ملخص
بين تعقيدات "بريكست" والأنظمة الرقمية الجديدة، تروي جوي لو ديكو كيف تحولت تجربة سفر بسيطة إلى معركة مع الخوارزميات. وترى أن تشديد إجراءات الحدود لم يعد نتاج السياسة وحدها، بل تقوده أيضاً شركات التكنولوجيا التي تبني صناعة مربحة قائمة على البيانات والمراقبة وإدارة حركة البشر.
لم يكن من أخبرني بوجود مشكلة في عودتي إلى المملكة المتحدة شخصاً، بل تطبيقاً إلكترونياً.
كنت في اليابان أحاول إنهاء إجراءات السفر لرحلتي من هونغ كونغ إلى لندن، حين أخبرني النظام الإلكتروني بـ"الرفض". وكانت المشكلة مرتبطة، بصورة غير مباشرة، بـ"بريكست"، إذ كنت أسافر مستخدمة جواز سفري الإيطالي لأن جواز سفري البريطاني كان قد انتهت صلاحيته.
قبل 10 أعوام، كتبت مقالة عن الكيفية التي سيتغير بها السفر بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي. لم يكن الجيل الأصغر يدرك حينها رفاهية عبور الحدود الأوروبية من دون أي قلق. وأنا من جيل يكاد يكفيه العمر لأن يتذكر رحلات الـ"إنترريل" [رحلات قطار عابرة للدول الأوروبية]، حين كانت دول أوروبا الوسطى لا تزال خارج الاتحاد الأوروبي. ففي منتصف الليل، كان القطار العابر للحدود بين بولندا وجمهورية التشيك يتوقف محدثاً ضجيجاً معدنياً، ويصعد رجال بزي رسمي لإيقاظ الركاب والمطالبة بجوازات سفرهم بوجوه صارمة لا تعرف التساهل. وكانت حرية التنقل آنذاك نعمة لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه.
لقد كنت محقة في القلق إزاء الكيفية التي ستتغير بها الأمور بعد "بريكست". لكن ما لم أتوقعه هو حجم الإدارة والرقابة اللتين سنخضع لهما، ليس فقط بفعل السياسات والقرارات السياسية، وإنما أيضاً بفعل شركات التكنولوجيا الكبرى.
كانت مشكلتي في هونغ كونغ محددة جداً: فبما أنني لم أكن أسافر بجواز سفر بريطاني، فإن النظام لا يعتبرني بريطانية. ولذلك، ومنذ فبراير (شباط) الماضي، أصبح السفر بجواز سفر إيطالي يقتضي الحصول على "تصريح سفر إلكتروني" ETA لدخول المملكة المتحدة، أو إثبات وضع هجرة من خلال نظام "التأشيرات والهجرة البريطانية" UKVI، وهو أمر لم أكن قد سمعت به من قبل.
وللحصول على تصريح السفر الإلكتروني، الذي يمكن استخراجه عبر الإنترنت خلال دقائق، يطلب منك إدخال عنوان إقامتك المعتاد، وهو بالنسبة إلى عنوان في المملكة المتحدة. لكن بالنسبة إلى النظام الإلكتروني ومتطلبات الحدود، لم يكن ذلك خياراً مقبولاً. هل تجد صعوبة في فهم المنطق وراء هذا الأمر؟ وأنا أيضاً.
في هونغ كونغ، اقترح علي أحد موظفي الخطوط الجوية البريطانية في البداية أن أدون أي عنوان أجنبي للحصول على التصريح الإلكتروني، لكنني رفضت الكذب في استمارة حكومية رسمية. عندها تدخل أحد المشرفين، فأريته نسخة رقمية بصيغة "بي دي أف" PDF من جواز سفري البريطاني المنتهي الصلاحية، واتصلت الشركة بقوة الحدود البريطانية للحصول على استثناء في هذه الحالة.
وخلال هذا الصيف، تتكرر مشاهد مشابهة في مطارات أوروبا وسط طوابير طويلة وبطيئة الحركة. فقد أصبح المسافرون مجبرين اليوم على التعامل مع مجموعة متشابكة من الاختصارات والأنظمة الجديدة. فـ"نظام الدخول والخروج الأوروبي" EES، الذي يسجل البيانات البيومترية لكل وافد من خارج الاتحاد الأوروبي، دخل حيز التشغيل الكامل في أبريل (نيسان) الماضي. وكانت شركة طيران "راين إير" قد حذرت من تأخيرات تمتد لساعات في المطارات الإسبانية، مشيرة إلى نقص الموظفين وعدم كفاية الأكشاك الإلكترونية والأعطال التقنية في النظام.
وقد علقت اليونان هذا الصيف إجراءات الفحص البيومتري للمسافرين البريطانيين بسبب الفوضى التي أحدثها النظام، ثم لحقت بها البرتغال وإيطاليا. أما "النظام الأوروبي لمعلومات وتصاريح السفر" ETIAS، فمن المقرر أن يبدأ العمل به في وقت لاحق من هذا العام بكلفة 20 يورو للفرد. وفي المقابل، تبلغ كلفة "تصريح السفر الإلكتروني" البريطاني 20 جنيهاً استرلينياً وتستمر صلاحيته عامين. وتمثل جميع هذه الإجراءات طبقة جديدة من المتطلبات والوثائق التي كنا، خلال فترة قصيرة واستثنائية من شبابي، قد اتفقنا على التخلص منها.
لقد وفر "بريكست" المبرر السياسي لهذه التغييرات، لكن التكنولوجيا كانت ستسوق للحكومات على أي حال. أما الشركات التي توفرها - مثل "تاليس" Thales و"إيديميا" IDEMIA الفرنسيتين، و"إن إي سي" NEC اليابانية - فقد بنت صناعة ضخمة جديدة حول هواجس الحكومات حول أمن الحدود التي تميز عصرنا.
ولعل أكثر الأمثلة دلالة شركة "أماديوس" Amadeus، التي ظلت لأعوام المحرك البرمجي الخفي وراء أنظمة حجز تذاكر الطيران، إذ وافقت الشهر الماضي على دفع 1.2 مليار دولار للاستحواذ على وحدة مراقبة الحدود والقياسات البيومترية التابعة لشركة "إيديميا". فالشركة التي تمتلك بالفعل تفاصيل خط سير رحلتك تستحوذ الآن على الشركة التي تمسح بصمات أصابعك. وقد أبلغت مستثمريها بأن السوق المستهدفة لهذه الأعمال تبلغ قيمتها 50 مليار يورو.
ولا تزال رسوم تصاريح السفر متواضعة نسبياً حتى الآن، لكن ثمة توجهاً متزايداً لتحويل الحدود إلى مصدر للعوائد المالية. فقد ارتفعت في أبريل (نيسان) الماضي رسوم تأشيرات الدخول القصيرة إلى المملكة المتحدة، كما زادت رسوم التأشيرات الطويلة بنسبة سبعة في المئة. ويبلغ رسم الحصول على الإقامة الدائمة في المملكة المتحدة 3226 جنيهاً استرلينياً للفرد. أما المهاجر، فقد يدفع أكثر من 15 ألف جنيه استرليني رسوماً منذ وصوله الأول وحتى حصوله على الجنسية، عبر مختلف مراحل الإجراءات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي عام 2024 جمعت المملكة المتحدة أكثر من 6 مليارات جنيه استرليني من رسوم الهجرة والرسوم الصحية الإضافية والرسوم المفروضة على أصحاب العمل مجتمعة. وحققت وزارة الداخلية فائضاً بلغ 329 مليون جنيه استرليني من تأشيرات العمال المهرة وحدها، علماً أن تشغيل هذا النظام لا يكلف سوى 109 ملايين جنيه استرليني وفق أرقام مكتب التدقيق الوطني للعام المالي 2023-2024. ويتبين أن الحدود قد تكون عملاً مربحاً للغاية.
كانت جوازات السفر شبه معدومة قبل الحرب العالمية الأولى - يا لبراءة تلك الحقبة! ثم أدت وثائق السفر التي ظهرت خلال الحرب إلى نشوء نظام جوازات السفر الدولية اعتباراً من عام 1919. وقد تبنت الولايات المتحدة هذا النظام خلال موجة صعود النزعات القومية في عشرينيات القرن الماضي، حين بدأت بفحص الوافدين قبل وصولهم إلى شواطئها. أما أوروبا، وبعدما مضت في المسار نفسه، فقد أدركت لاحقاً أن ذلك خلق قدراً كبيراً من الاحتكاك، فعملت على تخفيف القيود داخل فضائها. والآن، يبدو أننا نعود إلى الاتجاه المعاكس من جديد، في ظل تصاعد أخطار الصراعات العالمية.
لكنني أعتقد أن الطبيعة المتدخلة لأنظمة مراقبة الحدود لا تتعلق فقط بحماية الحدود وتأمينها، بل أيضاً بجمع البيانات. فكل حركة نقوم بها، وكل تعبير على وجوهنا، وكل خطة سفر نضعها، تمثل بيانات ذات قيمة بالنسبة إلى جهة ما.
وفي النهاية، لم يكن تصريح السفر الإلكتروني ETA، ولا نظام "التأشيرات والهجرة البريطانية" UKVI، ولا الأكشاك البيومترية، ولا أجهزة مسح البصمات، هي التي سمحت لي بالصعود إلى الطائرة، بل مكالمة هاتفية. مدير مكتب عند بوابة الصعود إلى الطائرة تحدث إلى إنسان حقيقي في إدارة مراقبة الحدود.
لقد صنفتني الآلة على أنني مشكلة. هكذا يبدو تطبيق قوانين الحدود في عام 2026: وجه بشري يقرأ تعليماته من نص رقمي. والسؤال الذي ينبغي طرحه الآن هو: من الذي يكتب هذا النص؟
© The Independent