Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغزالي و"الفكر المستورد": هكذا نهدمه

عندما درس المفكر العائد من "ضلاله" في كتابه "مقاصد الفلاسفة" الفكر اليوناني واعداً بأن ينسفه لاحقاً

أبو حامد الغزالي كما تخيله الرسام (وسائل التواصل)

 

ملخص

ترتبط أهمية "تهافت الفلاسفة"، وفق الأب موريس بويج اليسوعي ومؤرخي الفكر العربي بصورة عامة، باتصاله "بمرحلة حاسمة من سيرة حياة الغزالي الفكرية والروحية التي ابتدأت بالإقبال على تحصيل الفلسفة وانتهت بالثورة عليها والجنوح نحو الصوفية، وقد وجد اليقين الذي يبحث عنه".

"لم يلزم - أبو حامد الغزالي - مذهباً من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشاعرة أشعري، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف، وحتى إنه كما قيل، يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن، وإن لقيت معدياً فعدناني". قائل هذا الكلام هو فيلسوف قرطبة ابن رشد، الذي خاض مع أبي حامد الغزالي بعد 100 عام وأكثر من موت هذا الأخير، ذلك السجال الفلسفي الذي يعد الأكثر شهرة في تاريخ الفكر العربي.

وقد تجلى هذا السجال الفلسفي في كتاب ابن رشد "تهافت التهافت" الذي يرد فيه على فكر الغزالي، ولا سيما على كتاب هذا الأخير "تهافت الفلاسفة"، الذي يمثل إلى جانب "إحياء علوم الدين" الأهم والأشهر بين كتب الغزالي قاطبة.

وترتبط أهمية "تهافت الفلاسفة"، وفق الأب موريس بويج اليسوعي ومؤرخي الفكر العربي بصورة عامة، باتصاله "بمرحلة حاسمة من سيرة حياة الغزالي الفكرية والروحية التي ابتدأت بالإقبال على تحصيل الفلسفة وانتهت بالثورة عليها والجنوح نحو الصوفية، وقد وجد اليقين الذي يبحث عنه".

هي بالطبع تلك المرحلة التي، وأيضاً بحسب تعبيره هو نفسه، آفاق فيها من ضلاله وقد وجد في تمسكه بإيمانه ما أنقذه من ذلك الضلال، كما "يعترف" على صفحات كتابه الأكثر شهرة بالتأكيد "المنقذ من الضلال" الذي يكاد يكون فريد نوعه في التراث العربي - الإسلامي.

حين "تهافت" الفلاسفة

و"تهافت الفلاسفة" هو كما نعرف كتاب يدحض فيه الغزالي "تهافت" الفلاسفة المسلمين، مؤكداً "تناقض كلمتهم في ما يتعلق بالإلهيات"، وقد حفزه على ذلك ما رآه بحسب قوله في سباق كتابه من "انصراف طائفة من النظار عن وظائف الإسلام وإعراضهم عن الدين جملة مقلدين في ذلك شرذمة يسيرة من ذوي العقول المنكوسة والآراء المعكوسة ممن هالهم سماع أسماء ضخمة كسقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطو، فتصنعوا الكفر لكي يتميزوا عن سواد الناس الغالب، ظناً منهم أن الكفر من أمارات الفطنة والعلم. وهم لو تدبروا الأمر قليلاً وفحصوا آراء الفلاسفة الذين تكلفوا التشبه بهم، لاتضح لهم مقدار جهلهم وشططهم، وتبين لهم اتفاق كل مرموق من الأوائل والأواخر على التسليم بأصول الدين الكبرى، وهي الإيمان بالله واليوم الآخر".

 

وفي هذا السياق يقول الباحثون إن الغزالي كان يرى، بعد كل شيء، أن زعماء الفلاسفة كانوا متفقين مع الشرع على أمهات المسائل، لكنهم مختلفون في الفروع "فهم براء مما ينسبه إليهم هؤلاء الجهلاء". أما "زعماء الفلاسفة" الذين يذكرهم الغزالي هنا فعلى رأسهم افلاطون وأرسطو، وأما "الجهلاء" فعلى رأسهم الفارابي وابن سينا.

ومن الواضح أن الغزالي في "تهافت الفلاسفة" لم يسعَ إلى هدم فلسفة الشيخين اليونانيين، بل سعى إلى التشديد على جهل الشيخين المسلمين بهما. وأبو حامد، لا يلقي الكلام هنا على عواهنه، إذ إنه لكي يتمكن من هدم خصميه المسلمين، كان لا بد له، كما يفيدنا هو نفسه في "المنقذ من الضلال"، من أن ينفق سنتين ونيفاً من عمره في تحصيل الفلسفة اليونانية. وقد كان من ثمار هذا التحصيل كتاب للغزالي، هو الأشهر من بين كتبه في الغرب، ولكن لأسباب يدخل فيها شيء من سوء التفاهم. لماذا؟

إذا عرف السبب...

بكل بساطة، لأن الغزالي رأى أنه لا يمكن هدم أفكار الفلاسفة الإسلاميين "المتهافتين"، وتبيان "تناقضهم وعدم تفهمهم لفكر الأساتذة اليونانيين الكبار، إلا إذا عرض فلسفة هؤلاء عرضاً أميناً ودقيقاً"... وهذا العرض هو الذي يشكل متن الكتاب الذي نتناوله هنا، والمعنون "مقاصد الفلاسفة"... وقد جاء المتن وافياً إلى درجة أنه يكاد يشكل موسوعة حقيقية لدراسة الفكر اليوناني، بل تكاد تكون أوفى موسوعة عن هذا الفكر صدرت في اللغة العربية في ذلك العصر. غير أن الغزالي، الذي كان يعي تماماً أهمية مشروعه الفكري، مهد لذلك المتن بمقدمة شديدة الأهمية عرض فيها مشروعه، وأكد أنه إنما يدرس الفلسفة اليونانية، لكي يعود في كتاب تال له إلى نسف نسقها كما وصل إلى الفكر العربي.

ولكن حين نشر "مقاصد الفلاسفة" مترجماً إلى اللاتينية على يد دومينكوس غونديسالينوس، أواخر القرن الـ12، لم يَرَ المترجم اللاتيني ضرورة لإرفاقه بالمقدمة التي تبرره، فاشتبه الأمر، كما يقول الأب بويج على "القراء اللاتين، حتى بات الغزالي عندهم يعد في الأوساط اللاهوتية والفلسفية ركناً من أركان المدرسة الأرسططالية العربية، وكثيراً ما يرد اسمه على هذا النحو إلى جانب اسمي الفارابي وابن سينا تحديداً، في آثار كبار المدرسيين السكولائيين كروجر بيكون والقديس توما الأكويني وألبرتوس مانيوس (بطرس الأكبر).

والحال أن سوء الفهم تجاوز القراء اللاتين، ليصل إلى ابن رشد نفسه، الذي، إذ قرأ "مقاصد الفلسفة" على ضوء قراءته لـ"تهافت الفلاسفة" ورغبته في السجال معه، خلص إلى تلك النتيجة التي بدأنا بها هذا الكلام.

حيادية مدهشة

لم يشكك أحد من دارسي فكر الغزالي وحياته، في حقيقة أن أبا حامد إنما ألف "مقاصد الفلاسفة" قبل تأليفه "التهافت" مباشرة، ذلك أنه يقول ذلك بكل وضوح في مقدمته. ومن هنا فثمة إجماع على أنه كتبه نحو عام 488هـ أو 1095 ميلادية، وهو شاع كثيراً، وخصوصاً كما قلنا ككتاب يعرض بكثير من الحيادية، تفاصيل الفلسفة اليونانية.

ويرى الباحث الإسباني الأب مانويل ألونسو إن "مقاصد الفلاسفة" كان له أثر كبير في فلاسفة العصور الوسطى الأوروبية ومفكريها، ويقدم ثبتاً بالمؤلفين الذين أشاروا إليه، وعدد المرات التي ورد فيها ذكره - وهذا الثبت يورده الدكتور عبدالرحمن بدوي في كتابه "مؤلفات الغزالي"، وفيه أسماء نحو 45 مؤلفاً وباحثاً أوروبياً من العصور الوسطى، تحدثوا عن الكتاب، وعدد المرات التي تحدث عنه فيها كل منهم: 147 مرة لألبرتوس مانيوس مثلاً، و31 مرة للقديس توما الأكويني، و24 مرة لجان لوي دور دي باري، و12 مرة لبيدرو دي إبانو.

 

أما الباحث المعاصر ميثم الجنابي في مؤلفه الضخم عن "الغزالي"، والذي صدر في أربعة أجزاء عن دار المدى في دمشق، ويمكن اعتباره أوفى دراسة تحليلية معمقة صدرت في العربية عن صاحب "مقاصد الفلاسفة" في العصور الحديثة، فيرى أن "انتقال الغزالي إلى مواقع المعارضة الجديدة لتيار حكمة القدماء وتجليها الخاص في عالم الإسلام، قد استثار فيه، وإن بصورة عرضية، تأمل قضية العلم والعمل... إلا أن دراسته لعلم الأوائل قد تضمنت بحد ذاتها جوانب المقارنة والتحليل والجدل ووسعت فكرة العلوم، ولم يعد الجدال أسير المعضلات الكلامية حول صفة الله أو علوم الإسلام. غير أن هذه النتيجة تبقى، إن أمكن القول، عرضية مقارنة بالإفراز الأكثر جوهرية في تطور الغزالي، أي الخروج من قاعدة المألوف والعادي إلى رحابة الميدان الأوسع لصراع الأفكار، باعتبارها هويات ثقافية أيضاً".

تحديد هوية العلم

ففي "المقاصد" كما يستطرد الجنابي "تظهر للمرة الأولى محاولة تأمل ودراسة العلوم الفلسفية باعتبارها علوماً مستقلة، إذ يتبلور موقف الغزالي الفكري من قضية تحديد هوية العلم على أساس اقترابه أو ابتعاده من الحقيقية".

ويرى الباحث هنا أنه إذا كان "مقاصد الفلاسفة" يخلو من تحليل آراء الفلاسفة الأخلاقية، فإنه "مليء بحيادية الاستعراض الموضوعي للعلوم الطبيعية والماورائية"، مما يجعل الأولوية هنا لـ"العرض الحيادي الموضوعي لآراء الفلاسفة".

والحقيقة أن مثل هذه الأبعاد، هي مما يجعل لكتاب "مقاصد الفلاسفة" نوعاً من استقلال ذاتي، لم يتقصده الغزالي أصلاً، لكنه يبدو قادراً على تقديم أوفى عرض في عصره، بخاصة لفلسفة أفلاطون وأرسطو، بل العرض الأكثر موضوعية لفكر هذين المعلمين اليونانيين الكبيرين.

سيرة ما...

والمرجح أن أبا حامد قد استمد لقبه، الغزالي، من ولادته في قرية تدعى غزالة من أعمال طوس في إقليم خراسان الفارسي، وإن كان آخرون يرون أن الاسم آت من مهنة أبيه الذي كان غزالاً.

وهو ولد عام 450هـ ليموت عام 505هـ. وبدأ حياته يتيماً حيث كفله صوفي أثر فيه صغيراً. وهو حين شب عن الطوق توجه إلى جرجان ليدرس فيها زمناً، ثم إلى طوس فنيسابور، حيث درس على الإمام الجويني. ولاحقاً، بعد موت هذا الأخير، اتجه الغزالي إلى بغداد، حيث اختلط بأهل العلم في مجلس الوزير المتنور نظام الملك، فجعله هذا أستاذاً في المدرسة النظامية. وهو خلال تلك الفترة مر وبتلك المرحلة القاسية التي دفعته إلى الشك والتشرد، ليعود وقد استعاد إيمانه ووضع "المنقذ من الضلال"، مكرساً بقية أعوامه للعلم والدراسة منتجاً بعض أهم الكتب الإسلامية في الكلام والإلهيات والتصوف. وهي على أية حال من أكثر الكتب في هذا المجال، إثارة للسجال والخصومات في تلك المرحلة من مراحل تاريخ الفكر الإسلامي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة