Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجسد الحي الحامل الأول للبعد الرمزي وليس اللغة

الفيلسوف الفرنسي باتريك تور يبني تاريخاً طبيعياً واجتماعياً للظاهرة

لوحة للرسام فيروميمي روي (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

يندرج كتاب الفيلسوف واللغوي ومؤرخ العلوم البيولوجية والإنسانية الفرنسي باتريك تور "أصل الرمزي، تاريخ طبيعي واجتماعي للمظهر" في مشروع فكري واسع يسعى إلى إعادة النظر في مفهوم يبدو، للوهلة الأولى، لصيقاً بالإنسان وحده: مفهوم "الرمزي". فالكتاب، الصادر في باريس عن دار "أونوريه شامبيون" (2026)، يقع في أكثر من 1100 صفحة، وهو بذلك ليس دراسة جزئية لمفهوم محدّد. إنه محاولة لبناء تاريخ طبيعي واجتماعي للرمزي، منذ جذوره في عالم الأحياء وصولاً إلى توسّعه في المجتمعات المعاصرة.

نقطة البدء في كتاب "أصل الرمزي، تاريخ طبيعي واجتماعي للمظهر" أن أول حامل للرمزي ليس اللغة، ولا العقل، ولا المؤسسة الاجتماعية، بل الجسد الحيّ عموماً، والجسد الحيواني خصوصاً. ذلك أن الكائن الحيّ يشعر ويرغب ويختبئ ويظهر ويترجم حاجاته وانفعالاته في وضعيات وحركات طبيعية مرتبطة في رمزيتها بالبقاء. فالرمزي يتصل بالغذاء والجنس والمكان، ومن ثمَّ بالإغراء والصراع والدفاع. ولعله يظهر عندما يتعرف كائن حيّ، من خلال مظهر كائن آخر أو مجرد اكتشاف أثره، على تهديد أو مورد، وعلى منافس أو حليف، وعلى فرصة أو خطر، ثم يضبط سلوكه وفق الدلالة التي يكتسبها ذلك الحضور أو تلك الآثار.

الرمزي، وفق تور، لا يولد مع الإنسان ولا مع اللغة. هو في أصله إذاً "ما قبل بشري". فقبل ظهور الرموز والكنايات الخفيَّة كاصطلاحٍ أو اتفاقٍ اجتماعيٍ، ثمة في الطبيعة شبكة من الدلالات والتمويهات والإشارات. يكفي أن ننظر إلى الهرّ الذي ينفش فراءه كي يبدو أكثر هيبة، والأخطبوط الذي يتخذ هيئة ثعبان بحري أو يندمج في محيطه حتى يكاد يختفي، لنفهم أن "المظهر" ليس مجرد خداعٍ سطحي بقدر ما هو عنصر فعّال في تنظيم علاقات الكائنات الحية.

فالمظهر يمكن أن يردع ويجذب ويفتن ويضلّل، ومن ثم يصبح حاملاً للمعنى قبل أن يوجد أي نظام لغوي للعلامات والإشارات المتفق عليها للدلالة على شيء أو فكرة ما، التي ستتناولها السيميولوجيا لاحقاً في دراستها للعلامة والدلالة في اللغة، ثم امتدادها إلى مجالات التحليل النفسي والدين وسواها. هذا يعني أن إنتاج المعنى لا يقتصر على النظام اللغوي. فما تصفه السيميولوجيا بوصفه علامةً ورمزاً ودالاً يجد له، في تصّور تور، جذوراً في الأشكال الحيوية من المظهر والإشارة والتمويه التي تنظّم علاقات الكائنات الحية بعضها ببعض وتنتج الدلالة قبل ظهور الإنسان.

الرمزي، إذاً عند تور هو أحد الشروط التي سمحت للكائنات الحيّة بالتفاعل مع العالم.

قوة مستقلة

لكن الرمزي الذي بدأ بحسبه كآلية بيولوجية مرتبطة بالبقاء واستمرار الحياة تحوّل في التاريخ البشري إلى منظومات معقدة، وإلى قوة مستقلة نسبياً عن الحياة الذي نشأ منها. هذه النقلة النوعية هي التي سمحت لباتريك تور بطرح السؤال الأكثر إثارة في الكتاب: ماذا يحدث عندما ينفصل الرمزي عن وظيفته الأصلية في تنظيم علاقة الكائن الحيّ ببيئته، ويتحول إلى نظام ضخم لإنتاج الوهم والتأثير؟

بغية الإجابة عن هذا السؤال، ينتقل الباحث من البيولوجيا ونقد اللسانيات السوسورية ونظريات المحاكاة والتحليل النفسي وداروين ولاكان والميثولوجيا إلى السياسة، مستكشفاً تحولات الرمزي وتضخّمه المفرط في زمننا هذا. ومن خلال إضاءة متقاطعة تستمد أدواتها من العلوم الطبيعية والنفسية والاجتماعية، يكشف الكتاب عن قوة من الوهم والانتحال، أصبحت اليوم، بعد انفصالها عن الحياة والحقيقة، تستعير قِناعِهما، لتهيمن على السياسة العالمية. ذلك أن الرمزي المعاصر لم يعد أداة لفهم للعالم أو للتكيّف معه. فقد تحول إلى سلعة في أيدي أجهزة النفوذ الكبرى، حتى بات قادراً على إنتاج واقع اجتماعي وسياسي قادرٍ على تشكيل الممارسات وتوجيه المعتقدات وصياغة الانفعالات ورسم مسارات الأفراد والجماعات. هكذا أصبح اللجوء المعاصر إلى تضخيم الرمزي جزءاً من آليات السلطة السياسية العالمية.

ولا يكتفي تور بوصف هذه الظاهرة التي يربطها بنقد فلسفي عميق. فـ"القدرة الرمزية" التي تحولت، في الفكر الحديث والمعاصر، إلى ما يشبه "الخاصية المميزة للإنسان"، أي إلى مَلَكة يُفترض أنها تفصل الإنسان جذرياً عن سائر الكائنات، أصبحت، في العلوم الإنسانية، أشبه بـ"حصان طروادة". إذ تبدو في ظاهرها أداةً نافعة لتفسير الإنسان، لكنها تُخفي وراءها افتراضات أخرى وتتيح تمرير تصورات أو أغراض لا تُعلن صراحة.

المادية شرط منهجي

وعوضاً عن البحث في الجذور المادية والتاريخية للرمزي، تتعامل كثير من الدراسات المعاصرة كما لو أن الرمزي مَلَكة غامضة ومستقلة عن الجسد والطبيعة والتاريخ، متجاهلةً بذلك أحد أهم المفاهيم المركزية في مشروع تور: المادية بوصفها شرطاً منهجياً لإنتاج معرفة موضوعية. فالمادية، لدى الباحث والأنثروبولوجي الفرنسي، ليست مذهباً فلسفياً مكتمل الأركان بقدر ما هي طريقة في تفكيك العمليات التي تتشكل من خلالها المعارف والخطابات. وقد طوّر تور هذه الرؤية ضمن مشروعه المعروف بـ"تحليل المركّبات الخطابية"، الذي ينصرف إلى دراسة العلاقات المتحركة بين العلم والأيديولوجيا والسلطة والمعتقد، وإلى تتبع الكيفية التي يتشكل بها الخطاب ويتحول ويعاد إنتاجه داخل سياقات تاريخية مختلفة.

ولا ينظر تور إلى الخطاب باعتباره بنية مغلقة وثابتة، بل كمجالٍ متحركٍ تتفاعل في داخله المصالح والصراعات والأسئلة، التي تتغير مع تغير الشروط التاريخية التي تنتجه. ويظهر ذلك بوضوح في اهتمامه بتاريخ العلوم. فمنذ أبحاثه الأولى، درس باتريك تور كيفية تحرّر المعرفة العلمية تدرجاً من هيمنة اللاهوت والميتافيزيقا. ثم، في دراسته لتاريخ علم التشوّهات الخَلقية والاختلالات النمائية أو ما يعرف بـ"التيراتولوجيا"، بيّن كيف كان الانتقال إلى تفسير طبيعي لهذه الظواهر يتطلب في بعض الأحيان نوعاً من "التفاوض" مع التصورات الدينية السائدة. ورأى أن داروين، من خلال تركيزه على نقص التكيّف وعدم كمال الأعضاء وعلى قسوة الصراع في الطبيعة، فتح الطريق أمام البحث عما يسميه "الأسباب الثانوية"، أي تلك التفسيرات الطبيعية الداخلية للظواهر بدل ردّها مباشرة إلى الإرادة الإلهية، جاعلاً من "أنطولوجيا الناقص" أحد الأسس التي يقوم عليها التصور المادي للعلم عنده.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويهمني أن أشير ههنا إلى صعوبة فهم كتاب "أصل الرمزي" دون وضعه في سياق البحث الذي كرّسه تور لداروين. فقد كان تور أحد أبرز المشتغلين الفرنسيين على فكر داروين، بعدما تولى تحرير وترجمة جميع أعماله ونشرها كاملةً في 35 مجلداً، إلى جانب إصداره "قاموس الداروينية والتطور" الصادر عام 1996، الذي أسهم فيه بنحو 2250 مدخلاً. وقد حاز المشروع على جائزة هنري دو بارفيل من أكاديمية العلوم الفرنسية، علماً بأن تور أعاد قراءة البعد الأنثروبولوجي لنظرية داروين، متوقفاً عند مفهوم "الأثر الانعكاسي للتطور"، لأن الانتخاب الطبيعي الذي يعمل عبر المنافسة واستبعاد الأقل تكيّفاً، يؤدي في الإنسان إلى ظهور أشكال من الحياة الاجتماعية والأخلاقية والمؤسساتية التي تحدّ تدرجاً من السلوكيات الإقصائية. بعبارة أخرى، إن الانتخاب الطبيعي "ينتخب الحضارة" التي تبدأ بدورها في الحدّ من آلية الانتخاب الطبيعي نفسه. ولعل هذه الفكرة ستصبح لاحقاً نقطة الانطلاق لعدد من أبحاث تور حول نشأة الأخلاق والحضارة.

التحول الداخلي

هنا تتضح الصلة بين أبحاث باتريك تور السابقة وكتابه الجديد. ففي "الثورة الداروينية الثانية"، و"أثر داروين"، و"نظرية التضحية"، وكتاباته عن الدين والمادية، درس العالِم الفرنسي الانتقال من الطبيعة إلى المجتمع بعيداً من مفهوم القطيعة المطلقة، مقارباً إياه من زاوية التحول الداخلي في شروط الحياة نفسها. هكذا، صار السؤال عن أصل الرمزي امتداداً منطقياً لسؤال قديم، سبق أن طرحه الباحث الفرنسي حول كيفية ظهور الحضارة والأخلاق والمؤسسات، وكيف نشأت، داخل استمرارية الحياة، أشكال جديدة من التنظيم والتمثيل.

وليس من قبيل المصادفة أن يعود إلى هذه المسألة في كتابه الجديد، فهي تجد جذورها أيضاً في بدايات مساره العلمي، حين انطلق من الأدب واللغة ليفحص آليات التمثيل ذاتها. ففي أطروحته الأولى، تناول تور الأصل التاريخي والنصيّ لـ"مفارقة الممثل" عند الفيلسوف والموسوعي ديدرو، مبيّناً أن المسألة تتجاوز حدود الأداء المسرحي لتكشف عن آلية أساسية في عمل "الرمزي". فالممثل الجيد لا يحتاج إلى أن يشعر فعلاً بالحزن أو الغضب كي يقنع المتفرج بهما. إنه يستطيع، بفضل التحكم والعقل، أن "يحاكي علامات الانفعال وينتج أثره لدى الآخر". هكذا يبدو أن اهتمام تور بالرمزي ليس انقطاعاً عن أبحاثه السابقة، بل نتيجة لتراكم بحثي طويل انتقل فيه تدرجاً من سؤال التمثيل في الأدب إلى سؤال أوسع عن الشروط التي تجعل التمثيل قوة فاعلة في الحياة الاجتماعية. وها هو ذا يتابع ربط التمثيل بالجذور الطبيعية للرمزي، لأن الكائنات الحية كلها تستخدم المظهر والتشبه والتخفي لإحداث تأثير في الآخر. لذلك تكشف "مفارقة الممثل" عن قدرة أساسية هي "إنتاج تأثير واقعي بواسطة مظهر لا يطابق بالضرورة الحقيقة الداخلية".

ولعل توجه باتريك تور إلى البحث في تاريخ نظريات الكتابة واللغة في القرنين الـ17 والـ19، يندرج في دائرة الاهتمام نفسها. هكذا درس الهيروغليفية والعلاقة بين السلطة السياسية واستخدام الصور والتمثيلات والرموز، وهي إشكالية ستعود بقوة في كتابه الجديد "أصل الرمزي" من خلال بحثه في الكيفية التي تتحول بها التمثيلات إلى أدوات للقوة. وتعمق بتاريخ التصنيف والتطور، ودخل في مواجهة نقدية مع التفسيرات المبسطة للداروينية الاجتماعية والسوسيولوجيا البيولوجية، لا سيما في كتابه "بؤس السوسيولوجيا البيولوجية". وفي الوقت عينه، أسس "المعهد الدولي لتشارلز داروين"، الذي جعل من مهمته العودة إلى أعمال العالِم الأصلية وتمييز فكره العلمي عن التأويلات الأيديولوجية التي أُلصقت به.

 ولا بدّ في الختام من التشديد على أن قوة كتاب "أصل الرمزي" تكمن في تطلعه إلى رفض الفصل التقليدي بين الطبيعة والثقافة. فالرمزي لا يظهر فجأة عندما يظهر الإنسان، ولا تبدأ الدلالة مع اللغة، إنه يندرج في إطار تاريخ أحيائي طويل.

لكن هذا التطلّع هو أيضاً مصدر صعوبة الكتاب، لأن الجمع بين علم الأحياء، والإثولوجيا، والتحليل النفسي، والأنثروبولوجيا، وتاريخ الأفكار، واللسانيات والسياسة يجعل الكتاب كثيفاً ومتعدد الطبقات. والانتقال من المظهر الحيواني إلى الرمزي الاجتماعي ثم إلى بنية السلطة السياسية يحتاج إلى متابعة دقيقة لمصطلحات تور ومفاهيمه. لكن هذه الكثافة هي جزء من رهان تور النظري والقائم على ضرورة تجاوز التخصّصات المنعزلة إذا أردنا فهم ظاهرة تمتد من الجسد إلى السياسة.

خلاصة القول إن كتاب باتريك تور "أصل الرمزي، تاريخ طبيعي واجتماعي للمظهر"، يقدم مشروعاً بحثياً يتجاوز السؤال عن ماهية الرمز ليتتبع نشأة قدرة الكائن الحيّ على إنتاج مظهرٍ أو رمزٍ حاملٍ للمعنى، وكيف تطورت هذه القدرة من أداة للبقاء إلى جهاز اجتماعي هائل لإنتاج الاعتقادات والتأثير وممارسة السلطة. ولئن كان الرمز قد بدأ في الطبيعة كوظيفة لاستمرار الحياة، فإن المأساة الحديثة تتمثل في نظر الباحث، في إمكان انفصاله عن الحياة والحقيقة وتحوله إلى قوة مستقلة، قادرة على إنتاج الوهم وإعادة تشكيل الواقع نفسه. ومن هذه الزاوية، يبدو الكتاب كأنه خلاصة لجمع خيوط مشروع باتريك تور كله من تاريخ العلوم ونقد المثالية والمادية والداروينية واللغة والتصنيف والأيديولوجيا إلى تحليل الخطاب.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب