Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا ترحب بالعودة البريطانية وتتوجس منها

احتفاء بانفتاح بيرنهام على العضوية وتذكير بأن الاتحاد الذي غادرته لندن لم يعد كما كان

المملكة المتحدة انفصلت عن الاتحاد الأوروبي في عام 2020 (غيتي) 

ملخص

فتح رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام باب العودة للاتحاد الأوروبي، حين أدرج العضوية الكاملة ضمن الخيارات المطروحة، فجاءه الترحيب سريعاً من باريس ومدريد وبرلين، غير أن خلف عبارات الترحيب شروطاً صارمة يرددها الدبلوماسيون في بروكسل: لا استثناءات جديدة، ولا خصم على الموازنة، ولا انتقاء من بنود العضوية، مع كلفة إضافية تقدر بأكثر من 6.6 مليار دولار سنوياً لإلغاء الخصم وحده، ويزيد المشهد تعقيداً تلويح اليمين الفرنسي، المرشح للفوز بالرئاسة عام 2027، بتعطيل أي عودة لا تمر عبر استفتاء جديد، أما الاختبار الأول فهو قمة نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وما سيقدمه بيرنهام فيها.

خلال مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، في مدريد نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، ترك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لغته الأم لثوان ليقول بالإنجليزية "مرحباً بعودتكم"، وكان يرد على سؤال حول ما قاله آندي بيرنهام قبل يوم واحد أمام المؤتمر السنوي لحزب "العمال"، حين وصف الخروج من الاتحاد بأنه ألحق بالبلاد ضرراً يفوق نفعه، وتعهد بعرض خيارات العلاقة مع التكتل، وفي مقابلة لاحقة مع "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، عدّد بيرنهام هذه الخيارات، ومنها البقاء على الوضع القائم، أو الاتحاد الجمركي، أو العودة للسوق الموحدة، أو العضوية الكاملة.

ووفق ماكرون فإن عودة البريطانيين، إن أرادوها واتجه رئيس الوزراء نحوها، ستكون "خبراً ساراً جداً" لبلادهم والأوروبيين، أما سانشيز فقال إن إسبانيا سوف تصفق لأي طلب بريطاني و"تفتح ذراعيها مجدداً لشعب شقيق"، وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، فقد كسر بيرنهام بذلك مُحرماً لم يقترب منه رئيس وزراء بريطاني قبله، وأعاد فتح جدل "بريكست" المثير للانقسام.

ولم تكن باريس ومدريد وحدهما، ففي الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وخلال أول زيارة لبيرنهام إلى برلين لتبادل وثائق المصادقة على "معاهدة كنسينغتون"، قال المستشار الألماني فريدريش ميرز إنه "سعيد شخصياً للغاية" بإعادة طرح مستقبل العلاقة، متعهداً بأن تفعل ألمانيا كل ما تستطيع لتقريب المملكة المتحدة "أكثر فأكثر" من الاتحاد الأوروبي، وقبل ذلك قال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لـ "بي بي سي"، إن القرار للبريطانيين، لكن بوسعهم العودة "في أي وقت"، وربط ليسكور العودة بملف الخلاف على قواعد "صنع في أوروبا"، قائلاً لبريطانيا إن عودتها ستضعها إلى طاولة التفاوض حول هذه القواعد.

في المقابل، جاءت نبرة المؤسسات الأوروبية أكثر برودة، فقد اكتفى المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، بالاز أويفاري، بالقول إن تحديد مسار العلاقة شأن يعود للحكومة البريطانية، وإن بروكسل منفتحة على مناقشة الخيارات التي ستطرحها، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أوروبي أن الموقف البريطاني الجديد "إيجابي ويحسن النبرة"، غير أنه حذّر من أن بروكسل لن تقدم تنازلات من دون "تقدم ملموس"، ولا سيما في برنامج تنقل الشباب.

ويتجاوز الحذر الأوروبي حدود الصياغة الدبلوماسية، فبحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، استند إلى مصادر مطلعة، فإن ثمة قلقاً متواصلاً في بروكسل من تقلّب المواقف البريطانية في ظل تعاقب رؤساء الوزراء، فيما تعيد العودة فتح ملف الاستثناءات والصفقات السابقة التي قد لا تكون متاحة، وبعد التعامل مع ستة رؤساء وزراء خلال عقد واحد، بات الدبلوماسيون في بروكسل يتحفظون على الوعود الكبيرة، كما أشارت مقالة في مجلة "سبكتاتور" إلى أن برلين فوجئت بعض الشيء بصراحة بيرنهام حول العودة، على رغم حرارة الترحيب العلني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الترحيب الأوروبي، عند تفكيكه، لا يعني باباً مفتوحاً بلا شروط، فماكرون نفسه، بحسب موقع "كونيكسيون"، ربط دعمه بألا تنتقي بريطانيا من بنود العضوية ما يناسبها، وفي يونيو (حزيران) الماضي، تحدثت وكالة الصحافة الفرنسية إلى ستة دبلوماسيين أوروبيين، أكدوا جميعاً استعداد بلدانهم مبدئيا لإعادة بريطانيا، لكنهم اشترطوا أن تثبت التزامها بأعباء العضوية، وقال أحدهم إن البريطانيين "ليسوا مستعدين بعد ذهنياً لتحمل أعباء العضوية"، فيما ذهب آخر أبعد من ذلك بالقول إن التكتل لن يضطر للالتفاف على الاستثناءات في كل ملف.

وتكشف هذه المواقف مفارقة جوهرية، فالاتحاد الذي غادرته بريطانيا عام 2020 لم يعد هو نفسه، وقال الباحث في مؤسسة "تشاتام هاوس"، سيباستيان مايار، إن المملكة المتحدة لا تدرك تماماً حجم التغير الذي شهده الاتحاد خلال الأعوام الـ 10 الماضية، مشيراً إلى "تبني التكتل سياسات الاستقلال الإستراتيجي والأفضلية الأوروبية والاقتراض المشترك"، التي دفعت بها باريس، وكان يصعب تمريرها بوجود لندن.

أما الكلفة المالية فتبدو معروفة الملامح، وبحسب "بلومبيرغ"، فقد أبلغ مسؤولون أوروبيون محاورين بريطانيين سابقين بأن العودة تتطلب إعادة التفاوض على الخصم الذي انتزعته مارغريت تاتشر، بما قد يعني كلفة إضافية بنحو 5 مليارات جنيه إسترليني (6.6 مليار دولار) سنوياً، وأضاف المصدر نفسه أنه لا يتوقع إصرار الاتحاد على انضمام بريطانيا إلى منطقة "شينغن" أو تبنيها اليورو، لكن حرية تنقل الأشخاص ستكون غير قابلة للتفاوض، ويشار هنا إلى أن معاهدات الاتحاد تُلزم الأعضاء الجدد مبدئياً بتبني العملة الموحدة، وإن كانت تجربة السويد تظهر إمكان تأجيل ذلك عملياً من دون سقف زمني.

وللعودة ثمن آخر في السياسة التجارية، فقد نبّه مساعد سابق في حكومة حزب "العمال" إلى أن العضوية أو الاتحاد الجمركي يعنيان إلغاء اتفاقات التجارة الحرة الموقعة بعد "بريكست"، وأبرزها الاتفاق مع الهند، ومن الناحية القانونية فإن أية عضوية جديدة تمرّ عبر المادة (49) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وتتطلب موافقة الدول الـ27 بالإجماع، وهو ما يمنح كل عاصمة حق تعطيل الطلب، وهنا يبرز العامل الفرنسي بوجه مختلف عن وجه ماكرون، ففي مايو (أيار) الماضي، قال رئيس حزب "التجمع الوطني"، جوردان بارديلا، لصحيفة "التلغراف"، إن عودة بريطانيا من دون استفتاء ستكون "إنكاراً للديمقراطية"، لأن الشعب عبّر عن إرادته بالاستفتاء على الخروج، وأكد المستشار الاقتصادي لبارديلا، شارل هنري غالوا، أن "الحزب سيعارض العودة من دون استفتاء، ولا سيما أنه يرفض أي توسيع للاتحاد من حيث المبدأ"، وفيما تُجرى الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل (نيسان) 2027، فإن بارديلا يعد المرشح الأوفر حظاً.

 

ولا تنفصل الشكوك الأوروبية عن سوابق المسار نفسه، فإعادة ضبط العلاقات التي أطلقها رئيس الوزراء السابق كير ستارمر تعثرت في أكثر من محطة، إذ انهارت محادثات انضمام لندن إلى "برنامج القروض الدفاعية" الأوروبي البالغة قيمته 150 مليار يورو العام الماضي (167 مليار دولار)، وقوبل مقترح بريطاني بالانضمام إلى السوق الموحدة للسلع من دون حرية تنقل رأس المال والخدمات والأشخاص، برفض سريع في بروكسل، إذ تصرّ الغالبية على الحزمة كاملة أو لا شيء، وقد أبلغت المفوضية الدول الأعضاء بأن بريطانيا لا يحق لها المشاركة في لجان تنظيمية، فيما عارضت دول عدة منحها أي دور في صنع القرار.

وبين الترحيب والتشكيك، يبقى سقف بيرنهام نفسه محدوداً حتى الآن، فهو ملزم ببرنامج ستارمر الانتخابي لعام 2024، الذي استبعد الاتحاد الجمركي والعودة للسوق الموحدة وحرية التنقل، وحين سئل في سبتمبر الماضي عن إمكان إدراج العودة في البرنامج الانتخابي المقبل، قال إنها مسألة "ليوم آخر"، وإن تركيزه منصب على القمة البريطانية الأوروبية، وهذه القمة التي أرجئت من يوليو (تموز) بعد استقالة ستارمر، قد تقام في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بينما يتعين انتظار الانتخابات العامة المقرر إجراؤها بحلول منتصف عام 2029 لأية خطوة رسمية.

وفي الشارع البريطاني تميل الأرقام إلى العودة من دون حسم، فقد أظهر استطلاع لمؤسسة "سيرفيشن" في يونيو الماضي، أن 55 في المئة من الناخبين سيختارون العودة إذا أُعيد الاستفتاء، وفي استطلاع أجرته مجموعة "ميسينا" لصحيفة "الغارديان" في سبتمبر الماضي، أيّد 49 في المئة العودة في مقابل 28.5 في المئة عارضوها.

وبعد مؤتمره الأخير، رفع استطلاع لمؤسسة "أوبينيوم" حزب "العمال" نقطتين إلى 30 في المئة، متقدماً على "ريفورم"، فيما رأى 54 في المئة أن بيرنهام يتبع النهج الصحيح بدرس كل الخيارات، وفي المقابل تحذّر أصوات من الفجوة بين التأييد المبدئي والاستعداد الفعلي، إذ يرى الكاتب في صحيفة "ذا سكوتسمان"، براين مونتيث، أن كثيراً من الناخبين ينجذبون إلى فكرة التقارب مع الاتحاد، لكنهم يتراجعون حين يسألون عن تفاصيل العضوية.

وعلى الضفة السياسية، اتهم نائب زعيم "ريفورم"، ريتشارد تايس، بيرنهام بمحاولة إعادة البلاد لبروكسل "من الباب الخلفي"، فيما اتهمه نائب زعيم حزب "المحافظين" أليكس بورغارت بالنظر إلى الوراء.

وأمام بيرنهام فرصة للتدرج بالعودة للاتحاد من خلال إنجاز ما بقي من حزمة ستارمر، وهي ربط سوقي الكربون، واتفاق الغذاء والزراعة، وبرنامج تنقل الشباب، وهو بهذا يبني الثقة التي تفتقدها بروكسل بأقل كلفة سياسية داخلية، أما إذا تجرأ باتجاه القفز إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، استجابة لضغوط داخل الحزب، عبّرت عنها النائبة العمالية، ستيلا كريسي، عندما دعت إلى رفع الخطوط الحمر الواردة في برنامج عام 2024، فهذه خطوة كبيرة تنطوي على مغامرة ربما تنعكس سلباً إذا استغلها خصوم يتقنون اللعبة.

وبالنسبة إلى التعهد في البرنامج الانتخابي المقبل، بالعودة أو باستفتاء عليها، فمنطقه أنه ينسجم مع رغبة القاعدة العمالية، ويستبق شرط الاستفتاء الذي وضعه اليمين الفرنسي، وكلفته أنه يرحّل الحسم إلى ما بعد عام 2029، أي بعد انتخابات فرنسية قد تأتي بخصم للفكرة، ويحوّل الانتخابات البريطانية إلى استفتاء على "بريكست"، في مواجهة "ريفورم".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير