ملخص
ترجع القضية إلى حجة وقف حررها الأمير مصطفى عبد المنان عام 1008 هجرية، الموافق 1599-1600 ميلادية، خصص بموجبها أراضي وعقارات لأغراض خيرية، وظلت الحجة محفوظة في السجلات حتى عادت إلى الواجهة في مايو الماضي، مع وقف الشهر العقاري إجراءات التسجيل والتصرف في الأراضي الواقعة ضمن نطاقها لحين حصرها ومراجعة مستنداتها، وفي المقابل يتمسك أصحاب أراض بأن ملكياتهم انتقلت إليهم عبر البيع والشراء والميراث، وسجلت أجزاء منها وأقيمت عليها مبان ومشروعات على مدى أعوام طويلة.
"مَنْ مصطفى المنان الذي خرج علينا فجأة، وبسببه تقف الحياة في ثلاث محافظات مصرية؟"، بهذه العبارة بدأ القانوني وأحد أصحاب الأملاك في زمام البرلس بمحافظة كفر الشيخ (شمال مصر) الواقعة ضمن نطاق ما عرف إعلامياً بـ"وقف المنان"، جمال حميدان، حديثه عن الأزمة.
بصوت مدهوش يقول حميدان إنه فوجئ كأحد أصحاب الأملاك، بإجراءات تمنع الترخيص أو التعامل على الأراضي، على رغم التطمينات بإنهاء الأزمة وتحرير التعامل عليها، متسائلاً، "قبل أن يتحدثوا عن آلاف الأفدنة باعتبارها ملكية لأمير يدعى مصطفى المنان، هل درست الحكومة حجية الوقف وصحتها من عدمها؟"، مشيراً إلى أن إثبات ملكية الوقف نفسه "يستلزم التحقق من أصل الملكية"، مضيفاً أنه حتى مع افتراض صحة الوقف، فإن الدولة "باعت خلال الأعوام السابقة مساحات من الأراضي، وتملك أشخاص، وسجلوا ملكياتهم وأصبحت لهم حقوق عليها".
وتدور القصة حول أراض تقول الجهات المعنية إنها تدخل ضمن نطاق وقف منسوب إلى أمير يدعى مصطفى عبدالمنان، وتشمل مساحات واسعة في محافظات كفر الشيخ ودمياط والدقهلية، وفي السادس من مايو (أيار) الماضي أصدرت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق المنشور الفني رقم 8 لسنة 2026، الذي وجه بوقف الإجراءات والتعاملات والتصرفات المتعلقة بالأراضي محل حجة الوقف إلى حين الانتهاء من حصرها، وطالب نواب بإلغاء المنشور، فيما قال ملاك ومتضررون إنه عطل معاملات مرتبطة بهذه الأراضي.
تجميد التعاملات
يستند حميدان في اعتراضه أيضاً إلى ما يراه حقوقاً ترتبت لأصحاب الأراضي نتيجة حيازتهم لها، والتعامل عليها أعواماً طويلة، معتبراً أن هذه الحيازة وما جرى عليها من بيع وتسجيل ومعاملات سابقة "يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند بحث ملكية الأراضي محل الخلاف".
وتبلغ مساحة الأراضي المنسوبة إلى وقف الأمير مصطفى عبدالمنان نحو 420 ألف فدان موزعة بين المحافظات الثلاث السابق ذكرها، ويمتد نطاقها، وفق البيانات المنشورة عن الوقف، إلى مناطق تضم مدينة دمياط الجديدة وميناء دمياط ومدينة رأس البر، ويشمل مناطق واسعة في كفر الشيخ، بينها بلطيم وبحيرة البرلس ومناطق ساحلية، وفي الدقهلية مناطق بينها جمصة وامتدادات ساحلية باتجاه دمياط.
ولا يخفي حميدان قلقه مما قد تؤول إليه الإجراءات الحالية بالنسبة إلى أصحاب الأراضي، ويقول إنه "لا يجد تفسيراً واضحاً لما يجري، ولا يستبعد أن تكون هناك ترتيبات لم يعلن عنها بعد"، مؤكداً "نحن نريد أن نعرف على أي أساس قانوني اتخذت هذه الإجراءات، وهل ستطاول ملكيات أخرى أو تعطل معاملات أصحابها؟".
ولا يختلف ما يقوله حميدان كثيراً عن مخاوف أصحاب الأملاك المتنازع عليها في دمياط والدقهلية، إذ يقول متضررون إن الإجراءات الأخيرة عطلت معاملات، وأوقفت مصالح مرتبطة بأراض تقع ضمن نطاق الخلاف، وإلى دمياط، أكثر المحافظات تضرراً مما يثار حول الوقف، يقول عضو مجلس النواب عنها ضياء الدين داوود، لـ"اندبندنت عربية"، إن سبب إعادة فتح الملف وتقديم طلبات إحاطة جديدة يعود إلى بداية دور الانعقاد، بعدما كانت الحكومة قد تعهدت حل المشكلة في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، قبل فض دور الانعقاد الماضي، لكنها، بحسب قوله، "أبرمت تعهدات أمام البرلمان ولم تف بها".
وترجع القضية إلى حجة وقف حررها الأمير مصطفى عبدالمنان عام 1008 هجرية، الموافق 1599-1600 ميلادية، خصص بموجبها أراضي وعقارات لأغراض خيرية، وظلت الحجة محفوظة في السجلات حتى عادت إلى الواجهة في مايو الماضي، مع وقف الشهر العقاري إجراءات التسجيل والتصرف في الأراضي الواقعة ضمن نطاقها لحين حصرها ومراجعة مستنداتها، وفي المقابل يتمسك أصحاب أراض بأن ملكياتهم انتقلت إليهم عبر البيع والشراء والميراث، وسجلت أجزاء منها وأقيمت عليها مبان ومشروعات على مدى أعوام طويلة.
وكان وزير الأوقاف المصري أسامة الأزهري قد تعهد أمام النواب، بحسب داوود، بأن الأزمة انتهت، وأن قراراً من مجلس الوزراء سيصدر قبل الـ30 من يونيو لوقف المنشور الفني رقم 8 لسنة 2026، المتعلق بوقف التعامل على الأراضي الموجودة داخل المحافظات الثلاث، التي يقال إنها تابعة لوقف المنان، ومرت ثلاثة أشهر من دون صدور قرار من مجلس الوزراء، فيما يقول داوود إن حال الجمود الاقتصادي في المحافظات الثلاث "لا تزال على حالها، من دون تغيير أو تدخل حكومي لحل الأزمة".
وتتركز مطالب نواب المحافظات الثلاث، وفق داوود، في وقف المنشور الفني رقم 8 ورفع المنازعة عن أملاك الأفراد التي توارثوها وتلقوها وتعاملوا عليها بأموالهم طوال الأعوام الماضية، ويقول إن هذه الأراضي لا يوجد، بحسب ما لديه، ما يثبت دخولها ضمن وقف المنان، ولا يظهر في الأثر التاريخي لجمهورية مصر العربية ما يثبت وجود أمير يسمى مصطفى عبدالمنان يمكن أن تكون له ملكية 420 ألف فدان، وهي مساحة يقول إنها تعادل سبعة في المئة من مساحة الأراضي الزراعية في مصر.
ماذا دار بين النواب و"الأوقاف"؟
يشمل وقف المنان، بحسب داوود، مساحات تساوي محافظات بأكملها، إذ يمتد نطاقه في دمياط (شمال مصر) من مدينة رأس البر بالكامل إلى نصف مركز دمياط، ويتساءل، "هل أصبحت أولاد الأمير المنان؟"، معتبراً أن هذا الحديث "غير معقول"، ويؤكد أن ما يهم النواب هو إنهاء الأزمة، بينما تعود طريقة الحل إلى الحكومة بما يرفع المنازعة عن المواطنين.
وفي ما يتعلق بشكاوى المواطنين وأصحاب الحيازات، يقول داوود إن الإجراءات الحالية تسببت في "شلل اقتصادي كامل في المحافظات التي تقع أجزاء من أراضيها داخل نطاق الوقف، بعدما صدرت تعليمات إلى الشهر العقاري بعدم إبرام أي توكيلات بخصوص أراض داخل هذا النطاق"، معتقداً أن إلغاء المنشور الفني رقم 8 سيعيد تحرير تعاملات الناس على أراضيهم وأملاكهم الخاصة.
ومن بين الملفات العالقة أيضاً أوراق التصالح على الأراضي المدعى وقوعها داخل أعيان الأمير مصطفى المنان، إذ يرى داوود ضرورة قبولها في المحافظات الثلاث، وكانت هذه من بين الإشكالات التي جرى بحثها مع وزير الأوقاف خلال جلسة الـ10 من يونيو الماضي، وفق حديثه، فيما يشير إلى أن البرلمان أدرج في تقريره الختامي لدور الانعقاد الأول إنهاء أزمة وقف الأمير مصطفى عبدالمنان ضمن أحد أهم إنجازاته.
ولا يزال أثر القرار داخل الجهات الحكومية، إذ ظهرت شكاوى من مواطنين وأصحاب أراض في شأن تعطل معاملات مرتبطة بالعقارات الواقعة ضمن نطاق الوقف، فيما امتد الأمر إلى الطعن على القرار أمام القضاء الإداري.
ومن دمياط إلى الدقهلية، يقول أحد ممثليها النائب أحمد السنجيدي، لـ"اندبندنت عربية"، إن عدد النواب الذين شاركوا في مناقشة طلبات الإحاطة الأولى كان في حدود 17 نائباً، موضحاً أن وزير الأوقاف تأخر عن الحضور، وأن رئيس اللجنة أبلغ النواب بأن سبب تأخره هو جلوسه مع رئيس الوزراء حتى يأتي بالحل.
وبحسب السنجيدي، انتظر النواب وصول الوزير على رغم تأخره عن الموعد، على أمل أن يأتي بالحل، وعندما وصل أخبرهم بأنه سيجري إبلاغ الشهر العقاري، ويقول السنجيدي إن مطالب النواب كانت إلغاء المنشور رقم 8، وإن الوزير وعد بحل الأزمة وإبلاغ الشهر العقاري بالتعامل بناءً على الاجتماع الذي جرى بينه وبين رئيس الوزراء، وهو الاجتماع الذي كان، وفق قوله، سبباً في تأخر الوزير عن حضور اللجنة.
ووفق السنجيدي كان من المفترض بعد إدلائه بهذه التصريحات في اللجنة وتسجيلها في مضبطة الجلسة أن يصدر قرار التنفيذ خلال أسابيع قليلة، لكنه يرى أن امتداد المدة من مايو إلى أكتوبر يعني أن "أشياءً دفعت الأمور إلى الإيقاف مرة أخرى"، مما استدعى، بحسب قوله، تقديم طلبات إحاطة جديدة لمعرفة أين الوعود والتوصيات التي لم تنفذ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يضيف السنجيدي أن النواب يتلقون شكاوى من المواطنين الذين يقولون إنهم لا يستطيعون التصرف في ممتلكاتهم ولا يعرفون مصيرهم، مؤكداً أن النواب "لا نقدم طلبات إحاطة من دون سبب يستدعي. وجدنا منشوراً صدر فجأة ومن دون مقدمات، مما دفعنا إلى المطالبة بمعرفة مصير الأهالي وأراضيهم".
ويتابع السنجيدي أن الأمر قد يتكرر، بحسب ما يراه، إذا ظهر منشور آخر يتعلق بوقف آخر في وسط الدلتا أو القاهرة الكبرى أو الصعيد، متسائلاً عن كيفية عدم معرفة حدود ملكيات الأراضي، بينما "مصر دولة عتيقة"، على حد تعبيره، وكل مكان فيها موثق ومعروف تاريخه، وبحسب السنجيدي، تثار تساؤلات حول أوضاع الملكيات خلال الفترات السابقة، قائلاً، "خلال الفترة الماضية كيف تملك من تملك؟ وأين كانت هذه الوثيقة خلال الفترات السابقة؟ هذا كلام غير منطقي".
في حين يقول عضو مجلس النواب عن كفر الشيخ محمد السعيد عبيدي إنهم لا يعرفون سبب تعطل حل الأزمة طوال هذه الأشهر، مشيراً إلى أن استمرار الإجراءات ألحق خسائر بالمتعاملين على الأراضي، وأثر في الاستثمارات وعمليات البيع والشراء ومشروعات أخرى تعطلت بسبب توقف التعاملات. ويلفت عبيدي في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى أن ما يتلقاه من شكاوى يعكس حالاً من الاستياء في الشارع بسبب أزمة وقف المنان، واصفاً الوضع بأنه "شلل رباعي" نتيجة القيود المفروضة على التعاملات، ويضيف أنه يتلقى يومياً شكاوى وطلبات وخطابات في شأن منع التعامل على هذه الأراضي، مؤكداً أن النواب سيواصلون التحرك في القضية "إلى أن نصل إلى حل نهائي".
وحين تواصلت "اندبندنت عربية" مع وزارة الأوقاف، أحالتنا إلى موقفها المعلن في بيان سابق يعود إلى مايو الماضي، أعادت صفحة مجلس الوزراء نشره أخيراً، وقالت الوزارة حينها إنه "لا مساس بحقوق المواطنين في المحافظات الثلاث من أصحاب المراكز القانونية المستقرة داخل نطاق وقف عبدالمنان"، مع استئناف إجراءات التصالح في المحافظات الثلاث فوراً تخفيفاً عن المواطنين، وتعويض هيئة الأوقاف بأراض بديلة من أراضي الدولة، واستمرار الاجتماعات لإنهاء بقية النقاط العالقة المتعلقة بالوقف، لكن في المقابل، يقول أعضاء في مجلس النواب ومتضررون في المحافظات الثلاث "إنه لم يطرأ أي تحسن أو تحريك للملف منذ ذلك الحين".