ملخص
أثارت موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قلق المستثمرين في أواخر عام 2025، عندما جمعت شركات التكنولوجيا الكبرى ما يقرب من 100 مليار دولار خلال بضعة أسابيع لتوسيع قدراتها في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
على مدى الأعوام القليلة الماضية، انخرطت أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية في سباق مكلف لتطوير أنظمة متقدمة للذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع توفير القدرات الحاسوبية لقطاع متنام من الشركات الناشئة.
ولتحقيق هذه الأهداف، أحدثت هذه الشركات تغييراً جذرياً في أساليب تمويل نموها، فبعد اعتمادها لأعوام طويلة على إيراداتها الضخمة وارتفاع أسعار أسهمها، باتت شركة "ألفابت"، المالكة لـ"غوغل"، و"ميتا بلاتفورمز" وغيرهما من عمالقة التكنولوجيا تلجأ إلى الاقتراض بكثافة لبناء التكنولوجيا التي تشغل روبوتات الدردشة.
وتشمل أحدث الصفقات المحتملة شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك، التي ركزت بصورة متزايدة على قطاعات الذكاء الاصطناعي ضمن أعمالها، ففي أوائل أكتوبر (تشرين الأول) أجرت "سبيس إكس"، المالكة لشركة "إكس إيه آي" المشغلة لروبوت الدردشة "غروك" ومنصة التواصل الاجتماعي "إكس" تجري محادثات مع بنوك ومستثمرين لاقتراض 40 مليار دولار لشراء رقائق من شركة "إنفيديا".
وتأتي الموجة الأحدث من الاهتمام بالاقتراض عقب موجة من إصدارات الديون في وقت سابق من العام الحالي، ففي مارس (آذار( أصدرت شركة "أمازون دوت كوم" سندات في أوروبا للمرة الأولى، وجمعت 14.5 مليار يورو، أي ما يعادل16.2 مليار دولار.
واقترضت شركة التجزئة العملاقة أكثر من 60 مليار دولار في سوق السندات الأميركية، ثم أصدرت في سبتمبر )أيلول( سندات بقيمة 4.25 مليار جنيه استرليني، أي ما يعادل5.62 مليار دولار، في المملكة المتحدة.
وفي الـ30 من أبريل )نيسان)، أصدرت شركة "ميتا"، المالكة لـ"فيسبوك"، سندات من الدرجة الاستثمارية بقيمة 25 مليار دولار لتمويل التوسع في بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي.
كيف غير الذكاء الاصطناعي الممارسات المالية لشركات التكنولوجيا؟
على مدى أعوام طويلة، اعتمدت شركات التكنولوجيا التي نشأت خلال طفرة الإنترنت على إعادة استثمار أرباحها الضخمة في أنشطتها لتوسيع أعمالها، كما أصدرت هذه الشركات سندات، لكن دورها ظل محدوداً نسبياً في جمع رأس المال وتوظيفه.
غير أنه اعتباراً من أواخر عام 2025، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى إصدار ديون بعشرات المليارات من الدولارات، في سباق محموم لتسريع الاستثمار في القدرات اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، جمعت شركات ناشئة مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" مليارات الدولارات من مستثمري رأس المال الجريء.
وأعلنت أربع من أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية أنها تحتاج، خلال العام الحالي وحده، إلى إنفاق 745 مليار دولار مجتمعة على مراكز البيانات ومعدات الشبكات وغيرها من البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، من أجل تحقيق طموحاتها في هذا المجال.
كيف تخطط شركات التكنولوجيا لإنفاق هذه الأموال؟
يوجه الجزء الأكبر من الأموال التي توظفها شركات التكنولوجيا، سواء من خلال الاقتراض أو إصدار الأسهم، إلى المعدات والخدمات والعقارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وأعلنت "ألفابت" أن إنفاقها على البنية التحتية التقنية خلال عام 2026 سيبلغ ما بين 180 ملياراً و190 مليار دولار، أي ضعف مستواه في العام السابق، وتتوقع الشركة ارتفاع هذا الرقم في عام 2027.
وتعد شركة "أوراكل" مثالاً بارزاً على حجم النفقات المرتبطة بمراكز البيانات، إذ تعمل شركة قواعد البيانات العملاقة على جمع التمويل من خلال إصدار ديون الشركات والحصول على قروض مخصصة لمشاريع بعينها، لتمويل تطوير مراكز البيانات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
وإلى جانب الاستحواذ على العقارات وبناء مراكز البيانات، تحتاج هذه الشركات إلى تزويد منشآتها برقائق باهظة الثمن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.
وفي كثير من الأحيان، تنشئ الشركات كيانات ذات أغراض خاصة، وهي كيانات منفصلة تؤسس لتحقيق أهداف مالية محددة، بما في ذلك شراء المعدات التقنية. وتتيح هذه الهياكل إبقاء الديون خارج الموازنة العمومية للشركة الأم، مما يساعد في حمايتها من التخفيضات المحتملة في تصنيفاتها الائتمانية.
وفي أواخر عام 2025، كانت شركة "إكس إيه آي" التابعة لإيلون ماسك تجري محادثات لجمع ما يصل إلى 20 مليار دولار من خلال كيانات خارج الموازنة العمومية، تتولى شراء الرقائق ثم تأجيرها للشركة.
وأبرمت "إكس إيه آي" صفقات مع شركة "أبولو" وجهات أخرى، شملت تمويلاً بقيمة 7 مليارات دولار يتيح لها الوصول إلى رقائق "إنفيديا".
وهناك بندان آخران من النفقات يزيدان من حدة السباق نحو الصدارة، هما كلفة الطاقة واستقطاب الكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
في أواخر عام 2025، استحوذت "ألفابت" على شركة متخصصة في تطوير الطاقة النظيفة لتوفير الكهرباء اللازمة لمراكز بياناتها، في وقت تواجه فيه شبكة الكهرباء الأميركية صعوبات في تلبية الطلب الذي تفرضه هذه المشاريع.
لماذا تلجأ الشركات إلى الاقتراض؟
تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى ضغوطاً هائلة لتوسيع مراكز البيانات اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويمكن لشركات مثل "ميتا" و"ألفابت" وغيرها من عمالقة القطاع استخدام السيولة المتوافرة لديها، لتمويل بناء مراكز البيانات.
وتوفر لها أنشطة الإعلانات تدفقات نقدية كافية تتيح لها الاقتراض بشروط مريحة نسبياً، مع إعادة استثمار جزء من إيراداتها في الذكاء الاصطناعي.
على سبيل المثال، حققت "غوغل" إيرادات تجاوزت 119 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2026، ومع ذلك يظل الاقتراض خياراً جذاباً، خصوصاً في وقت تتنافس فيه مؤسسات "وول ستريت" على إقراض هذه الشركات، كما تزيد الكيانات ذات الأغراض الخاصة، التي تتيح إبقاء الديون خارج الموازنات العمومية، من جاذبية هذا الخيار.
وبدلاً من الاقتراض، جمعت شركات غير مدرجة في البورصة، مثل "أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي"، مليارات الدولارات من خلال بيع حصص في ملكيتها، واستخدمت هذه الأموال لتلبية احتياجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا الخيار له حدود، إذ يؤدي تكرار إصدار الأسهم وبيع الحصص إلى تخفيف ملكية المساهمين الحاليين وتقليص حصصهم النسبية في الشركات.
ومع ذلك، وسعت "أنثروبيك" خلال العام الحالي تسهيلاً ائتمانياً متجدداً قائماً، وهو نوع من القروض، إلى 15 مليار دولار، استعداداً لطرحها العام الأولي المخطط له.
ورفعت "أوبن إيه آي" قيمة تسهيل ائتماني متجدد قائم لديها إلى أكثر من 5 مليارات دولار
إلى أي مدى يعد هذا المستوى من الاقتراض غير مسبوق؟
أثارت موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قلق المستثمرين في أواخر عام 2025، عندما جمعت شركات التكنولوجيا الكبرى ما يقرب من 100 مليار دولار خلال بضعة أسابيع لتوسيع قدراتها في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
وجاءت هذه الطفرة عقب صفقة تمويل بقيمة تقارب 30 مليار دولار مرتبطة ببناء مركز بيانات تابع لشركة "ميتا" في ولاية لويزيانا، وهي معاملة سلطت الضوء على حجم رأس المال اللازم لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التنوع المتزايد في الهياكل التمويلية التي تستخدمها الشركات.
وجرى جمع التمويل في تلك الصفقة من خلال كيان ذي غرض خاص، على أن تجرى إعادة الأموال للمقرضين عبر عقد إيجار طويل الأجل مع "ميتا".
وأظهرت هذه الهيكلة كيف يمكن لمشغلي مراكز البيانات إصدار سندات تقليدية، وفي الوقت نفسه جمع مبالغ ضخمة من المقرضين، من دون إضافة قدر كبير من الديون إلى موازناتهم العمومية أو تعريض تصنيفاتهم الائتمانية للخطر.
ومنذ ذلك الحين، شهدت إصدارات الديون قفزة كبيرة، وبلغت قيمة إصدارات الديون العالمية المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي نحو 450 مليار دولار حتى الآن في 2026.
ويشمل هذا الرقم إصدارات السندات المرتبطة بمراكز البيانات ورقائق الحاسوب، إلى جانب إصدارات سندات الشركات التي طرحتها كبرى شركات التكنولوجيا.
أدى المعروض المتزايد من الديون الجديدة، إلى جانب التوقعات بارتفاع الاحتياجات التمويلية خلال العام المقبل، إلى زيادة حذر المستثمرين إزاء المشاركة في بعض هذه الصفقات.
وفي مؤشر على حجم الطلب على رأس المال، أصدرت "ألفابت" في أوائل عام 2026 سندات نادرة لأجل 100 عام، في صفقة من هذا النوع لم تنفذها أية شركة تكنولوجيا منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، واستهدفت هذه الخطوة الاستفادة من طلب المستثمرين طويلي الأجل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد.
وتتميز موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أيضاً بسرعة حدوثها وضخامة حجمها وطبيعة الشركات المقترضة، فقد ارتبطت طفرات الديون على مستوى الشركات تاريخياً بفقاعات المضاربة، مثل طفرة الاستحواذات الممولة بالديون في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أصدرت سندات مرتفعة الأخطار لتمويل موجة من عمليات الاستحواذ العدوانية على الشركات.
لكن الإصدارات الأخيرة تختلف من حيث إنها جاءت من بعض الشركات الأكثر ربحية والأعلى تصنيفاً ائتمانياً في العالم، التي تمتلك احتياطات نقدية ضخمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جمعت مئات المليارات من الدولارات خلال فترات زمنية قصيرة، فيما يتواصل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على رغم ارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يعكس شدة المنافسة والحاجة الملحة إلى تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وقد عقد بعض المشاركين في الأسواق مقارنات بين هذه الطفرة وموجات التوسع السابقة في البنية التحتية، مثل التوسع في مد شبكات الألياف الضوئية خلال عصر فقاعة شركات الإنترنت، عندما اقترضت شركات الاتصالات بكثافة لبناء قدرات شبكية جديدة.
لكن ثمة اختلافات جوهرية بين المرحلتين، فكبرى الشركات المصدرة للديون اليوم تتمتع بمستويات أعلى بكثير من الربحية وتنوع أكبر في أنشطتها، مقارنة بعديد من شركات الاتصالات في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وعلى رغم الارتفاع الأخير، يتوقع أن يظل التمويل بالدين حصة صغيرة نسبياً من إجمال الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لدى معظم شركات التكنولوجيا الكبرى.
ويقدر المحللون أن ما يراوح ما بين 80 و90 في المئة من النفقات الرأسمالية المخطط لها لدى هذه الشركات سيمول من التدفقات النقدية التشغيلية.
ويتوقع أن تحافظ الشركات الكبرى المشغلة لمراكز البيانات على مستويات منخفضة من إجمال الديون مقارنة بأرباحها السنوية، على رغم الزيادة الأخيرة في الاقتراض.
ومع ذلك، فإن الحجم الهائل للتمويل ينطوي على تداعيات مهمة، فقد يؤدي ارتفاع الاقتراض إلى تغيير الهياكل المالية للشركات، بما يؤثر في تصنيفاتها الائتمانية وقدرتها على الحصول على التمويل بكلفة منخفضة.
على سبيل المثال، خفضت وكالة "أس أند بي غلوبال ريتينغز" في يوليو (تموز) تصنيف شركة "أوراكل" درجة واحدة، مشيرة إلى تنامي إنفاق الشركة على الذكاء الاصطناعي.
وخارج قطاع التكنولوجيا، قد تؤدي الإصدارات الضخمة من الديون أيضاً إلى إعادة تشكيل أسواق الائتمان، من خلال استقطاب طلب المستثمرين الذي كان من الممكن أن يتجه إلى قطاعات أخرى.
وقد يرفع ذلك كلفة الاقتراض على الشركات الأخرى، بالتزامن مع زيادة انكشاف المقرضين على قطاع لا تزال العوائد طويلة الأجل لاستثماراته في الذكاء الاصطناعي قيد الاختبار والإثبات.
ماذا قد يحدث إذا لم تحقق طفرة الذكاء الاصطناعي المرجوة؟
إذا لم ترق طفرة الذكاء الاصطناعي إلى مستوى التوقعات، فقد تجد شركات التكنولوجيا الكبرى التي أنفقت بكثافة على مراكز البيانات والرقائق والطاقة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي نفسها أمام قدرات فائضة ومعدات تتقادم بسرعة.
وسيكون ذلك شبيهاً بما حدث خلال فقاعة شركات الإنترنت، عندما أنشأت شركات الاتصالات قدرات شبكية تفوق احتياجات العملاء الفعلية.
تحقيق أرباح أقل من المتوقع سيضغط على التدفقات النقدية للشركات، وقد يجبرها على خفض استثماراتها أو الاقتراض بمبالغ إضافية، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف أوضاعها المالية.
وهناك أيضاً أخطار أوسع نطاقاً على الأسواق، فقد ضخ المستثمرون أموالاً في ديون شركات التكنولوجيا وأسهمها، مراهنين على النمو الذي سيقوده الذكاء الاصطناعي، وإذا تراجعت هذه التوقعات المتفائلة، فقد تهبط أسعار الأسهم ويتكبد المقرضون خسائر كبيرة.