ملخص
يواجه قطاع الإسكان في إيران أزمة متفاقمة، مع تضاعف تكاليف البناء وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مما أدى إلى ركود السوق وانخفاض تراخيص البناء وتعثر المشاريع السكنية. وفي ظل ارتفاع تكاليف المواد والعمالة وتزايد صعوبة استرداد رؤوس الأموال، يتجه عدد من المستثمرين والمطورين العقاريين نحو الأسواق الخارجية، بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً وجدوى اقتصادية.
أدى الارتفاع الحاد في تكاليف بناء المساكن، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ليس فقط إلى انخفاض وتيرة البناء، بل دفع أيضاً شركات البناء والمطورين العقاريين إلى التوجه نحو الأسواق الخارجية في المنطقة.
وحذر رئيس مجلس إدارة جمعية شركات البناء والتشييد الكبرى في محافظة طهران، رامين غوران، من خروج رؤوس الأموال والكوادر البشرية من قطاع البناء. وفي معرض وصفه للأوضاع الراهنة في السوق، قال غوران، "عندما يدرك المستثمر والمطور العقاري أن النشاط الاقتصادي في إيران لم يعد مجدياً، فإنه ينقل رؤوس أمواله والكوادر البشرية إلى خارج البلاد". وأوضح أن "الحاجة إلى المساكن ووجود الطلب عليها لا يزالان قائمين، غير أن القدرة المالية للمشترين لا تكفي لإتمام عمليات الشراء".
ويعكس هذا التحذير صورة واضحة لأوضاع قطاع بناء المساكن في ظل ضغطين متزامنين، يتمثلان في ارتفاع تكاليف تنفيذ المشاريع وضعف الطلب الفعلي وركود السوق. إذ يجد المطور العقاري نفسه مضطراً إلى تأمين مواد البناء والخدمات بالأسعار الجديدة، في حين تعجز الأسر عن زيادة ميزانياتها المخصصة لشراء المساكن بالوتيرة نفسها. وتؤدي هذه المعادلة إلى إطالة أمد بيع الوحدات السكنية، وتجميد رؤوس الأموال، وتراجع الحوافز لبناء مساكن جديدة، مما يجعل الأسواق الخارجية خياراً جدياً أمام شريحة من العاملين في هذا القطاع.
ومع ذلك، فإن نشاط الشركات الإيرانية في الخارج لا يعني بالضرورة خروج رؤوس الأموال من البلاد. ويميز غوران بين تصدير الخدمات الفنية والهندسية ونقل رؤوس الأموال إلى الخارج. وتبرز المخاوف الأساسية عندما تبدأ الموارد والإمكانات التنفيذية بالابتعاد عن قطاع إنتاج المساكن داخل إيران، نتيجة عدم ملاءمة الظروف المحلية.
تضخم تكاليف البناء.. تقديرات تفقد جدواها قبل اكتمال المشاريع
يكشف تقرير مركز الإحصاء الإيراني في شأن مؤشر أسعار مدخلات بناء المساكن في طهران حجم الضغوط الناجمة عن ارتفاع التكاليف على قطاع البناء والتشييد. ففي شتاء عام 2025، بلغ معدل التضخم على أساس سنوي، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق،96.8 في المئة، فيما سجل التضخم الفصلي36 في المئة، وبلغ معدل التضخم السنوي61.8 في المئة. وفي ربيع عام 2026، ارتفع المؤشر إلى336.4 نقطة، مسجلاً زيادة بنسبة106.8 في المئة مقارنة بربيع العام السابق، و20.7 في المئة مقارنة بالشتاء، فيما بلغ معدل ارتفاع متوسط الفصول الأربعة مقارنة بالفترة المماثلة السابقة80 في المئة.
وتؤكد تقديرات العاملين في القطاع الارتفاع الحاد في تكاليف تنفيذ المشاريع. ففي أغسطس (آب) الماضي، أعلن رئيس الجمعية النقابية لمطوري العقارات والمقاولين في طهران، إيرج رهبر أن تكلفة بناء المتر المربع الواحد، في الحد الأدنى من ظروف البناء، بلغت 55 مليون تومان (نحو 211 دولاراً)، وترتفع في بعض المشاريع إلى ما بين 60 و70 مليون تومان (ما بين 230 و270 دولاراً).
وكانت تقديراته الواردة في تقارير عام 2025 تشير إلى أن الحد الأدنى لتكلفة البناء بمستوى مقبول تراوح ما بين 25 و30 مليون تومان (حوالى 110 دولارات) للمتر المربع. وتظهر المقارنة الحسابية ارتفاعاً يراوح ما بين نحو 83 و120 في المئة.
وكانت رسالة صادرة عن جمعية المهندسين الاستشاريين المعماريين ومخططي المدن عام 2023 قد قدرت تكلفة بناء المتر المربع الواحد بما يراوح ما بين 12 و22 مليون تومان (232 و425 دولاراً). أما في إطار زمني يمتد لخمس سنوات، واستناداً إلى تعميم صادر عن منظمة النظام الهندسي في عام 2021، فقد قُدرت التكلفة بنحو 2.3 و4.6 مليون تومان (87 و174 دولاراً) للمتر المربع.
ويبدو الفارق بين هذه الأرقام والتقديرات الحالية كبيراً، بما يعكس الأخطار المرتفعة المرتبطة بالشروع في مشاريع البناء والتشييد. ففي ظل هذه الظروف، لا يقتصر الأمر على استحالة احتساب التكاليف حتى اكتمال المشروع وضمان هامش الربح المتوقع، بل إن تراجع الطلب في السوق يجعل حتى احتمالات استرداد رأس المال غامضة وغير مؤكدة.
ولا تقتصر مشكلة المطور العقاري على مستوى الأسعار وحده. فالمبنى الذي جرى تأمين تمويله استناداً إلى التكاليف المقدرة عند بدء العمل، قد يواجه عجزاً في الميزانية عند مرحلة شراء المعدات أو الانتقال إلى أعمال التشطيبات النهائية. وإذا كانت عمليات البيع أو البيع على الخريطة تسير بوتيرة بطيئة، فإن سد هذه الفجوة يصبح أكثر صعوبة. وفي مثل هذه الظروف، يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تباطؤ وتيرة التنفيذ وإطالة مدة تسليم المشاريع، وهو تأخير يترتب عليه أيضاً تكاليف إضافية.
ارتفاع أجور العمالة وتراجع القدرة الشرائية وانخفاض تراخيص البناء
تشكل العمالة عنصراً آخر في ارتفاع تكاليف البناء. ووفقاً لتصريحات إيرج رهبر في الـ13 من أغسطس (آب) الماضي، ارتفع الأجر اليومي للعامل غير الماهر من 1.2 إلى 1.5 مليون تومان (نحو 4.62 إلى 5.77 دولار) قبل الحرب، إلى 2.5 مليون تومان (نحو 9.62 دولار)، أي بزيادة تراوحت ما بين 67 و108 في المئة. كما أشار إلى أن الأجر اليومي للعمالة الفنية المتخصصة بلغ ما بين 4 و4.5 مليون تومان (15.38 و17.31 دولار).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعكس هذه الأرقام تقديرات أحد ممثلي القطاع المهني لأوضاع السوق. ويؤدي ارتفاع تكاليف العمالة الفنية المتخصصة إلى زيادة صعوبة تأمين التمويل اللازم لمراحل استكمال المشاريع. غير أن ارتفاع الأجور اليومية لا يعني بالضرورة تحسن الدخل السنوي للعمال، إذ إن تراجع عدد أيام العمل في سوق تعاني الركود قد يبدد جزءاً من هذه الزيادة.
ويظهر تراجع النشاط أيضاً في إحصاءات تراخيص البناء. ففي ربيع عام 2025، أصدرت البلديات في أنحاء البلاد 29 ألفاً و295 ترخيصاً لبناء منشآت جديدة، بانخفاض نسبته2.7 في المئة مقارنة بربيع العام السابق. وفي صيف العام نفسه، تراجع عدد التراخيص إلى 22 ألفاً و414 ترخيصاً، بانخفاض بلغ 32.2 في المئة مقارنة بصيف عام 2024. كما بلغ عدد الوحدات السكنية المخطط إنشاؤها بموجب هذه التراخيص 82 ألفاً و199 وحدة، أي أقل بنسبة 27.9 في المئة مقارنة بصيف العام السابق، وهو ما يشكل مؤشراً واضحاً إلى تفاقم الركود في سوق بناء المساكن.
وفي طهران، شهد صيف عام 2025 إصدار1482 ترخيص بناء، شملت خططاً لإنشاء 13 ألفاً و152 وحدة سكنية، في تراجع ملحوظ مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وبلغت نسبة الانخفاض 25.4 في المئة في عدد التراخيص، و11.1 في المئة في عدد الوحدات السكنية.
رؤوس أموال تتعطل في الداخل وتبحث عن الاستقرار في الخارج
بالنسبة إلى المستثمر، لا تقل القدرة على التنبؤ بالتكاليف والمدة اللازمة لاسترداد رأس المال أهمية عن الأرباح الإسمية. فعندما تكون أسعار شراء مواد البناء، والمدة اللازمة للحصول على التراخيص، ومواعيد البيع غير واضحة، تصبح عملية احتساب العائد المتوقع من المشروع أكثر صعوبة. وحتى ارتفاع أسعار البيع لا يضمن تحقيق الأرباح، إذ قد ترتفع تكاليف استكمال المشروع ومدة تجميد رأس المال بوتيرة أسرع. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التوجه نحو الأسواق الخارجية محاولة للحد من حالة عدم اليقين.
وفي طهران، تشير تصريحات العاملين في قطاع الإسكان إلى تزايد صعوبة إطلاق مشاريع جديدة، والتركيز بدلاً من ذلك على استكمال المباني غير المنجزة. وأوضح العاملون في سوق الإسكان أن أولوية شركات البناء باتت تتمثل في الوفاء بالتزاماتها القائمة وإنجاز المشاريع الحالية، تجنباً لمزيد من الارتفاع في تكاليف استكمالها نتيجة التضخم. ويعكس هذا التحذير حجم الضغوط التي تواجه المشاريع الجارية، على الرغم من أن المصادر التي جرت مراجعتها لم تقدم إحصاءات شاملة وقابلة للمقارنة في شأن المباني التابعة للقطاع الخاص التي توقف العمل فيها في طهران.
وفي شمال البلاد، تظهر أيضاً مؤشرات إلى تعثر رؤوس الأموال، وإن كانت أسباب توقف المشاريع ومراحل تعثرها تختلف من حالة إلى أخرى. وقال رئيس جمعية صناعة البناء، بيجمان جوزي، في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، إن البت في الملفات المتعلقة بالمشاريع في شمال البلاد، لا سيما في محافظة مازندران، قد يستغرق أشهراً أو سنوات لدى الجهات المركزية. وأوضح أن تغير الأسعار خلال هذه الفترة يفقد المشاريع جدواها الاقتصادية.
ويؤدي توقف المشاريع لفترات طويلة إلى استنزاف الموارد من جانبين. إذ يعجز المطور العقاري عن استرداد رأس ماله، فيما لا يتمكن المشتري من الحصول على مسكنه. ومن النتائج المحتملة لهذا الوضع تراجع المعروض السكني مستقبلاً، واستمرار الضغوط على الأسر التي تجد نفسها مضطرة إلى البقاء في سوق الإيجارات. كما أن خروج القدرات التنفيذية من القطاع سيجعل إعادة بناء هذه القدرات أكثر صعوبة.
وتتوقف عودة رؤوس الأموال إلى سوق البناء والتشييد على إمكانية التنبؤ بالجدوى الاقتصادية للمشاريع، من خلال تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في التكاليف، ووضع جداول زمنية واضحة لإصدار التراخيص، وتوفير تمويل يتناسب مع احتياجات المشاريع، وبناء مساكن يستطيع المشترون تحمل تكاليف شرائها.
وما لم تتكامل هذه العناصر، فإن الحاجة الواسعة إلى المساكن لن تكون وحدها كافية لضمان استمرار نشاط شركات البناء. فالمطور العقاري يحتاج، لمواصلة عمله، إلى سوق تفضي فيها عمليات البناء إلى البيع واسترداد رأس المال، وتتيح له وضع تقديرات واضحة وخالية من الأخطار قبل الشروع في أي مشروع جديد.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"