ملخص
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة، تبدو وعود السلام أبعد من أي وقت مضى. فالهجمات الإسرائيلية لم تتوقف، والأزمة الإنسانية تتفاقم، وإعادة الإعمار تسير ببطء شديد، فيما لا تزال مفاوضات المرحلة الثانية من الهدنة متعثرة، ليبقى السلام بالنسبة إلى سكان القطاع أملاً مؤجلاً أكثر منه واقعاً.
مر 365 يوماً على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الذي طال انتظاره في غزة، والذي كان يفترض أن يوفر قدراً من الأمن والاستقرار للفلسطينيين بعد عامين من الاجتياح الإسرائيلي المدمر.
لكن واقع الأشهر الـ12 الماضية جاء بعيداً كل البعد من وعد دونالد ترمب بتحقيق "سلام أبدي" الذي أطلقه في الخريف الماضي.
فمنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، قُتل نحو 1400 فلسطيني في غارات إسرائيلية، فيما تجاوز إجمال عدد القتلى 74 ألفاً، وفق السلطات الفلسطينية، منذ هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الدامية قبل ثلاثة أعوام، التي أسفرت عن مقتل 1200 إسرائيلي واحتجاز 251 رهينة.
وفي الوقت نفسه، واصل الجيش الإسرائيلي تقدمه التدريجي داخل غزة، دافعاً الفلسطينيين إلى رقعة جغرافية تزداد ضيقاً، كما لم يسمح بوصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى القطاع بصورة حرة ومنتظمة. وفي المقابل، لا تزال حركة "حماس" تحتفظ بسلاحها، فيما قُتل خمسة جنود إسرائيليين في المعارك.
ويقول مسلم أبو خليل، وهو طبيب يبلغ من العمر 32 سنة من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لصحيفة "اندبندنت": "الجميع يعيشون في حال خوف. فلا يزال هناك أشخاص يقيمون في خيام ممزقة تفتقر إلى شبكات صرف صحي مناسبة، ويكافحون من أجل تأمين سبل العيش".
ويضيف: "يتساءل الناس في غزة باستمرار: ماذا لو كنت في مكان يستهدفه الجيش الإسرائيلي لأي سبب؟ لقد سمعنا قصصاً كثيرة عن أشخاص قُتلوا أو أصيبوا بإعاقات دائمة لمجرد أنهم كانوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، ومن دون أي إنذار مسبق".
ويرسم الدكتور أبو خليل، مؤسس تحالف "متحدون من أجل الكرامة" والعامل في مستشفى ناصر، صورة قاتمة للوضع الإنساني. ويشير إلى أن القطاع الصحي لا يزال يدفع ثمن ثلاثة أعوام من القصف الإسرائيلي، لافتاً إلى أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل بصورة جزئية، فيما يعجز كثير من الفلسطينيين عن الحصول على مياه صالحة للشرب أو كميات كافية من الغذاء.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025 قد استُقبل باحتفاء إعلامي واسع، إذ أعلن ترمب أن "مجلس السلام" الجديد الذي أنشأه، والذي يترأسه بصفة "رئيس مدى الحياة" ويضم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عضواً تنفيذياً، يتمتع "بإمكانات غير محدودة".
وقال الرئيس الأميركي إن المجلس، الذي يضم عدداً من رؤساء الدول المتهمين بالإشراف على انتهاكات لحقوق الإنسان، سيدشن "عصراً من الإيمان والأمل والله" في غزة.
وشهدت المرحلة الأولى من الهدنة إطلاق "حماس" سراح الرهائن الأحياء المتبقين وتسليم جثامين القتلى، في حين نفذت إسرائيل انسحاباً جزئياً داخل القطاع وأفرجت عن مئات الأسرى الفلسطينيين.
لكن إسرائيل واصلت هجماتها خلال الأشهر الأولى من الهدنة، ولم تسمح بمرور المساعدات بصورة حرة، وتجاوزت ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي كان يفترض أن تنتشر قواتها خلفه. ويقول المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن إسرائيل ارتكبت أكثر من 5100 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ الـ10 من أكتوبر 2025.
في المقابل، تنفي إسرائيل هذه الاتهامات وتؤكد التزامها ببنود الاتفاق، وتقول إن ضحايا هجماتها كانوا عناصر يُشتبه في انتمائهم إلى جماعات مسلحة.
وجاء في بيان للجيش الإسرائيلي: "إن الادعاءات التي تتهم إسرائيل بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار تتجاهل استمرار الأنشطة العسكرية وتعزيز القدرات القتالية للتنظيمات الإرهابية في قطاع غزة، إضافة إلى خططها لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل، ورفض حركة ’حماس‘ نزع سلاحها، وهي أمور تتعارض مع الاتفاق".
وأضاف البيان: "يبقى الجيش الإسرائيلي ملتزماً باتفاق وقف إطلاق النار، ويواصل العمل بصورة مركزة بهدف إزالة التهديدات وحماية المدنيين الإسرائيليين وجنود الجيش، وفقاً لما تنص عليه بنود الاتفاق".
غير أن يوسي ميكلبرغ، الباحث البارز في برنامج الشرق الأوسط بمركز "تشاتام هاوس"، يرى أن التوغلات الإسرائيلية تقوض فرص السلام.
ويقول: "الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار، ومقتل مئات الفلسطينيين، وتوسيع إسرائيل وجودها العسكري في غزة في الوقت نفسه، إضافة إلى بطء التقدم في الملف الإنساني، كلها عوامل تدفع الوضع نحو مزيد من التدهور".
ويبقى السؤال المطروح: ماذا بعد؟
فالمرحلة الثانية من الهدنة، التي يفترض أن تشمل نزع سلاح "حماس" وانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، لم تبدأ بعد، في ظل عجز "مجلس السلام" عن تحقيق اختراق حقيقي في المفاوضات حتى الآن.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد أعمال العنف في الضفة الغربية، حيث قُتل أكثر من 1100 فلسطيني على أيدي مستوطنين أو قوات إسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، وفق السلطات المحلية.
وباتت اعتداءات المستوطنين أكثر شيوعاً من أي وقت مضى، وغالباً ما تمر من دون محاسبة، الأمر الذي دفع عدداً من حلفاء إسرائيل في أوروبا وخارجها، بما في ذلك المملكة المتحدة، إلى فرض عقوبات تجارية غير مسبوقة على المستوطنات.
وتزايدت الضغوط الدولية على إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة. ففي يونيو (حزيران) الماضي، خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن ارتكبت إبادة جماعية وجرائم حرب من خلال الاستهداف المتعمد للأطفال الفلسطينيين.
كذلك تواجه حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتشددة ضغوطاً داخلية متزايدة، مع اقتراب الانتخابات المقررة في وقت لاحق من الشهر الجاري، التي قد تطيح به من رئاسة الحكومة للمرة الثالثة، وهو تطور ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل غزة.
ويقول ميكلبرغ: "الانتخابات بالغة الأهمية، وكذلك الديناميكيات الداخلية للمجتمع الفلسطيني بدرجة تكاد تكون مماثلة. وهناك أيضاً دور المجتمع الدولي. فقد بدأ كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وبحق، إظهار قدر أكبر من نفاد الصبر تجاه بعض الممارسات. والسؤال هو: هل سيواصلون هذا النهج؟"
لكن مع تعثر الجهود الدبلوماسية وبطء المحادثات السياسية رفيعة المستوى، يزداد الوضع الإنساني الميداني سوءاً.
وأشار بيان مشترك صدر الشهر الماضي عن أستراليا والدنمارك ومصر والأردن والكويت وقطر والسعودية والمملكة المتحدة إلى أن القيود الإسرائيلية على المساعدات تمثل "أكبر عقبة أمام تشغيل الخدمات الصحية"، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى "السماح بوصول المساعدات الإنسانية سريعاً ومن دون عوائق إلى جميع أنحاء قطاع غزة وتسهيل ذلك".
وتقول الأمم المتحدة إن نحو 94 في المئة من سكان غزة يحتاجون إلى مساعدات لإيجاد مأوى. وتشير تقديرات "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC) إلى أن نحو 1.4 مليون شخص، أي ما يعادل ثلثي السكان، مهددون بمواجهة انعدام الأمن الغذائي بين يوليو (تموز) وديسمبر (كانون الأول) من هذا العام، مقارنة بنحو 1.2 مليون شخص خلال الفترة الممتدة بين أبريل (نيسان) ويونيو.
ويواجه 9 من كل 10 أشخاص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن المائي، فيما تحصل أكثر من نصف الأسر على كميات من مياه الشرب تقل عن الحد الأدنى اليومي البالغ ستة ليترات للفرد، وفق منظمة "واش كلاستر" WASH Cluster السويسرية غير الربحية.
وعلى رغم ذلك، تصر إسرائيل على أنها لا تفرض أي قيود على حجم المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة. وقال الجيش الإسرائيلي إن هذه الاتهامات ليست سوى "ادعاءات منحازة ومتكررة ترددها حركة ’حماس‘ وتعمل على نشرها".
وأضاف: "طوال فترة وقف إطلاق النار، دخلت إلى قطاع غزة كميات من المساعدات الإنسانية تفوق بكثير المتطلبات الإنسانية الدولية، مما أسهم في تحقيق تحسن ملموس في الأمن الغذائي والاستجابة الطبية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة العامة".
لكن الأطباء العاملين على الأرض يقدمون صورة مختلفة تماماً. فالقطاع الصحي، على وجه الخصوص، تعرض لدمار هائل، ولم يشهد أي عملية إعادة بناء حقيقية حتى الآن. بل إنه لا يزال عرضة للهجمات، إذ سجلت منظمة الصحة العالمية 56 هجوماً على مرافق وخدمات الرعاية الصحية هذا العام، أسفرت عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 49 آخرين.
وكانت خدمات رعاية حديثي الولادة من أكثر القطاعات تضرراً، إذ أفاد طبيب يعمل في هذا المجال، في شهادة لمنظمة "المساعدة الطبية للفلسطينيين" (MAP)، بأن عدد المواليد والرضع الذين يحتاجون إلى رعاية مركزة "ازداد بصورة ملحوظة" خلال الأشهر الأخيرة.
ويقول الدكتور أبو خليل: "خلال أسوأ مراحل الحرب، كانت المشكلة الأساسية التي واجهناها تتمثل في التدفق الهائل لمصابي الصدمات إلى المستشفيات. أما اليوم، فنحن نتعامل مع آثار ثلاثة أعوام من الدمار".
ولم تنطلق بعد عملية إعادة إعمار القطاع بصورة جدية. إذ تظهر بيانات الأمم المتحدة أن نحو 82 في المئة من المباني والمنشآت في غزة تعرضت للتدمير أو الأضرار. وقد ظهر حجم الخراب بوضوح عندما حدثت خدمة "غوغل إيرث" صورها الفضائية أخيراً، لتكشف عن مساحات شاسعة تحولت إلى ركام.
أما الوعد الذي قطعه ترمب بإعادة إعمار غزة، فلم يبدأ تنفيذه إلا حديثاً، بعدما اقترح "مجلس السلام" خطة تمتد ستة أشهر بكلفة 2.45 مليار دولار (1.85 مليار جنيه إسترليني)، تشمل 66 مشروعاً لإعادة الخدمات الأساسية، وذلك خلال اجتماع عُقد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكن في ظل تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي التي تشير إلى أن إعادة إعمار غزة بالكامل ستتطلب نحو 71.4 مليار دولار على مدى الأعوام الـ10 المقبلة، تبدو وتيرة التنفيذ بطيئة للغاية.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين في غزة، بات مصطلح "وقف إطلاق النار" مرادفاً للموت والفقر وانعدام الأمن. أما السلام والاستقرار، فلا يزالان مجرد حلم بعيد المنال.
© The Independent