرنهام، إلى جانب الرؤساء التنفيذيين لشركات "شل" و"بي بي" و"إيرباص".
غير أن اهتمام تشارلز بالعربية والإسلام لم يلق إجماعاً، إذ تعد مجلة "ذا يوروبيان كونسيرفاتيف" المحافظة تلقيه دروساً في العربية لفهم القرآن جزءاً مما وصفته بميله المقلق إلى الإسلام. ورأى نائب رئيس تحرير مجلة "سبايكد" البريطانية تيم بلاك أن الملك يفضل الإسلام على دين الكنيسة التي يترأسها. وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور قد علق على رغبة تشارلز في أن يكون حامياً للإيمان عموماً بأنه "سيكون من الغريب أن يحمي أدياناً لا ينتمي إليها".
لم يقدم الملك في ويندسور موقفاً عقدياً، بل استشهد بنص يعتز به أهل البلد الضيف، في سياق ثناء على شعب وسياسة خارجية، كما يفعل في مآدب أخرى مع الأدب الفرنسي أو التحيات النيجيرية. وقال بعض المدافعين عنه في الجدل النيجيري إن تحيته لرئيس مسلم يمثل بلداً يضم عدداً هائلاً من المسلمين تدخل في باب اللياقة الدبلوماسية لا التفضيل الديني، كما أن تشارلز أوضح مراراً أنه يفهم لقب "حامي الإيمان" الذي يحمله رأساً للكنيسة الإنجليزية بوصفه حماية لجميع الأديان. ويضاف إلى ذلك أن اهتمامه بالعربية سبق العرش بعقود، أي إن الأمر ليس حملة طارئة تخدم مناسبة بعينها.
زار تشارلز عمان أربع مرات رسمياً، آخرها في يناير (كانون الثاني) 2020 حين توجه إلى مسقط معزياً بوفاة السلطان قابوس. وهو اليوم يرى ابنه ويليام يتسلم جزءاً من هذه العلاقة، بعدما صار مع ولي العهد العماني راعيين مشاركين لرحلة "جوهرة العرب" الاستكشافية التي امتدت 30 يوماً عبر عمان على خطى المستكشف البريطاني برترام توماس عام 1928.
على أن السؤال الذي تتركه أمسية وندسور لا يتعلق بمدى إتقان الملك للعربية، بل بقدرة الكلمة الملكية على إنتاج ما عجزت السياسة عن إنتاجه. فالحديث الذي استشهد به تشارلز يمتدح قوماً لا يسيئون إلى من يقصدهم، وبريطانيا تراهن اليوم على أن يبقى هؤلاء القوم وسيطاً موثوقاً لدى الجميع في منطقة يزداد فيها عدد من يسيئون.