Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غزة بلا سيارات والحمير شريان التنقل الوحيد

الباعة في سوق الحلال يتفحصون الدواب من قوة حوافرها وسلامة أسنانها وقدرتها على سحب الأوزان الثقيلة في شوارع مليئة بالركام، وعلى هذا الأساس يحسم السعر النهائي

وثقت تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) نفوق نحو 43% من الحيوانات العاملة في غزة نتيجة القصف والإجهاد المفرط وسوء التغذية (أ ف ب)

ملخص

مع تعطل السيارات ونقص الوقود وقطع الغيار، تحولت عربات الكارو إلى وسيلة لنقل الركاب والمياه والبضائع لكن ارتفاع أسعار الحمير ونقص الأعلاف والأدوية، إلى جانب نقل حيوانات إلى الخارج، أسباب تهدد وسيلة باتت عائلات غزية تعتمد عليها في الحركة وكسب الرزق.

يقف وسيم بجانب سيارته المركونة أمام منزله المتضرر في حي الجلاء بمدينة غزة، يمرر يده على مساحات الزجاج الأمامي المغطى بطبقة سميكة من غبار الركام، يرفع غطاء المحرك للقيام بفحص سريع، ثم يغلقه بقوة ويمضي نحو الحمار المربوط بعربة خشبية بجوار مركبته.

"السيارة متوقفة هنا منذ أشهر، لا يوجد ليتر بنزين واحد داخلها فسعره في السوق السوداء يطعم عائلتي أسبوعاً، وإطاراتها ممزقة أيضاً، وتحتاج إلى ثلاث قطع غيار غير متوفرة في غزة"، وفق قول وسيم وهو ينظر إلى الحمار.

يتفقد الحبال المربوطة بالسرج الخشبي للحمار، ويشد طرفاً منها ليتأكد من ثبات اللوح، ثم يعتلي الدابة، يضيف وسيم "لا يجب الاستغراب، في غزة توقفت السيارات وعادت الحيوانات التي تجر العربات".

متهكماً يضيف "سارعت في مواكبة هذا التحول في غزة، أوقفت سيارتي وامتطيت الحمار"، يضع وسيم قطعة قماش مطوية فوق اللوح الخشبي يرتب الموضع المخصص لمن يجلس في الخلف.

يمسك وسيم بزمام الدابة، وينادي بصوت متقطع ليفسح له المارون طريقاً بين أكياس القمامة وهياكل السيارات الأخرى المركونة على جانبي الطريق، يلتفت خلفه نحو اللوح الخشبي للعربة، ويتابع "أصعب ما في الأمر ليس قيادة العربة ولا البطء المجهد، بل الوقت ذاته".

وقرب مفترق الطرق الرئيس يقف وسيم مع حماره، ينتظر تحميل الركاب، ولا تنطلق العربة فور صعود أول واحد إذ ينتظر السائق اكتمال العدد قبل بدء الرحلة.

في غزة، أصبحت العربات التي تجرها الحمير وسيلة نقل رئيسة، حيث أسهم تعطل المركبات وصعوبة توفير الوقود وقطع الغيار في عودتها إلى الواجهة مجدداً.

وبعد الحرب المدمرة والحصار الخانق المفروض على غزة، لم تقتصر أزمة المواصلات على المركبات التي دمرها القتال العسكري، إذ متدت إلى السيارات التي بقيت تعمل، بعدما واجه أصحابها صعوبة في تشغيلها.

وفي ظل هذه الظروف، وجد بعض السكان في العربات التي تجرها الحمير وسيلة للتنقل، ولم تكن بديلاً مكافئاً للسيارات، فحركتها أبطأ والوصول بها إلى الوجهة يحتاج إلى وقت، لكنها أتاحت للناس وسيلة أخرى للتنقل.

ومع تضرر الشوارع، توفر الحمير وسيلة للوصول إلى الأسواق ومناطق بيع المياه وتوزيع المعونات وتستخدم كإسعاف، بعدما أصبح التنقل بين مناطق غزة يستغرق وقتاً أطول، حتى في المسافات القصيرة.

وانتظرت منى المصري أكثر من 10 دقائق حتى اكتمل الركاب، قبل أن تنطلق عربة وسيم، دفعت دولاراً أميركياً واحداً أجرة للرحلة، بعدما كانت المسافة نفسها تكلفها 30 سنتاً بالسيارة قبل الحرب.

شد وسيم الحبل المربوط بحماره، وبدأ يتحرك في شارع مليء بالمطبات، تحت حوافر الدابة يتصاعد صوت تهشم قطع من الخرسانة المتناثرة على الإسفلت.

يمر وسيم بجوار طابور طويل من المواطنين ينتظرون تعبئة أواني المياه، تتعطل حركته لثوان بسبب ازدحام الشارع الضيق، يشرح "لا تملك سوى أن تحث الحمار على الإسراع، وتعلم أن السرعة لها حد لا يمكن تجاوزه".

موت المحركات

رحلة وسيم البطيئة في الشارع كانت هي النتيجة الحتمية لانهيار قطاع النقل والمواصلات في غزة بسبب الحرب والحصار، فخلف كل عربة خشبية تتجول في الشوارع، ثمة مركبة توقفت قسراً.

ويقف السائق طلعت حمدان أمام كابوت سيارته المفتوح، يمسك بخرقة قماش زيتها جاف، ويحاول تشغيل المحرك لكنه يرفض الدوران.

ويقول "لا يتطلب الأمر حادثة كبيرة لتعطيل المركبة، فعطل بسيط في المكابح أو ثقب في إطار مطاطي كفيل بأن يوقف السيارة أسابيع، إما لعدم توفر قطع الغيار أو لارتفاع سعرها، ولا قدرة لأحد على الصيانة".

ومنذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على غزة، ولم تسمح بدخول إلا المواد الغذائية والقليل جداً من المستلزمات التي تطلبها المنظمات الدولية.

في أوقات متفرقة، وافقت إسرائيل على إدخال كميات محدودة جداً من قطع الغيار والزيوت بنسبة لا تتجاوز خمسة في المئة، وفي ظل هذا الانقطاع، قفز سعر محرك السيارة المستعمل من 2000 دولار، ليبلغ 10 آلاف دولار، وارتفع سعر الإطار المطاطي من 100 دولار إلى 800 دولار، بينما وصل ليتر زيت المحرك إلى 500 دولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوضح المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات أنيس عرفات أن 80 في المئة من إجمالي المركبات المسجلة في القطاع تضررت، ومن الأسطول الذي نجا من الحرب توقف 95 في المئة من المركبات جراء انعدام الوقود وتراكم الأعطال الميكانيكية.

يقول عرفات "تجاوزت خسائر قطاع النقل 3 مليارات دولار، حيث تعرضت نحو 81 في المئة من شبكة الطرق لأضرار جسيمة، وتوقفت الحركة تماماً على 92 في المئة من الطرق الرئيسة بعد تحولها إلى مسارات ترابية ضيقة".

يغلق طلعت كابوت السيارة ويمشي خطوات نحو الشارع، يراقب كيف تنسحب حركة العربات من غزة تدريجاً، وينظر لحركة الناس وهم يحملون أمتعتهم فوق عربات خشبية تجرها الدواب بين الركام.

خلو الشارع من المركبات وانتشار العربات الذي يراقبه طلعت، رفع بورصة الدواب، وجعل قيمة السيارات تتهاوى.

تلاشي السيارات

هناك، في زحام "سوق الحلال" الترابي في دير البلح، يقف فادي طالب يمسح العرق عن وجهه وهو يطيل النظر إلى حمار متوسط الحجم مربوط بعمود معدني.

ترك فادي سيارته متوقفة بجوار مكان نزوحه، ونزل إلى السوق صباحاً وفي جيبه مبلغ جمعه بصعوبة، أملاً في شراء دابة توصله مشاويره وتجر عربة لنقل المياه وأمتعة عائلته.

بعد دقائق من النقاش مع تاجر المواشي، يسحب فادي يده من جيبه ويقول "سألته عن السعر، فرد ببرود 10 آلاف دولار، أعدت السؤال ظناً أنني لم أسمع جيداً".

يكمل حديثه "هذا المبلغ كان يشتري سيارة عائلية مستعملة قبل الحرب، سيارتي المركونة عرضتها للبيع ولم أجد من يشتريها لأنها لا تتحرك، بينما الحمار هنا يباع بثمنها".

في ساحة سوق الحلال قفزت الأسعار كثيراً، الحمار الذي لم يكن يتجاوز سعره 300 إلى 500 دولار قبل الحرب، بات يعرض اليوم بمبالغ تتراوح بين 3 و13 ألف دولار.

الباعة في سوق الحلال يتفحصون الدواب من قوة حوافرها وسلامة أسنانها وقدرتها على سحب الأوزان الثقيلة في شوارع مليئة بالركام، وعلى هذا الأساس يحسم السعر النهائي.

يستدير فادي مغادراً السوق متخلياً عن فكرة الشراء، وفي طريق عودته الطويل سيراً على الأقدام، يمر بجوار السيارات المركونة بلا وقود ويتمتم بمرارة "انقلبت الآية سياراتنا بلا قيمة ونبحث عن حمار بآلاف الدولارات لنتحرك فقط، بينما العالم خارج غزة يتحدث عن سيارات تشحن كهربائياً... يا لها من فجوة".

عجز فادي عن امتلاك حمار، جعله دائماً ينتظر في طوابير طويلة بحثاً عن مقعد بالأجرة فوق عربات الكارو التي أصبحت شريان النقل العام الوحيد.

الكارو البديل

في دير البلح وسط القطاع، تسيطر العربة على المشهد، يمسح الشاب محمد بركة وجهه بطرف قميصه وهو يوجه دابته وسط زحام الخيام والأسواق، يقول "أنطلق في الصباح الباكر على الكارو التي أعمل عليها في نقل النازحين وتوصيلهم".

يساعد محمد سيدة مسنة على الصعود لزاويتها ويضيف "هذه الخشبة هي كل ما أملكه لإطعام عائلتي المكونة من ستة أفراد، لم نعد نستخدم الكارو لنقل الخضار كما في الماضي، الناس اليوم تنتظرني لجلب المياه وللذهاب إلى المستشفى لتلقي العلاج".

تصعد المواطنة فداء إلى عربة محمد، وتتخذ مكانها في الزاوية الخلفية متشبثة بالحافة الخشبية، بجوارها تجلس سيدتان، بينما يتجمع ثلاثة رجال في المقدمة قرب مقعد السائق، لم يطلب منهم أحد ترتيب أماكنهم، لكن الجميع جلس بناء على قاعدة غير مكتوبة.

تقول فداء وهي ترتب أطراف ثوبها "في بداية الأزمة، كان ركوب العربة المكشوفة وسط الشارع أمراً محرجاً ومربكاً للنساء، لكن بسبب أزمة المواصلات تشجعنا كثيراً لركوب الكارو، وأعتقد أنه أفضل من السير مسافات طويلة وثقيلة على الأقدام".

هذا العمل المتواصل للحمار من الصباح حتى منتصف الليل، جعل الدواب تحت ضغط يفوق قدرتها بخاصة في غزة التي تفتقد للرعاية البيطرية والطعام.

المأساة البيطرية

يطحن الطبيب البيطري رامي مسحوقاً من كبسولات مضادات حيوية بشرية منتهية الصلاحية، يخلطها بالقليل من الماء والكركم، ثم يطلي بها جرحاً غائراً خلفته شظية في ساق حمار هزيل.

يقول البيطري رامي وهو يلف الجرح بقطعة قماش ممزقة بدلاً من الشاش الطبي "الرفوف البيطرية فارغة تماماً، نسبة العجز في الأدوية واللقاحات تتجاوز 99 في المئة، حيوانات العمل تستنزف وأي التهاب بسيط قد يؤدي إلى نفوق سريع".

مقابل البيطري يجلس شادي يراقب دابته وهي تتنفس بصعوبة وتجر قدمها المصابة، يقول إذا مات هذا الحمار، سأجلس أنا وأطفالي في الخيمة بلا طعام ولا ماء".

يمسح على رأس دابته، ويضيف "لا أملك ثمن العلف، الحيوان يأكل من القمامة ويصاب بمغص شديد في الليل ولا أجد دواء لإنقاذه، فقدان الدابة بالنسبة لي يعادل فقدان المنزل".

تأكل الدابة كل يوم رطل العلف، قبل الحرب كان سعره سبعة دولارات، أما بعد الحرب والحصار بلغ ثمنه 15 دولاراً، مخاوف شادي تترجمها الأرقام الدولية، فقد وثقت تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) نفوق نحو 43 في المئة من الحيوانات العاملة في قطاع غزة نتيجة القصف المباشر والإجهاد المفرط وسوء التغذية.

في الحقيقة، الجوع والإجهاد ليسا التهديدين الوحيدين لدواب غزة، فأثناء العمليات العسكرية كان حاضراً اتباع أساليب لتجريد السكان مما تبقى من أدوات حركتهم.

السيطرة على أدوات التكيف

يقف المزارع صالح أبو عودة أمام الكارو خاصته لكن لا حمار مربوطاً فيها، يقول "فقدته في الحرب، أوقفونا وصادروا الحمار، تركوني أجر العربة الخشبية بيدي وعليها أمتعتي لمسافة ثلاثة كيلومترات".

يستذكر صالح "لم يقتلوا الدابة، سحبوها معهم باتجاه الحدود، أخذوا مصدر رزقي الوحيد وقدمي التي أمشي بها، وتركوني مع الخشب".

استقبلت جمعيات الرفق بالحيوان في إسرائيل وفرنسا وبلجيكا حميراً مصادرة من غزة تحت شعار "إنقاذها من الإجهاد وظروف الحرب القاسية"، ويعلق الباحث في الاقتصاد السياسي طارق سلمان "هذا فيه استهداف مباشر لأدوات التكيف التي ابتكرها السكان".

يقول سلمان "تجريد القطاع من الثروة الحيوانية العاملة هو تفريغ ممنهج لآخر قوة عضلية بديلة يملكها المجتمع، مصادرة الحمار أو قصفه تعني حرمان المواطن من قدرته الذاتية على الحركة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير