ملخص
خلال عام 2019 قدمت الجزائر تقريراً إلى الأمم المتحدة تضمن أعداد ضحايا الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي التي بلغت نحو 9 ملايين لغم وحصدت أرواح نحو 7300 جزائري.
انتقل ملف الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي على الحدود الجزائرية، خلال حرب التحرير، من دائرة النقاش داخل الجزائر إلى أروقة المحافل الدولية بعد وصوله إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي اتخذ قراراً يتعلق بتأثير الألغام المضادة للأفراد على الضحايا وحاجات أسرهم ومجتمعاتهم.
وأعاد التحرك الجزائري لتطهير المناطق الملوثة ورعاية الضحايا إلى الواجهة السؤال الأكثر حساسية، هل تنتهي مسؤولية القوة الاستعمارية بانتهاء الحرب أم أن آثار هذه الألغام تفتح ملفاً قانونياً وتاريخياً في شأن مسؤولية فرنسا عنها، باعتبارها إرثاً حربياً لا تسقط تبعاته بمرور الزمن؟
في إجابته على هذا السؤال، قال وليد عبيد، الناشط وأحد ضحايا الألغام الاستعمارية، إن "جهود الجزائر والعديد من الدول في إبقاء هذا الملف الإنساني والحيوي تحت أضواء المجتمع الدولي خطوة أدبية معنوية، لكننا كضحايا مباشرين لمخلفات الاستعمار، نرى أن القرار يفتقد إلى الجوهر والشرط الأساس لإعادة الحقوق، وهو إيقاع المسؤولية القانونية المباشرة وإلزام فرنسا الدولة الاستعمارية بالتعويض الشامل والعادل لجميع الضحايا من دون استثناء".
وأوضح عبيد في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن "التركيز على المساعدة والإدماج الاجتماعي، على رغم أهميته، يظل مقصوداً به معالجة النتائج وتجاهل السبب المعاناة الحقيقية لا تنتهي بالوعود الاجتماعية أو البرامج النفسية فقط، بل تبدأ من التعويض المادي والكامل من الدولة المتسببة (فرنسا) تعويض عادل ومستمر، يرتبط بحجم التضحية وخطورة الإصابة الناجمة عن هذه المخلفات الحربية".
وأشار إلى أن أهم مطالب ضحايا الألغام الاستعمارية تتمثل في "التكفل الطبي العالي والمستدام توفير وتوطين الأجهزة الاصطناعية المتطورة وصيانتها مع ضمان العلاج في المراكز الاستشفائية المتخصصة، وتجسيد حقوق الضحايا محلياً ودولياً، والاعتراف الصريح بصفة ضحايا مخلفات الاستعمار، وضمان استحقاقاتهم والعيش الكريم لأسرهم من دون تشتت إداري".
ومضى في تعليقه بالقول، "من دون نص دولي صريح يلزم فرنسا بالتعويض والاعتراف بجرائم مخلفاتها الحربية تبقى هذه القرارات إطاراً إنسانياً عاماً لا يرفع الظلم التاريخي ولا يلبي المطالب المشروعة".
وتشمل ملفات الذاكرة العالقة بين الجزائر وفرنسا إرثاً واسعاً يعود إلى فترة الاستعمار وحرب التحرير وما خلفته من آثار مستمرة، إذ تطرح الجزائر قضية الألغام المضادة للأفراد التي زرعتها القوات الفرنسية على الحدود، إلى جانب ملف التعذيب والاختفاءات والاغتيالات خلال حرب التحرير، والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء وآثارها الصحية والبيئية ومطالب تطهير المواقع وتعويض المتضررين، واستعادة الرفات والجماجم وممتلكات ورموز مرتبطة بالمقاومة، وملف الحركي والأقدام السوداء وضحايا منظمة الجيش السري، والأرشيف الفرنسي وخرائط الألغام والوثائق المتعلقة بالحرب والاستعمار.
قرار أممي
واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أول أمس الأربعاء قراراً في شأن مشروع تقدمت به الجزائر خلال يونيو (حزيران) الماضي، يتعلق بالألغام المضادة للأفراد، وضمان تمتع ضحاياها بجميع حقوق الإنسان، بما في ذلك حقهم في جبر الأضرار، والحصول على التعويضات.
وذكرت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، أن مجلس حقوق الإنسان في جنيف اعتمد بالإجماع القرار المعنون "تأثير الألغام المضادة للأفراد على التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان: تعزيز مساعدة الضحايا"، في إطار دورته الـ63. إذ أفاد البيان بأن المسعى أطلقته الجزائر ضمن مجموعة دول أخرى تضم بيرو وجنوب أفريقيا وفانواتو والمملكة المتحدة وموزمبيق وكرواتيا.
وأوضح المصدر أن "القرار حظي برعاية 70 دولة، مما يجعله من بين القرارات التي استقطبت أكبر عدد من الدول الراعية، ويعكس في الوقت ذاته اتساع دائرة التوافق الدولي حول أبعاده الإنسانية والحقوقية، والثقة التي تحظى بها المبادرة الجزائرية، ونهجها البناء والتوافقي خلال مختلف مراحل المشاورات والمفاوضات التي أفضت إلى اعتماد القرار".
وركز مضمون القرار على حقوق الضحايا وحاجات أسرهم ومجتمعاتهم، مؤكداً أنه ينبغي أن تكون في صميم الجهود الرامية إلى توفير دعم شامل يتمحور حول الضحية، بما في ذلك إعادة إدماجهم اجتماعياً واقتصادياً، معرباً عن القلق من الأثر الخطر للألغام على الحق في الحياة وحرية التنقل والصحة والتعليم والعمل والغذاء الكافي والتنمية.
وشجع القرار على تعزيز نظم جمع البيانات وإدماج الدعم النفسي والاجتماعي في برامج مساعدة الضحايا وضمان نفاذ الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المؤسسات الصحية والمرافق العمومية. ومن أبرز ما جاء به القرار، حث الدول على الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ودعوتها إلى النظر بجدية في الانضمام إلى اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد. ودعا إلى التعاون الدولي لتسريع جهود إزالة الألغام وضمان مساعدة شاملة وغير انتقائية للضحايا وإلى مواصلة التعاون الدولي وتقديم المساعدة التقنية وبناء قدرات الدول المتضررة، لا سيما النامية والأقل نمواً وكذلك الدول الجزرية الصغيرة النامية.
وفي إطار متابعة تنفيذ القرار، نص على عقد حلقة نقاش خلال الدورة الـ66 للمجلس، تخصص لبحث أهمية تعزيز مساعدة الضحايا، ودعا المكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة إلى إيلاء هذه المسألة ما تستحقه من اهتمام ضمن ولاياتهم.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60 دولة حول العالم تعاني تلوث أراضيها بالألغام والذخائر غير المنفجرة، وتتسبب هذه الأسلحة في سقوط آلاف الضحايا سنوياً، غالبيتهم من المدنيين، بخاصة الأطفال، الذين يخلطون بينها وبين الألعاب.
وخلال الـ15 من يونيو (حزيران) الماضي، عرض ممثل الجزائر بمجلس حقوق الإنسان، إدريس لطرش، القضية خلال دورة المجلس الـ62، وذكر أنها "لا تنتمي فحسب إلى الذاكرة التاريخية أو المقاربة الأمنية، بل تظل رهاناً حقيقياً معاصراً لحقوق الإنسان، لا تزال تبعاته تثقل كاهل السكان بالحدود الشرقية والغربية".
سلاح صامت
وأقامت السلطات الاستعمارية الفرنسية "خط موريس" المكهرب، الذي سمي نسبة إلى وزير الدفاع الفرنسي السابق أندريه موريس، على الحدود مع المغرب، وامتد على طول نحو 700 كيلومتر. ووضع الخط تحت مراقبة دائمة ابتداءً من يوليو (تموز) 1957، وعزز بحقول واسعة من الألغام، قبل أن تدعمه فرنسا بـ"خط شال"، الذي حمل اسم الجنرال موريس شال، على الحدود الشرقية مع تونس وليبيا، بطول 460 كيلومتراً بين عامي 1958 و1960.
وخلال عام 2019، قدمت الجزائر تقريراً إلى الأمم المتحدة تضمن أعداد ضحايا الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي التي بلغت نحو تسعة ملايين لغم وحصدت أرواح نحو 7300 جزائري.
ووصفت الجزائر في التقرير "بدقة الجهود المبذولة منذ عشرات السنين، سواء في مجال التطهير أو التحسيس حول أخطار هذه الألغام التي خلفت 4830 ضحية جزائري خلال الثورة و2470 ضحية بعد الاستقلال، ومتسببة في نسبة عجز بـ20 في المئة في الأقل عن بقية المتضررين"، حسب ما أفادت به وكالة الأنباء الجزائرية.
وأشار التقرير إلى أن العدد الأكبر لضحايا الألغام المضادة للأفراد قد جرى تسجيله بالمناطق الحدودية الرئيسة المعنية ابتداءً منذ عام 1956، بمرور خطي شال وموريس، أي على مستوى ولايات الطارف وسوق أهراس وقالمة وتبسة (الناحية الشرقية) وولايات تلمسان والنعامة وبشار (الناحية الغربية).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشف التقرير عن أن العدد الإجمالي للألغام الفرنسية في الجزائر منذ عام 1956 بلغ نحو ثمانية ملايين و800 ألف لغم مضاد للأفراد ما تطلب تطهير نحو 62 ألف هكتار من الأراضي الجزائرية، فيما بلغ عدد ضحايا تلك الألغام 7300 شخص.
وأكدت الوثيقة أن الجزائر قد شرعت منذ عام 1963 (قبل التوقيع على معاهدة أوتاوا عام 1997 حول تدمير الألغام المضادة للأفراد)، أي بعد سنة من الاستقلال وإلى غاية 1988، في الإزالة التلقائية للألغام من للمناطق التي زرعها المحتل الفرنسي خلال ثورة التحرير الوطنية والتي سمحت باكتشاف أكثر من سبعة ملايين و819 ألفاً و120 لغماً.
وأوضحت الوثيقة أن الجزائر شرعت في إطار معاهدة أوتاوا، خلال الفترة من 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004 إلى الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2016، في نزع الألغام من أهم المناطق الحدودية المتضررة من مرور "خطي شال وموريس"، والتي سمحت بتدمير مليون و35 ألفاً و729 لغماً (إزالة شهرية تفوق 1750 لغماً)، وتطهير 12 مليوناً و418 ألفاً و194 هكتاراً من الأراضي وإطلاق حملات للتشجير في الأراضي منزوعة الألغام.
وأبرز التقرير كذلك "دور السلطات في تقديم الرعاية الاجتماعية والصحية لضحايا الألغام المضادة للأفراد الذين بقوا على قيد الحياة"، مشيراً إلى استمرارية الإجراء القانوني الذي يمنح تعويضات لضحايا الألغام الذين لا يزالون على قيد الحياة، الصادر في يناير (كانون الثاني) 1974.
وخلال عام 2007، سلمت السلطات الفرنسية للجزائر خرائط لمزارع وحقول الألغام التي زرعتها، غير أن متابعين للملف رأوا أن هذه الخرائط باتت غير مجدية لعدة عوامل طبيعية بينها انجراف التربة والتحولات البيئية التي شهدتها مناطق واسعة من الجزائر.
وقد أدى العقيد الروسي المتقاعد أندريه بافيلينكو، دوراً رئيساً بعيد الاستقلال (1962 – 1965) في مساعدة الجزائر في عمليات إزالة الألغام التي زرعها الاحتلال الفرنسي خلال الثورة، على طول الشريط الحدودي الشرقي والغربي للبلاد.
يذكر أن بافيلينكو، قد جرى تكريمه من قبل الرئيس الجزائري عام 2023، حيث منحه وسام الاستحقاق الوطني خلال زيارة قادته إلى روسيا، كما كرمه رئيس أركان الجيش، الفريق أول السعيد شنقريحة، خلال عام 2024.
سند أممي
ويفتح القرار الباب أمام الجزائر، لإيجاد سند أممي لملف تطهير أراضيها من الألغام الموروثة عن الاستعمار بالنظر إلى تجربتها في نزع الألغام ومخلفات التفجيرات النووية الفرنسية في صلب مساعيها لتحقيق خطوة في مسار "مصالحة الذاكرة" مع فرنسا، كأحد الشروط الأساسية لإرساء علاقات ثنائية متوازنة.
وكانت الجزائر قد أقامت مؤتمراً دولياً أواخر عام 2025 حول جرائم الاستعمار في أفريقيا، والذي توج باعتماد "إعلان الجزائر"، قبل أن يحظى بدعم قمة الاتحاد الأفريقي مطلع العام الحالي.
ودعا الإعلان إلى الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، وترسيخ تجريم الاستعمار ضمن قواعد القانون الدولي، والحفاظ على الذاكرة التاريخية، واسترجاع الأرشيفات والممتلكات الثقافية، وإثبات المسؤولية القانونية عن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي خلفها الاستعمار، بما في ذلك الملفات المرتبطة بالتجارب النووية وخرائط الألغام.
وتبع ذلك مسار قانون جزائري خاص لتجريم الاستعمار، صادق عليه البرلمان خلال السنة الجارية، وورد فيه أن الاستعمار الفرنسي "جريمة دولة"، وأدرج ضمن الملفات الأساسية التي يطالب في شأنها بالاعتراف الرسمي الألغام المضادة للأفراد، إلى جانب الأرشيف والتفجيرات النووية ورُفات المقاومين.