ملخص
طاولت الاعتقالات أيضاً صحافيات يعملن في إذاعة نيالا، هن إشراقة عبدالرحمن وزهراء محمد الحسن ومواهب إبراهيم وازدهار عبدالمنعم اللاتي جرى احتجازهن منذ الـ28 من فبراير الماضي، من قبل قوات "الدعم السريع" أثناء تنظيم ورشة تتناول الراهن العام.
تواجه مئات النساء في مدن ولايات السودان المختلفة أحكاماً بالسجن المؤبد أو الإعدام، بحجة التعاون لمصلحة أحد طرفي الصراع المسلح منذ اندلاعه في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بخاصة من قبل قوات "الدعم السريع" خلال فترة بقائهن في الخرطوم والجزيرة وسنار وإقليمي دارفور وكردفان بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية اللتين أدَّتا إلى تعرضهن لأنماط متعددة من الانتهاكات تمثلهن حقوقيات وناشطات وصحافيات وأخريات في مجال العمل الإنساني.
ويرى حقوقيون تصدوا للدفاع عن النساء المعتقلات أن الحرب لا تستهدف النساء باعتبارهن ضحايا فحسب، بل تمتد إلى أدوارهن في التوثيق والعمل المدني والدفاع عن الحقوق والدعم المجتمعي، وهو مما يجعل أجساد النساء وأصواتهن في قلب الصراع.
اعتقالات جزافية
لأكثر من عام ونصف العام تقضي خادم الله، وهي محامية في سجن النساء بأم درمان، حكماً بالإعدام بذريعة التخابر والتجسس لمصلحة "الدعم السريع"، بعدما واجهت كل أنواع الانتهاكات خلال سيطرتها على مدينة بحري لتجسد معاناة العشرات اللاتي جرى اعتقالهن نتيجة عدم تمكنهن من النزوح.
وأشارت إفادات المقربين من خادم الله التي اعتقلت خلال فبراير (شباط) 2025 بضاحية المزاد بالخرطوم بحري، إلى أنها وقع عليها ظلم واقتيدت إلى السجن بناءً على شهادات غير موثوقة ولا تمت للحقيقة بصلة، وإيقاع عقوبة الإعدام عليها تحت مواد تتصل بالتعاون قبل أن يجري استئناف الحكم فجرى خفضه إلى حكم بالسجن المؤبد.
ويقول مواطنو حي المزاد إن خادم الله كانت تعمل من أجل إعالة أسرتها، وتقدم الدعم للأطفال وكبار السن بعدما حولتها الحرب إلى ناشطة، فعندما أغلقت المدارس بدأت بتدريس أطفال الحي في منزلها، وحين انقطعت المياه أدت دوراً في إيصال المياه من نقاط تفتيش تلك القوات إلى الأسر المحتاجة.
وطاولت الاعتقالات أيضاً صحافيات يعملن في إذاعة نيالا، هن إشراقة عبدالرحمن وزهراء محمد الحسن ومواهب إبراهيم وازدهار عبدالمنعم اللاتي جرى احتجازهن منذ الـ28 من فبراير الماضي، من قبل قوات "الدعم السريع" أثناء تنظيم ورشة تتناول الراهن العام.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أنه جرى نقل الصحافيات إلى سجن كوريا في نيالا، بينما ذكرت مصادر أخرى أن المعتقلات نقلن لاحقاً إلى مواقع أخرى من دون اتهامات رسمية.
ولم تقتصر حالات اعتقالات النساء على الناشطات في مدينة نيالا وأم درمان، ففي مدينة كاودا بولاية جنوب كردفان يستمر اعتقال الناشطة الحقوقية وموظفة الأمم المتحدة نجوى موسى منذ مطلع أبريل (نيسان) الماضي، بواسطة استخبارات الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، بينما تعد موسى من القيادات النسوية في جبال النوبة.
وأشار حقوقيون، في شأن استمرار اعتقالها، إلى أن احتجاز ناشطة حقوقية وموظفة أممية خارج الضمانات القانونية يثير مخاوف سلامتها، ويعكس تصاعد القيود المفروضة على الناشطين في العمل الإنساني والمدافعين عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع.
عدالة وحماية
ووفقاً لباحثين في قضايا حقوق الإنسان أن الحرب حكمت على كثير من النساء والفتيات بالبقاء مع أسرهن في المناطق التي تسيطر عليها "الدعم السريع"، ولم يكن ذلك خياراً، وإنما اضطراراً فرضته ظروف الفقر وارتفاع كلفة النزوح، إلى جانب الإيجارات الباهظة في المناطق الآمنة، والمعاناة في معسكرات الإيواء التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مما جعل أسراً عديدة تفضل البقاء في منازلها.
وأشاروا إلى أن وجود النساء في المناطق الواقعة تحت نفوذ "الدعم السريع" أو الجيش عرضهن لانتهاكات جسيمة، بخاصة فيما يتعلق بوضعهن في مواجهة يومية للخروج لتأمين الحاجات الأساسية في ظل أخطار معقدة، مما أجبرهن على التعامل مع سلطة وقبضة قوات الجماعة المفروضة عليهن لتوفير أسباب الحياة من غذاء ودواء.
فيما، أوضحت المديرة الإقليمية لمبادرة القرن الأفريقي هالة الكارب أنه "في سياق حرب السودان واجهت النساء حالات تجريم نتيجة بقائهن في منازلهن اللاتي لم يتمكن من المغادرة لأسباب خاصة بهن، لا سيما أن حماية النساء والفتيات يجب أن تكون في مقدمة شروط الوصول إلى السلام والعدالة والأمن".
وأشارت الكارب إلى أن "الأحكام المنسوبة للنساء بحجة التعاون لمصلحة أحد طرفي الصراع يعكس الخيارات الصعبة التي اضطرت المدنيين لاتخاذها أثناء العيش في منطقة خاضعة لسيطرة أطراف الحرب".
وبينت المديرة الإقليمية لمبادرة القرن الأفريقي أنه "لا ينبغي التعامل مع النساء بأنهن متعاونات أثناء تأمين الحاجات المنزلية أو الانخراط في عمل يندرج تحت إطار الدعم المجتمعي، ويستوجب معه عقوبة السجن مدى الحياة ما لم تتوفر أدلة تثبت نية إجرامية أو مقابل مادي".
تداعيات قاسية
وفي المنحى نفسه، قال ضرار آدم المدير التنفيذي لشبكة حقوق الإنسان إن "المواطنين الذي فضلوا البقاء في مناطق ’الدعم السريع‘ أثناء فترة الحرب تعرضوا إلى تداعيات قاسية، بما في ذلك القتل والسحل، إضافة إلى أشكال متعددة من المعاملة اللاإنسانية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف ضرار أن "’الدعم السريع‘ ضيقت عمل المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات والمبادرات التي تقودها النساء، ومطالبتهن بالانتماء إليها، وإلا لا يسمح لهن بالعمل أو قضاء حاجاتهن". وتابع "الناشطون الذين من بينهم محامون ومدافعون عن حقوق الإنسان والإعلاميين أو من انخرطوا في العمل المجتمعي يواجهون الاعتقال منذ نشوب الصراع المسلح، كما جرى للصحافيات عقب تنظيم ورشة في نيالا، فيما وجهت إليهن اتهامات التخابر والعمل لمصلحة الجيش السوداني، ومثل هذه التهم تعد غير موثوقة ولا علاقة لها بالحقيقة".
وأشار المدير التنفيذي لشبكة حقوق الإنسان إلى أنه "من المؤسف أن بعض المعتقلات يحتجزن في كاودا في حفر تحت الأرض، بينما أخريات في منازل المواطنين وسجون مدينة نيالا، ويتعرضن لانتهاكات بالغة الخطورة من بينهن فتيات صغيرات في السن".
إعادة النظر
على صعيد متصل أشارت وزيرة الدولة للموارد البشرية والشؤون الاجتماعية في السودان سليمى إسحاق إلى أن "تهمة التعاون الموجهة لعدد من النساء المعتقلات تحتاج إلى توضيح، إذ تفتقر إلى معايير محددة، مما يجعلها عرضة للتأويل، بخاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد".
وأوضحت إسحاق أن "رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان وجه بمراجعة الأوضاع القانونية للمعتقلات تمهيداً لإطلاق سراح بعضهن، ووفقاً لذلك بات من الضروري أهمية النظر إلى قضية التعاون في سياق الحرب، خصوصاً أن النساء اللاتي قد يجدن أنفسهن مضطرات للتعامل مع أطراف مسلحة لإنقاذ أسرهن مع أهمية مراعاة مسؤولياتهن تجاه أطفالهن وعائلاتهن". واستطردت بالقول إن "الإشكال الأساس يكمن في غياب تعريف واضح لتهمة التعاون، إذ هناك أشخاص لم تكن لديهم القدرة أو الإرادة في رفض أو قبول ما يطلب منهم في مناطق تسيطر عليها ’الدعم السريع‘ مع الوضع في الاعتبار من الممكن أن تكون البلاغات كيدية أو ناتجة من خلافات داخل المجتمعات، مما يستدعي التعامل مع التهم بمزيد من التدقيق".
ولفتت إلى أن "الأمر يتطلب استمرار المناصرة والضغط من أجل مراجعة أوضاع النساء المعتقلات، إذ إن زياراتي لسجن أم درمان أظهرت الحاجة إلى إيجاد خدمات صحية بينها عيادات أسنان وخدمات الكشف الصحية، بخاصة أن من بين النزيلات نساء حوامل وأخريات مصابات بالملاريا، لكن هناك مشكلات في البنية التحتية للسجن تمثلت في الصرف الصحي وقدم المباني، إلى جانب الاكتظاظ".
ومضت وزيرة الدولة للموارد البشرية والشؤون الاجتماعية قائلة "هناك حاجة إلى تفعيل النصوص التي تتيح بدائل السجن للنساء الحوامل والأمهات اللاتي لديهن أطفال، وكذلك في قضايا الجنح البسيطة"، مشددة على ضرورة النظر إلى قضية اتهام النساء بالتعاون مع أي من طرفي الحرب من منظور مختلف في ظل الحرب المستمرة، لا سيما أن وجود السلاح يجعل قدرة المدنيين على الرفض محدودة، والنساء قد يضطررن إلى الاستجابة لحماية أنفسهن وأطفالهن وأسرهن.