Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تتعثر باكستان في القضاء على الإرهاب؟

برزت كأكثر الدول تضرراً من هذه الآفة في العالم

زادت وتيرة العمليات الإرهابية في باكستان خلال الأعوام الـ5 الماضية (أ ف ب)

ملخص

تمر حرب باكستان الحالية ضد الإرهاب بمرحلة صعبة، ومن غير المرجح أن تحسم بين ليلة وضحاها، وسيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تتمكن الأجهزة الأمنية من استعادة السلام. هذه الحقيقة المرة يجب تحملها والاعتراف بها ويتعين على المجتمع دعم الدولة بصورة كاملة، فمن دونها يستحيل تحقيق النجاح في مكافحة الإرهاب.

تراجعت عدد العمليات الإرهابية في باكستان إلى 285 عملية إرهابية عام 2020، بحسب بيانات منصة جنوب آسيا لمكافحة الإرهاب، بعدما وصلت ذروتها عام 2013 بنحو 4000 عملية إرهابية خلال عام واحد. وتنفس مواطنو المناطق القبلية والأجهزة الأمنية الصعداء بعد حرب مرهقة وطويلة ضد حركة "طالبان" الباكستانية استمرت عقداً كاملاً، وراح ضحيتها عشرات آلاف المواطنين وأفراد من قوات الأمن الباكستانية، وبدأت الحياة تعود لطبيعتها في إقليم خيبر بختونخوا المحاذي لأفغانستان، لكن هذا التعافي كان موقتاً، فبعد نجاح عملية "ضرب عضب" العسكرية وتشديد الخناق على الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون بدعم من المؤسسات المدنية ومساندة السكان المحليين، هرب عدد كبير من المسلحين إلى أفغانستان، حيث حاولوا التجمع والعودة مرة أخرى إلى الأراضي الباكستانية.

تزامنت محاولة استعادة المسلحين الفارين إلى أفغانستان قوتهم مع انحسار العمليات العسكرية في باكستان والاكتفاء بالنجاحات المحققة من جهة، ومع انسحاب القوات الأميركية وعودة "طالبان" الأفغانية إلى السلطة في كابول عام 2021 من جهة أخرى.

 

وظنت الأجهزة الباكستانية أن إدارة كابول الجديدة سترد الجميل لباكستان التي دعمتها سراً خلال حربها ضد الولايات المتحدة، وستقف إلى جانبها أمام خطر الإرهاب، وأخطأت التقدير عن نوايا حركة "طالبان" الباكستانية، وعرضت على مقاتليها العودة للأراضي الباكستانية مقابل إلقاء السلاح وإنهاء الحرب، من دون أن تدرك أنها تدفع نفسها في فخ يصعب الخروج منه، فحكومة "طالبان" لم تتخذ موقفاً حاسماً من حركة "طالبان" الباكستانية، بل عرضت تقديم وساطة بينها وبين الحكومة الباكستانية، والمسلحون لم يكونوا يرغبون في إلقاء السلاح والانخراط في العملية السياسية، بل إن الانسحاب الأميركي من أفغانستان زادهم تشدداً على موقفهم ويقيناً بجدوى عملهم المسلح.

وتشير البيانات إلى تزايد العمليات الإرهابية عام 2021 والأعوام التي تلته، لتصل نحو 2000 عملية إرهابية خلال الأشهر التسعة الأولى فقط من العام الحالي، أي نحو 10 أضعاف عدد العمليات التي شهدتها باكستان عام 2020.

تثير هذه البيانات أسئلة حول أسباب الفشل في القضاء على الجماعات المتطرفة على رغم عديد من العمليات العسكرية الكبرى وانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان والادعاءات المتكررة بتفكيك الشبكات الإرهابية، مما يحير الجميع هو كيف ولماذا تعيد الشبكات الإرهابية تنظيم صفوفها بعد طردها من ملاذاتها؟ والحقيقة أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تسلط الضوء فقط على التحدي المعقد في مكافحة الإرهاب، بل تشير أيضاً إلى أوجه القصور في السياسة المتبعة حالياً في التعامل مع الإرهاب.

يذكر أن باكستان قدمت على مدى السنوات الـ25 الماضية تضحيات جسيمة في الأرواح والممتلكات في سبيل مكافحة الشبكات الإرهابية، لكن بعد انتصار "طالبان" في أفغانستان وانسحاب الولايات المتحدة، عاد الإرهاب للظهور في باكستان بسبب الملاذات الآمنة التي وفرتها الإدارة الجديدة في كابول، فضلاً عن الدعم المالي واللوجستي، بحسب مزاعم الحكومة الباكستانية، ونتيجة لذلك، برزت باكستان كأكثر الدول تضرراً من الإرهاب في العالم، وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026.

وتقف اليوم الحكومة الباكستانية أمام تحدي الإرهاب وقد أصبح وحشاً تصعب السيطرة عليه، والدعم الشعبي لبدء عملية عسكرية جديدة شبه معدوم، وعدد القتلى يزداد يوماً بعد يوم، فما هي التحديات التي تواجهها باكستان وأين تتعثر في القضاء عليها؟

غياب التنسيق بين المؤسسات الحكومية

يعد إقليم خيبر بختونخوا الأكثر تضرراً من هجمات حركة "طالبان" الباكستانية، ويكمن التحدي في مواجهة هذا التهديد في الفجوة بين موقف حكومة الإقليم التي يترأسها حزب عمران خان "حركة الإنصاف"، وسياسة الحكومة المركزية التي يترأسها "حزب الرابطة الإسلامية"، وتعكس الخلافات السياسية بين الجانبين في التعامل مع ملف الإرهاب أيضاً، إذ لا يقتصر الخلاف على تعامل الحكومة المركزية مع عمران خان الذي يقضي عامه الثالث خلف القضبان، بل في سياسة مكافحة الإرهاب نفسها.

ويرجح حزب عمران خان عقد محادثات مع المسلحين وإيجاد حل وسط معهم بطريقة سلمية وعدم اللجوء إلى الخيار العسكري إلا بعد نفاد كل الخيارات الأخرى. ويقف الحزب بصرامة ضد عمليات الطائرات المسيرة التي تشنها القوات الباكستانية على مواقع الإرهابيين ويسقط على إثرها ضحايا مدنيين أيضاً.

في المقابل تتحدث الحكومة المركزية والمؤسسة العسكرية عن اجتثاث خطر الإرهاب باستخدام القوة، وتتهم حكومة الإقليم بأنها لا تقوم بواجبها تجاه الجماعات المسلحة. وبالطبع، فإن حركة "طالبان" الباكستانية والجماعات الإرهابية الأخرى تستفيد من هذه الثغرة وتستغل الفجوة بين مواقف الحكومة لتعزيز وجودها وعملياتها التخريبية داخل باكستان.

غياب استراتيجية ما بعد الحرب

التوازن بين التدابير العسكرية وغير العسكرية أمر بالغ الأهمية لتحقيق نجاح مستدام في مكافحة الإرهاب، إذ لا بد من العمليات العسكرية أن تتبعها استراتيجية متكاملة تشمل التصدي الفكري للأيديولوجيات المتطرفة وتعزيز الاعتدال والإصلاحات في مجال التعليم وتحسين الحوكمة وضمان التماسك والاستقرار الاجتماعي. وفي حال تجاهل هذه الخطوات فإن المكاسب المحققة من العمليات العسكرية تتلاشى تدريجاً، إذ تستخدم القوة العسكرية لتمهيد الطريق للعملية السياسية وخلق بيئة مُواتية تمكن الدولة من ترسيخ سيطرتها.

الاعتماد المفرط من قبل باكستان على العمليات العسكرية وصعوبة تنفيذ الجوانب غير العسكرية لمكافحة الإرهاب بطريقة معقولة أدَّيا دوراً كبيراً في استمرار الإرهاب.

نجحت باكستان في تدمير البنية التحتية للإرهاب واستتباب الأمن وسيادة الدولة في المناطق القبلية وبلوشستان وكراتشي بعد عملية "ضرب عضب"، لكن غياب التدابير غير العسكرية قوض هذه المكاسب التي تحققت بعد تقديم تضحيات كبيرة.

في هذا السياق، قال المسؤول السابق في الأمن الباكستاني سيد كليم إمام إن ثمة أشياء يجب التركيز عليها في القضاء على الإرهاب إلى جانب الحلول العسكرية، مضيفاً "يجب ألا نخلق متشددين جدداً بسبب الطريقة التي نقضي فيها على المتشددين الحاليين"، وتابع إمام "استخدام القوة يكون ضرورياً أحياناً، لكن ليس بصورة مفرطة. العقاب الجماعي والأضرار الجانبية للعمليات العسكرية والاعتقالات التعسفية وإذلال الناس تنفر المجتمع من الأجهزة الأمنية بدلاً من تعزيز الثقة بها، هذه الاستراتيجية القمعية قد تقضي على إرهابي واحد لكنها تسهم في خلق إرهابيين آخرين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجوار المعادي

أحد الأسباب وراء تعثر إسلام آباد في القضاء على الإرهاب هو صعوبة الوضع على حدودها، حيث يتم تهريب الأسلحة المتطورة وتسود الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية التي تستغلها الشبكات الإرهابية، إضافة إلى أن باكستان محاطة بواحدة من أكثر المناطق اضطراباً وعداءً في العالم، وقد خلقت سياسة الهند العدائية المستمرة تجاه قضية كشمير ودعمها السري للجماعات الانفصالية البلوشية تحديات كبيرة لأجهزة الأمن الباكستانية.

في الجانب الغربي من الحدود، أصبحت باكستان بسبب حكم "طالبان" في أفغانستان ودعمها لحركة "طالبان" الباكستانية واحدة من أكثر دول العالم تضرراً من الإرهاب.

من جانب آخر، أسهمت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في الشرق الأوسط أيضاً في تعقيد الوضع الأمني في باكستان، وقد خلق عدم الاستقرار في إيران بيئة خصبة لنمو الإرهاب، لا سيما بالنسبة إلى جماعات مثل "جيش تحرير بلوشستان" المحظور وتنظيم "داعش – خراسان".

السلاح الأميركي وتحالف الجماعات الإرهابية

أسهمت الأسلحة والتكنولوجيا الحديثة التي خلفتها الولايات المتحدة في أفغانستان في تعزيز قدرات الجماعات الإرهابية، إذ غيرت أسلحة مثل بنادق M4 وM16 ومناظير الرؤية الليلية وهواتف الأقمار الاصطناعية المستخدمة للاتصالات الآمنة وجه التمرد في باكستان بصورة جذرية، وتستخدم كل الجماعات الإرهابية تقريباً في باكستان هذه الأسلحة المتطورة وأجهزة الاتصال الجديدة.

في الوقت ذاته، أضافت قدرة هذه الشبكات الإرهابية على تعديل الطائرات الرباعية المتاحة بصورة شائعة لأغراض الاستطلاع والهجمات طبقة جديدة من التعقيد التكتيكي إلى الحرب على الإرهاب.

وتستخدم حركة "طالبان - باكستان" و"جيش تحرير بلوشستان" طائرات رباعية المراوح المتاحة في الأسواق في الهجمات والاستطلاع، مما أدى إلى ضغط نفسي على الأجهزة الأمنية الباكستانية وأجبرها أيضاً على شراء أنظمة مضادة للطائرات المسيرة.

من جانب آخر، أدَّت التحالفات الاستراتيجية والتكتيكية بين الجماعات الإرهابية فضلاً عن تنافسها في ما بينها دوراً في استمرار التطرف في باكستان، إذ كلما ازدادت هذه الجماعات تحالفاً ازدادت فتكاً وطالت فترة بقائها. ومنذ عودة "طالبان" إلى السلطة في أفغانستان، استقطبت حركة "طالبان" الباكستانية أكثر من 100 فصيل مسلح إلى صفوفها. وفي الوقت ذاته، وعلى رغم اختلاف توجهاتهما الأيديولوجية، تسامح كل من "جيش تحرير بلوشستان" وحركة "طالبان – باكستان" مع الأخرى في مواجهة الدولة الباكستانية في بلوشستان.

من جهة أخرى أسهم صراع السيطرة على الأراضي والتنافس على أقصى درجات العنف بين حركة "طالبان – باكستان" والجماعات الإرهابية المنافسة لها في خيبر بختونخوا باستمرار التطرف. ففي ظل هذا التنافس، تسعى الجماعات المسلحة إلى التفوق على بعضها بعضاً من خلال شن هجمات واسعة النطاق وكسب تعاطف الفصائل الأصغر.

غياب العلاقة بين الدولة والمواطن

إن غياب الحوكمة، أي وجود هيكل حكومي يلبي حاجات المواطنين ويوفر لهم الرعاية والفرض المطلوبة، هو العامل الوحيد الذي يسمح للشبكات المتطرفة باستغلال حاجة المواطنين وتجنيد الفئات الضعيفة في صفوفها. وتعد الحوكمة الرابط القوي الذي يجمع الدولة والمجتمع، وعند غيابها، تهيئ الجماعات المسلحة مواقعها بعناية لاستغلال هذا الغياب، لذا فإن تحسين الحوكمة وتعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع والتركيز على المرونة الاجتماعية في مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة تمكن الدول من مواجهة التحديات المتطرفة والتصدي لها.

تمر حرب باكستان الحالية ضد الإرهاب بمرحلة صعبة ومن غير المرجح أن تحسم بين ليلة وضحاها، وسيستغرق الأمر بعض الوقت حتى تتمكن الأجهزة الأمنية من استعادة السلام. هذه الحقيقة المرة يجب تحملها والاعتراف بها ويتعين على المجتمع دعم الدولة بصورة كاملة، فمن دونها يستحيل تحقيق النجاح في مكافحة الإرهاب.

وبحسب سيد كليم إمام فقد حان الوقت للنظر إلى ما هو أبعد من السلاح، فالتطرف يتغذى على الحرمان وضعف الحكم والظلم والخطابات المتطرفة وانعدام الفرص، مضيفاً "القضاء على التطرف وإبقاء أسباب الظلم والحرمان ليسا إلا إعادة عقارب الساعة إلى نقطة الصفر. ينبغي عدم قياس النجاح فقط بعدد الإرهابيين الذين يقتلون، فإذا كان قتل الإرهابيين كافياً فلماذا يعود الإرهاب مراراً وتكراراً؟

أخيراً، تتعثر باكستان اليوم في القضاء على الإرهاب الذي يشكل تحدياً متعدد الأوجه للدولة، لكنها لو اتبعت سياسة متكاملة تشمل الجانب العسكري وتحسين الحوكمة والتنسيق المتبادل بين المؤسسات الحكومية فإن زوال هذا الخطر لن يكون صعباً.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

المزيد من تقارير