ملخص
سجلت العلامات الصينية في سبتمبر حصة تتراوح بين خمس السوق البريطانية للسيارات الجديدة وربعها تقريباً، فيما تراجع إنتاج المصانع البريطانية 7.5% في النصف الأول من العام. وتواجه الصناعة في الوقت ذاته استحقاقين أوروبيين متزامنين. الأول قواعد منشأ أشد صرامة على البطاريات تسري مطلع يناير 2027، والثاني قانون "صنع في أوروبا" الذي قد يحرم السيارات البريطانية من حوافز سوقها الأكبر.
قبل بضعة أيام نشرت جمعية مصنعي وتجار السيارات (SMMT) أرقامها الأولية لتسجيلات المركبات في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو أحد شهرين خلال العام يتغير فيهما رمز لوحات الأرقام، ويقبل فيهما البريطانيون على شراء السيارات الجديدة. تصدرت القائمة "جايكو 7" بـ10813 سيارة، تلتها "تسلا موديل 3" بـنحو 10 آلاف سيارة، ثم "فورد بوما" بـ6958، فيما حلت "نيسان قشقاي" سادسة بـ5554 سيارة.
و"جايكو 7" سيارة رياضية متعددة الاستخدامات تنتجها مجموعة "شيري" الصينية، ولكن الصدارة لم تقتصر على طراز واحد. فبحسب مجلة "أوتوكار"، استحوذت الشركات الصينية على 23 في المئة من سوق المملكة المتحدة خلال الشهر، وحلت "بي واي دي" ثانية بين العلامات بأكثر من 20 ألف سيارة تسجيلاً متقدمة على "كيا"، ولم يسبقها سوى "فولكسفاغن".
قدرت صحيفة "اندبندنت" حصة العلامات الصينية في سيارات سبتمبر بنحو 20 في المئة. وتتفاوت التقديرات بحسب الجهة التي تتولى الاحتساب، لكنها تتفق على حجم القفزة. فوفق مؤشر جمعية السيارات البريطانية (AA)، بلغت حصة العلامات الصينية 15.8 في المئة في أغسطس (آب)، أي قرابة ثلاثة أضعاف حصتها قبل عام والبالغة 5.5 في المئة.
يقول الرئيس التنفيذي للجمعية مايك هاوز إن المنافسة الحادة يقودها الوافدون الجدد بالدرجة الأولى، من خلال عروض مغرية تجذب مشترين كانوا سيكتفون بالسيارات المستعملة. توحي الصورة للوهلة الأولى بعلاقة سببية مباشرة: السيارة الصينية تكسب السوق فتخسر المصانع البريطانية. غير أن الأرقام أكثر تعقيداً من ذلك. فقد هبط الإنتاج في 2025 بنسبة 15.5 في المئة إلى 764715 مركبة، ونسب هاوز ذلك إلى تحولات هيكلية وحواجز تجارية جديدة وهجوم إلكتروني أوقف الإنتاج لدى "جاغوار لاند روفر". وتذهب نحو ثلاثة أرباع الإنتاج إلى التصدير، إذ بلغت حصة الصادرات 76.4 في المئة في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي. ومعنى ذلك أن المعركة الحاسمة لمصانع السيارات في بريطانيا لا تدور في صالات عرض المملكة المتحدة، بل في السوق الأوروبية.
على رغم ذلك، فالضغط الصيني على السوق المحلية حقيقي وإن جاء بصورة غير مباشرة. ففي النصف الأول من 2026 تراجع الإنتاج المخصص للمشترين البريطانيين 13.2 في المئة إلى 91757 مركبة، وتقول تقارير صحافية محلية متخصصة إن المنافسة الصينية تدفع الشركات الأخرى إلى تخفيضات أعمق في الأسعار. وتنعكس هذه التخفيضات على هوامش أرباح الشركات التي تقرر أين تضخ استثماراتها المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثمة مفارقة تعقد المشهد، فالسيارة الصينية التي تضغط على المصنعين التقليديين تساعد بريطانيا في الوقت ذاته على الاقتراب من أهدافها المناخية. فقد سجلت السيارات الكهربائية بالكامل رقماً قياسياً في سبتمبر بلغ نحو 100 ألف سيارة، أي 28.3 في المئة من التسجيلات. ووفق "بلومبيرغ إنتليجنس"، تستحوذ العلامات الصينية على 43 في المئة من سوق السيارات الهجينة القابلة للشحن في بريطانيا هذا العام، مقابل 25 في المئة في أوروبا. ومع ذلك، تبقى حصة السيارات الكهربائية في الشوارع البريطانية منذ مطلع العام عند 26.2 في المئة، بعيداً من الهدف الإلزامي البالغ 33 في المئة. لذلك فتحت الحكومة في الـ14 من أغسطس مشاورة تمتد حتى الـ23 من أكتوبر، لمراجعة أهداف نسبة المركبات عديمة الانبعاثات بين 2027 و2035.
وأمام الزحف الصيني تعول مصانع السيارات في بريطانيا على التصدير إلى القارة العجوز، ولكنها تواجه مأزقاً يعود إلى اتفاق التجارة والتعاون الذي أعقب "بريكست". فقد ربط هذا الاتفاق الإعفاء الجمركي على السيارات الكهربائية بنسبة من المكون المحلي ترتفع تدريجاً. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2023، وافق المجلس الأوروبي على تمديد القواعد المخففة حتى نهاية 2026، مع آلية تضمن تطبيق النظام الكامل اعتباراً من 2027. ومنذ الأول من يناير (كانون الثاني) المقبل، يُشترط أن يكون 70 في المئة من قيمة حزمة البطارية و65 في المئة من قيمة الخلايا من منشأ بريطاني أو أوروبي، وإلا فرضت رسوم بنسبة 10 في المئة على السيارة. ويرى الخبير التجاري في مؤسسة "فلينت غلوبال" سام لو أن العقدة الفعلية تكمن في نقص المواد الفعالة للكاثود المنتجة محلياً، وليس في البطارية بحد ذاتها.
ولا يقتصر القلق على الجانب البريطاني. فقد حذرت رابطة مصنعي السيارات الأوروبية (ACEA) في رسالة إلى القادة الأوروبيين من أن 82 في المئة من نحو 520 ألف سيارة وشاحنة كهربائية يتوقع تصديرها من الاتحاد إلى بريطانيا العام المقبل لن تستوفي القواعد الجديدة، وطالبت بتعديل موقت. وفي الاتجاه المعاكس، تقدر الجمعية البريطانية أن نحو 70 في المئة من الطرازات الكهربائية والهجينة المتداولة عبر بحر القنال الإنجليزي معرضة للرسوم، بكلفة تقارب 1.4 مليار جنيه إسترليني (نحو 1,850 مليار دولار) عام 2027.
يضيف قانون تسريع الصناعة الأوروبي، المعروف بـ"صنع في أوروبا"، خطراً ثانياً لا يقل أثراً عن قواعد المنشأ. فالمفوضية الأوروبية اقترحت في مارس (آذار) الماضي أن تُحصر مجموعة من الامتيازات بالسيارات المصنوعة داخل الاتحاد. وتشمل هذه الامتيازات عقود شراء الحكومات والهيئات العامة للسيارات، والدعم الذي تقدمه الدول للمستهلكين عند شراء سيارة كهربائية، والحوافز الضريبية لأساطيل الشركات. وتشمل رصيداً إضافياً يُحتسب للمصنعين في التزامهم سقوف الانبعاثات حين يبيعون سيارات كهربائية صغيرة. وبحسب الصيغة الحالية للمقترح، فلن تستفيد السيارة المصنوعة في بريطانيا من أي من هذه الامتيازات. ويبرز الخطر الأكبر في السيارات التي تشتريها الشركات تحديداً، إذ تستحوذ على ما بين 50 و60 في المئة من مبيعات السيارات الجديدة في الاتحاد.
ولإقناع بروكسل بأن الضرر لن يقتصر على الجانب البريطاني، نشرت جمعية مصنعي وتجار السيارات في سبتمبر دراسة أعدتها مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس". وتقدر الدراسة أن صناعة السيارات البريطانية تدعم نشاطاً اقتصادياً داخل الاتحاد بقيمة 24 مليار يورو (نحو 27 مليار دولار)، عبر مشترياتها من الموردين الأوروبيين وما يتفرع عنها، وتسند 250 ألف وظيفة أوروبية، منها 69 ألفاً في ألمانيا وحدها. وتنبه الدراسة إلى أن هذه الأرقام تقيس حجم النشاط المعرض للخطر، لا خسائر متوقعة من القانون. وخلص هاوز إلى أن إقصاء بريطانيا سيكون "هدفاً في المرمى الذاتي" للصناعة الأوروبية نفسها.
ولم تُحسم المفاوضات الأوروبية بعد. فبحسب ما نقلته "فايننشال تايمز"، غيّرت فرنسا موقفها وطلبت من المفوضية بحث وضع بريطانيا نظراً للترابط الصناعي العميق معها. ودعت رابطة المصنعين الأوروبيين إلى حصر النطاق الجغرافي للقانون بالدول الـ27 مضافاً إليها بريطانيا. لكن البرلمان الأوروبي يتبنى موقفاً متشدداً، إذ يقترح حصر الدعم العام في البداية بشركات دول الاتحاد، على أن يُسمح بضم دولة ثالثة بقرار مفوض إذا استوفت سبعة شروط مجتمعة، منها الاتساق مع الأمن الاقتصادي للاتحاد ووجود تسعير محلي للكربون.
هنا يتقاطع الملفان الأوروبي والصيني. ففي يونيو (حزيران) الماضي، وقعت "نيسان" و"شيري" مذكرة تفاهم غير ملزمة لبحث تصنيع سيارات "شيري" على الخط الأول في سندرلاند خلال السنة المالية 2027. ويبلغ إنتاج المصنع 273 ألف سيارة سنوياً مقابل طاقة نظرية تصل إلى 600 ألف. وفيما يرحب وزير الأعمال البريطاني بيتر كايل علناً بالشراكات الصينية، يفرض قانون "صنع في أوروبا" على المستثمرين من دول تسيطر على أكثر من 40 في المئة من الطاقة الإنتاجية العالمية في قطاعات كالسيارات الكهربائية والبطاريات، شروطاً لمشاريعهم التي تتجاوز 100 مليون يورو، أبرزها ألا تتعدى حصتهم 49 في المئة. لتصبح سيارة صينية تُجمع في سندرلاند البريطانية، أقرب إلى السلعة المستوردة منها إلى الشريك الصناعي وفق معايير بروكسل.
ينقسم الرأي العام البريطاني بين السعر والثقة. ففي استطلاع شمل 10594 من أعضاء جمعية السيارات البريطانية، قال أكثر من ربع المشاركين إنهم قد يشترون سيارة صينية، ورفض ذلك 42 في المئة، منهم 16 في المئة قالوا إنهم لن يفعلوا أبداً. ويتسع الفارق بين الأجيال، إذ أبدى 40 في المئة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة استعدادهم للشراء، مقابل 22 في المئة بين 65 و74 سنة. ولم تتجاوز نسبة من يثقون في أن الشركات الصينية تتعامل مع بيانات المركبة بأمان أكبر من العلامات الراسخة ثلاثة في المئة. وفي استطلاع لمؤسسة "يوغوف" مطلع العام، رأى نصف البريطانيين أن الصين دولة غير صديقة أو معادية، وعدّها 25 في المئة تهديداً رئيساً. وأكد وزير الجاهزية الدفاعية لوك بولارد في رد برلماني في أبريل (نيسان) أن وزارة الدفاع البريطانية تعمل مع جهات حكومية أخرى لتقييم الأخطار الأمنية للسيارات الكهربائية الصينية.
تحاول الحكومة البريطانية الانفتاح على الاستثمار الصيني بوصفه أسرع وسيلة لملء الطاقة المعطلة في المصانع وحماية الوظائف. يتيح هذا المسار سيارات أرخص تساعد على بلوغ أهداف التفويض الكهربائي لكن كلفته مركبة. فالسيارة الصينية المجمعة محلياً ببطارية مستوردة لن تعبر المانش معفاة من الرسوم بعد يناير المقبل، والتعويل عليها يغذي في البرلمان الأوروبي حجة الأمن الاقتصادي ضد ضم بريطانيا إلى دائرة "صنع في أوروبا". ويضاف إلى ذلك أنه يعمق الضغط على المصنعين التقليديين الذين يشكلون عماد الصادرات.
ثمة محاولات بريطانية لانتزاع صفة الشريك في القانون الأوروبي الجديد، وتسوية لقواعد منشأ البطاريات قبل نهاية العام. وتطالب الجمعية البريطانية بأن تتصدر صناعة السيارات جدول القمة البريطانية الأوروبية المقبلة. ومنطق هذا المسار أن السوق الأوروبية تستوعب الحصة الأكبر من الصادرات، وأن الترابط الصناعي يعطي لندن ورقة تفاوضية حقيقية. أما كلفته فتكمن في أن بروكسل قد تشترط في المقابل تقارباً في سياسة الأمن الاقتصادي، يشمل الموقف من الاستثمار الصيني. ولا يستبعد أن يمتد ذلك إلى الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية، مما قد يرفع الأسعار على المستهلك البريطاني ويصعّب بلوغ الأهداف البيئية.
حسابات التصدير لا تترك للحكومة البريطانية ترف خسارة سوقها الأكبر. وعلى الأرجح ستسعى لندن إلى صيغة تقيد بموجبها الاستثمار الصيني بتوطين للبطاريات والمكونات تجعله مقبولاً في بروكسل، ولكن هل ستقبل بكين بذلك؟