ملخص
بين النزوح وانقطاع الدراسة وفقدان السجلات واختلاف المناهج وجد طلاب السودان نفسهم أمام مسار دراسي لم يعد واضحاً.
كان آدم موسى البالغ 12 سنة يدرس في الصف السادس عندما غادرت أسرته أم درمان هرباً من الحرب، وقد نزحت الأسرة بين أكثر من مدينة، وانقطع آدم عن الدراسة لأكثر من عام، قبل أن تحاول والدته تسجيله في مدرسة جديدة، لكنها اصطدمت بمشكلتين، الأولى فقدان ملفه الدراسي، والثانية أن المدرسة الجديدة تتبع منهجاً مختلفاً، ومع ذلك لم يعد السؤال متى يعود آدم إلى المدرسة، بل إلى أي صف يعود؟ هل يحتسب له الصف الذي درسه قبل الحرب؟ هل يعيد عامه الدراسي؟ أم يخضع لاختبار لتحديد مستواه؟ وبين النزوح وانقطاع الدراسة وفقدان السجلات واختلاف المناهج، وجد آدم نفسه أمام مسار دراسي لم يعد واضحاً، وهي تجربة تتكرر مع أطفال سودانيين آخرين. فماذا يحدث لمسار الطفل الدراسي حين تغيره الحرب من مدرسة إلى أخرى؟
مسار متعطل
لم تكن الحرب مجرد فترة غياب عن المدرسة بالنسبة إلى بعض الأطفال، إذ امتد أثرها إلى أعوامهم الدراسية، فبعض الأطفال ينقطع عن التعليم لمدة، وعندما يحاول العودة، يجد أن عمره تقدم بينما بقي مساره الدراسي متوقفاً، ليواجه سؤالاً بسيطاً في ظاهره، من أي صف يبدأ من جديد؟
يقول عبدالعال وهبي مدير مدرسة سابق أن "الانقطاع عن التعليم لفترات طويلة لا يعني بالضرورة أن الطفل فقد عاماً دراسياً واحداً فحسب، وإنما قد ينعكس على تسلسل مساره التعليمي بالكامل. فالطفل الذي يتوقف عن الدراسة ثم ينتقل إلى منطقة أخرى قد يعود وهو أكبر سناً، بينما لم يتقدم بالقدر نفسه داخل الصفوف الدراسية".
وتابع وهبي "تزداد المشكلة عندما تتكرر فترات الانقطاع أو ينتقل الطفل بين مدارس ومناهج مختلفة، لأن الفجوة بين ما درسه سابقاً وما يفترض أن يدرسه في مرحلته العمرية قد تتسع، لذلك تحتاج المدارس إلى تقييم مستوى الطفل عند عودته، والنظر إلى ما يعرفه وما يستطيع القيام به، وليس إلى عمره فحسب، حتى لا يؤدي الانقطاع أو النزوح إلى وضعه في صف لا يتناسب مع مستواه أو إلى إعادة مناهج سبق أن درسها".
صف مفقود
بعد أكثر من عام على نزوح أسرة سارة شريف من الخرطوم، حاولت والدتها تسجيل ابنتها في مدرسة جديدة، كانت سارة أنهت الصف الخامس قبل الحرب، لكن الأسرة لم تتمكن من الاحتفاظ بملفها الدراسي أثناء النزوح. وعندما وصلت إلى المدرسة الجديدة، لم يكن بإمكانها تقديم مستند يثبت آخر صف دراسي أكملته.
المشكلة ليست فقط في غياب الرغبة في العودة للمدرسة، وإنما في تحديد نقطة العودة، هل تسجل سارة في الصف السادس كونها آخر صف درسته؟ أم تخضع لاختبار يحدد مستواها؟ وهل يكفي عمرها وحده لتحديد الصف المناسب؟
تختلف الإجابة بحسب المدرسة ومكان وجود الطفل والإجراءات المعمول بها، لكن فقدان السجلات يجعل بعض الأسر أمام رحلة جديدة لإثبات أعوام دراسية سبق لأطفالها إكمالها.
المتخصص في سياسات التعليم والطوارئ سمير عباس قال إن "السجل الدراسي هو إحدى الأدوات التي تساعد المدرسة على معرفة المرحلة التي وصل إليها الطفل، لكن فقدانه لا يعني بالضرورة أن الطفل غير مؤهل لمواصلة التعليم. ففي حالات النزوح والطوارئ، يمكن أن تصبح اختبارات تحديد المستوى أو التقييم المباشر وسيلة لمعرفة ما يمتلكه الطفل من معارف ومهارات، خصوصاً عندما يتعذر التحقق من سجله السابق".
وأضاف عباس أن "المشكلة تظهر عندما يكون الطفل قد انقطع لفترة طويلة أو انتقل بين مناهج مختلفة، لأن تحديد الصف لا يعتمد فقط على العمر أو آخر صف يتذكره الطفل، وإنما يحتاج إلى النظر في مستواه الفعلي وما درسه سابقاً، وإذا لم تكن هناك آلية واضحة ومرنة للتعامل مع هذه الحالات، فقد يجد الطفل نفسه في صف أدنى من مستواه، أو يعيد أعواماً ومواد سبق أن درسها، وهو ما قد يؤثر لاحقاً على استمراره في التعليم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مناهج متعددة
لم يكن النزوح بالنسبة إلى بعض الأطفال السودانيين انتقالاً من مدرسة إلى أخرى فحسب، بل انتقالاً بين أنظمة تعليمية مختلفة. فهناك أطفال بدأوا دراستهم في السودان ثم أكملوها في دولة مجاورة، أو عادوا إلى البلاد بعد أعوام من الدراسة في الخارج، فقد يجدوا أنفسهم أمام مواد لم يدرسوها من قبل، أو محتوى سبق أن درسوه، أو متطلبات جديدة للانتقال إلى الصف التالي.
عندما انتقل محمد بشرى مع أسرته من السودان إلى مصر، كان أنهى الصف السادس الابتدائي وفق المنهج السوداني. وبعد وصوله، التحق بمدرسة تتبع منهجاً مختلفاً، فوجد أن بعض المواد التي يدرسها جديدة عليه، بينما أعاد دراسة مواد كان أكملها سابقاً. وعندما حاول الانتقال إلى الصف التالي، أصبح عليه معرفة ما إذا كانت أعوام دراسته السابقة معترفاً بها، وكيف يمكن مواءمة ما درسه مع المنهج الجديد.
هذه الفجوة لا تتعلق بالتحصيل الدراسي وحده، وإنما بقدرة النظام التعليمي على الاعتراف بمسار بدأ في نظام مختلف.
نادر عبادة المتخصص التربوي يقول إن "اختلاف المناهج يمكن أن يخلق فجوات تعليمية واضحة عندما ينتقل الطفل من نظام إلى آخر، خصوصاً إذا كانت المواد وترتيبها ومتطلبات الانتقال بين الصفوف مختلفة، لذلك لا يكفي في بعض الحالات النظر إلى اسم الصف الذي أنهاه الطفل، وإنما يجب مقارنة ما درسه فعلياً مع متطلبات الصف الذي سينتقل إليه".
وتابع عبادة أن "المدرسة قد تحتاج إلى تقييم مستوى الطفل أو إخضاعه لاختبارات في مواد محددة لمعرفة الفجوات التي تحتاج إلى معالجة، أما الاعتراف بالشهادات والأعوام الدراسية السابقة، فيرتبط باللوائح المعمول بها في النظام التعليمي الذي ينتقل إليه الطفل. وفي غياب إجراءات واضحة، قد يضطر الطالب إلى إعادة بعض المواد أو حتى العام الدراسي الكامل، على رغم أنه سبق أن تلقى تعليماً في المرحلة ذاتها".
تعليم بلا سجل
يقول عبدالقادر جادالله، ولي أمر لطفلين نزحت أسرتهما بعد اندلاع الحرب، "خرجنا من البيت على عجل، وما كنا نفكر وقتها في الشهادات أو الملفات الدراسية، كان أهم شيء أن نخرج بأطفالنا سالمين. بعد فترة، حاولت تسجيل ابني في مدرسة جديدة، وطلبوا مني إثبات آخر صف دراسي أكمله. المشكلة أن شهادة ابني وملفه الدراسي بقيا في المدرسة القديمة، ولم نعد نستطيع الوصول إليهما".
وأضاف جادالله "حاولنا التواصل مع المدرسة، لكن الظروف لم تكن تسمح بالحصول على الأوراق، ومع كل انتقال كنا نبدأ من جديد، أكثر شيء كان يؤلمنا أن ابني كان يريد الدراسة، لكننا لم نكن نملك الورقة التي تثبت أين وصل في تعليمه، إذ شعرنا وكأن فترة دراسته اختفت مع الأوراق التي فقدناها".
محمد أحمد الحاج، مسؤول في إدارة مدينة عطبرة التعليمية، قال إن "فقدان الوثائق الدراسية أصبح من التحديات التي تواجه الأطفال النازحين"، موضحاً أن "الطفل قد يصل إلى مدرسة جديدة وهو يعرف الصف الذي كان يدرس فيه، لكن من دون مستندات تثبت ذلك، مما يجعل عملية تحديد مستواه الدراسي أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما يتعذر التواصل مع المدرسة التي كان يدرس فيها سابقاً".
واستطرد الحاج أن "المشكلة لا تتعلق بالورقة في حد ذاتها، وإنما بما تمثله من سجل لمسار الطفل التعليمي، فعندما يفقد الطفل شهادته أو ملفه الدراسي، قد تضطر المدرسة إلى الاعتماد على وسائل أخرى لتحديد مستواه، وقد يواجه بعض الأطفال تأخيراً في التسجيل أو الحاجة إلى تقييم إضافي قبل تحديد الصف المناسب لهم".
وأشار المسؤول التعليمي إلى أن "استمرار النزوح وتكرار الانتقال بين المناطق يزيدان من صعوبة تتبع السجلات"، قائلاً إن "الأولوية في ظروف الحرب يجب أن تكون لضمان استمرار الطفل في التعليم، وألا يتحول فقدان الوثائق بسبب النزوح إلى سبب جديد لانقطاعه عن الدراسة".