Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل في مواجهة تهمة خنق الغزيين بالروائح الكريهة

مؤشرات إلى استخدام "ماء الظربان" لكن لا تحليل كيماويا يثبت وصول المادة إلى القطاع مجدداً

يربط بعض الغزيين بين ظهور الرائحة الكريهة وماء الظربان (أ ف ب)

ملخص

وجود رائحة كريهة في غزة ليس دليلاً في حد ذاته على شيء استثنائي، لكن ما أثار انتباه السكان هذه المرة كان اتساع الرائحة وشدتها، وتزامن الشكاوى عنها في أماكن متباعدة، وأن يشم سكان مناطق مختلفة الرائحة نفسها.

في تلك الليلة، عمّ سؤال واحد في معسكر النازحين "من أين تأتي هذه الرائحة؟"، ففي حي التفاح شرق مدينة غزة، كانت سمية خالد أول من انتبه إليها، رائحة نفاذة وثقيلة تشبه رائحة مياه الصرف الصحي لم يكن في الخيمة ما يفسرها.

بدأت سمية البحث بالطريقة التي قد يفعلها أي شخص حين تفاجئه رائحة كهذه في خيمته، فتشت الحمام ومحيط الخيمة في محاولة لمعرفة ما إذا كان هناك شيء متحلل أو تسرب مياه الصرف الصحي من مكان قريب، لكن شيئاً لم يظهر.

استمرت الرائحة، بحسب شهادة سمية، من ساعة إلى ساعة ونصف، وكانت قوية بما يكفي لأن تغلق الأسرة فتحات التهوية وحتى أنوفهم، ولم يطل الوقت حتى اتضح أن المشكلة لا تخص خيمة واحدة، فالرائحة كانت موجودة في معسكر النازحين والمنطقة المحيطة أيضاً.

في حي تل الهوى، كان حسام الوادية يخوض التجربة نفسها تقريباً، لكن بتفسير أول مختلف قليلاً، حين وصلت الرائحة إلى منزله، ظن أن حيواناً نافقاً هو السبب، وحاول استخدام معطر للجو، لكن الرائحة بقيت أقوى من أن يغطيها شيء، ثم عرف أن سكاناً آخرين في المنطقة يشمونها أيضاً.

باتت الرائحة الكريهة التي يشمها سكان مناطق مختلفة من غزة سؤالاً عاماً، وكان من الصعب وجود تفسير واحد. فغزة التي خرجت من حرب طويلة ومدمرة ليست مكاناً غريباً عن الروائح القاسية، تدهور شبكات الصرف الصحي، والاعتماد المتزايد على الحفر الامتصاصية، وتراكم النفايات، كلها جعلت الروائح الكريهة جزءاً من الحياة اليومية في مناطق كثيرة.

وجود رائحة كريهة في غزة ليس دليلاً في حد ذاته على شيء استثنائي، لكن ما أثار انتباه السكان هذه المرة كان اتساع الرائحة وشدتها، وتزامن الشكاوى عنها في أماكن متباعدة، وأن يشم سكان مناطق مختلفة الرائحة نفسها.

بدأ الناس ينظرون إلى السماء

حين لم يجد الغزيون مصدراً للرائحة في المأوى الذي يعيشون فيه، بدأ السؤال يخرج من حدود البيت، في تلك الليلة، كان الصحافي معين الكحلوت يتابع ما يحدث يقول "الرائحة غزت المنازل والخيام، تتحدث مع الزملاء جميعهم في مجموعات المتابعة عن ذات الرائحة".

ما كان يحدث في السماء لم يكن واضحاً، ثم بدأت روايات تتحدث عن أجسام صغيرة أو فقاعات أو أكياس تسقط من مسيرات، فيما عثر نازحون على أكياس غريبة وفارغة، لا شعار عليها ولا اسم لمنتج، وقالوا إنها كانت تحمل رائحة كريهة.

 

يقول ياسر حماد "لليلة الثالثة على التوالي أشاهد الأكياس تسقط من السماء، وعندما تأتي طائرات الدرون لتلقي هذه المواد تنتشر رائحة قوية بسرعة قياسية في أرجاء القطاع". ولم يستطع تحديد طبيعة المواد أو الهدف من إسقاطها، وسأل "هل هي مجرد مواد ذات رائحة نفاذة أو مواد كيماوية سامة".

وعلى صفحته في "فيسبوك" نشر الصحافي سامح أحمد صورة لكيس بلاستيكي شفاف رقيق بما يكفي لأن يبدو قابلاً للانفجار إذا سقط من ارتفاع، وفي داخله سائل فاتح اللون، وربطها بالرواية المتداولة عن أكياس تلقى من الجو.

وفي هذه اللحظة كل شيء تغير، قبل ساعات كان الناس يفتشون الحمامات والأسطح والزوايا بحثاً عن مصدر الرائحة، الآن بدأوا يفتشون في السماء عن أجسام تسقط، ويربطون بينها وبين رائحة يعتقدون أنهم استنشقوها قبل ذلك.

إسرائيل فعلت ذلك من قبل

قد تبدو الرائحة مألوفة لبعض الغزيين، فقد سبق أن ارتبطت رائحة مشابهة باستخدام مادة "ماء الظربان" خلال الاحتجاجات الحدودية المعروفة باسم "مسيرات العودة" عام 2018، عندما استخدم الجيش الإسرائيلي المادة ذات الرائحة الكريهة بهدف تفريق التظاهرات بالقرب من السياج الحدودي.

في ذلك الوقت، وثق الجيش الإسرائيلي نفسه وهو يعمل على تطوير وسائل قادرة على إيصال "مياه الظربان" إلى مسافات أبعد. وأكدت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها طورت أنظمة توصيل للمسيرات، أطلق عليها "شوكو درون"، بحيث جرى تكييفها لتحمل كميات كبيرة من الأكياس ذات الرائحة الكريهة. وبحسب وصف الوزارة، تنفجر الأكياس عند وصولها وتنتشر محتوياتها على الأشخاص الموجودين في المكان.

في غزة، لم يعد ربط الرائحة الكريهة بذاكرة السكان فقط، إذ أصبح موجوداً في وثائق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها. وأشارت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى إفادات عن استخدام المسيرات لرش "ماء الظربان" خلال احتجاجات غزة.

 

لا يمكن الجزم في المرحلة الحالية أن إسرائيل أعادت استخدام طائرات "شوكو درون" لتنقل بواسطتها أكياس مياه الظربان ذات الرائحة الكريهة وترسلها إلى غزة لتعكر وتنغص ليل الغزيين، إذ لم تستطع "اندبندنت عربية" الحصول على تصريح رسمي حول هذا الحدث من الجيش الإسرائيلي.

في الحقيقة، لم تجر الجهات الفلسطينية أي فحص مخبري أو تحليل كيماوي لمحتوى الأكياس التي تسقط على القطاع في هذه الفترة، وهذا يجعل من الصعب الجزم بأن المادة الموجودة فيها هي "ماء الظربان" لكن ماذا شم الغزيون؟

ماذا تقول أنوف الغزيين؟

قبل أن يصبح للرائحة اسم، كان لها أوصاف في بيوت غزة، سمية خالد وصفها بأنها تشبه رائحة مياه الصرف الصحي، بينما ظن حسام الوادية في البداية أنها قد تكون مرتبطة بنفوق أحد القوارض. كما استمعنا إلى هالة الأخشم، فقالت إن ما شمته كان "رائحة نتنة بالمعنى الحقيقي للكلمة".

ثلاثة أشخاص شموا الرائحة وقدموا ثلاثة أوصاف مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها كان واحداً وهو رائحة يصعب احتمالها ويصعب أيضاً تحديد مصدرها. هنا يقول مدير دائرة المختبرات والمقاييس في سلطة جودة البيئة بغزة عطية البرش، "تجربة أنوف الغزيين غير كافية، فالأنف رغم أنه أداة حساسة جداً، لكنه ليس جهاز تحليل كيماوي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف البرش، "يمكن للإنسان أن يميز بين روائح كثيرة، وأن يربط بعضها بتجارب سابقة، مثل الصرف الصحي والنفايات والاحتراق والمواد الكيماوية والحيوانات النافقة. سكان غزة يعيشون منذ أعوام وسط هذه الروائح الكريهة، ولذلك فإن المقارنة ليست محاولة لإثبات هوية المادة".

بحسب البرش فإنه "حتى اختلاف الأوصاف لا يعني بالضرورة أن الناس كانوا يتحدثون عن أشياء مختلفة، فالرائحة نفسها قد توصف بطرق مختلفة بحسب تجربة الشخص ومكان وجوده وشدة التعرض وما اعتاد أنفه عليه".

ويوضح أنه في حال "ماء الظربان" تحديداً، توضح دراسة أكاديمية حديثة بعنوان "التعرض للعنف: الماديات الجوية وامتدادات الرائحة الزمنية لماء الظربان في فلسطين"، خصائص المادة وطريقة انتشار رائحتها وبقائها، لكنها لا تقدم أي أساس للقول إن المادة التي تعرض لها سكان غزة كانت هي المادة نفسها.

هل هي خطرة؟

ظهور الرائحة الكريهة في غزة وربطها بـ"ماء الظربان" يجعل سؤال: ما الذي يمكن أن تفعله هذه المادة بالإنسان إذا استنشقها؟ أكثر إلحاحاً.

تعتمد المادة، بحسب الدراسة الأكاديمية نفسها، على الماء والخميرة وبيكربونات الصوديوم في تركيبها الأساسي، مع الإشارة إلى أن بعض مكوناتها بقيت غير معلنة.

وتنقل الدراسة عن وثيقة بيانات السلامة الخاصة بالمادة أن "ماء الظربان" صنف تاريخياً على أنه غير سام، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى إمكانية حدوث تهيج في الجلد والعينين، وأعراض أخرى في ظروف معينة.

لكن وصف المادة بأنها غير سامة لا يعني أنها بلا آثار على الإنسان، فالدراسة نفسها تشير إلى أن التعرض لها يمكن أن يسبب الغثيان والتقيؤ وتهيج الجلد والعينين، كما أن الرائحة لا تختفي سريعاً، إذ يمكن أن تلتصق بالأجسام والملابس والأسطح، وأن تستمر آثارها لفترات طويلة، وتتأثر طريقة انتشارها بالحرارة والرطوبة والرياح.

يقول أحد معدي الدراسة الباحث وسيم غنطوس "المادة لا تقتصر على الرائحة لحظة رشها، فهي يمكن أن تتحول إلى رذاذ وقطرات، وأن تلتصق بالأجسام والملابس والأسطح، وأن تبقى آثار رائحتها لفترات طويلة، مع تأثر انتشارها بالحرارة والرطوبة والرياح". ويضيف "من أعراض التعرض لها الغثيان والتقيؤ وتهيج الجلد والعينين".

أما في غزة، فقد تحدث أشخاص التقتهم "اندبندنت عربية" عن أعراض مختلفة رافقت الرائحة التي قالوا إنهم تعرضوا لها، إذ يقول الشاب محمود خليل "شعرت وكأن ناراً تشتعل في حلقي، لم أستطع فتح عيني من شدة الحرقة، وفي غضون دقائق كان كل من في المخيم يسعلون بشكل هستيري".

وتقول رائدة "كنا نعيش بين خيارين أحلاهما مر، إما أن نموت من حرارة الخيمة إذا أغلقناها، أو نختنق بالرائحة إذا فتحنا شقاً للتهوية، لقد شعرنا أننا داخل فخ حقيقي لا مفر منه".

المعلومات الطبية المتاحة عن "ماء الظربان" تتعلق بالمادة المعروفة تاريخياً، بينما الأكياس التي قيل إنها سقطت على غزة خلال هذه الفترة لم تخضع لتحليل كيماوي منشور يمكن من خلاله تحديد محتواها.

وهنا يعود السؤال إلى بدايته، قد تكون الأعراض التي وصفها الغزيون متوافقة مع ما هو معروف عن التعرض لـ"ماء الظربان"، لكن ذلك لا يكفي وحده للقول إن المادة التي وصلت إلى غزة هي "ماء الظربان" نفسه.

لماذا في الليل؟

لم تكن طبيعة المادة وحدها ما يثير الريبة لدى الأهالي، بل توقيت اختيار الساعات الممتدة من منتصف الليل حتى الفجر لإسقاط تلك الأكياس، فاختيار الظلام تكتيكاً يحقق نتائج مضاعفة.

في نهار غزة، ينشغل النازحون بهمومهم مما يتيح للإنسان الهرب أو الابتعاد من أي مصدر للرائحة، أما في الليل، فيتحول المأوى إلى مساحة مغلقة بحثاً عن الدفء، وهنا تحديداً باغتت الرائحة الكريهة الغزيين.

 

تقول النازحة أسماء "باغتتنا الرائحة ونحن في غفلة النوم، وبدأ الأطفال بالسعال الشديد والاستجداء للتنفس، الخيمة تحولت رائحتها في دقائق إلى رائحة مقبرة والظلام في الخارج يمنعنا حتى من رؤية مصدر هذه السموم أو الهرب منها".

على الصعيد الميداني، يمنح الليل المسيرات سلاح الإفلات من الرصد والتسجيل؛ فالظلام الدامس يعرقل قدرة السكان والفرق الصحافية على تحديد مسارات طيران "الدرون" أو التقاط لحظات إسقاط الأكياس بالوضوح المطلوب، كما يصعّب على طواقم الدفاع المدني أو الرقابة البيئية التعرف الفوري على نقاط السقوط أو جمع عينات سائلة من الأرض قبل تفككها أو امتصاصها في التربة والرمال.

وتؤكد المصورة ريما الظاظا أنها تسمع زنين "الكوادكوبتر" بوضوح فوق رأسها في العتمة، لكن الكاميرات تقف عاجزة عن التقاط لحظة الإسقاط ليلاً لتستيقظ مع الفجر على آثار المادة من دون أن تتمكن العدسات من توثيق لحظة سقوطها".

غير أن الأثر الأعمق لهذا التوقيت يكمن في بعده النفسي؛ فالليل في مخيمات النزوح هو الحيز الوحيد لاقتطاع ساعات قليلة من الهدوء، ومع انتشار روائح خانقة، يزرع ذلك حالاً من التوتر العصبي المستمر والحرمان القسري من النوم.

يقول النازح أنور شهدي "الليل هو الوقت الوحيد الذي نحاول فيه تهدئة أطفالنا والنوم قليلاً لنسيان أهوال النهار، لكن حين تباغتنا هذه الرائحة، يطير النوم من أعيننا ونقضي بقية الليل في حال استنفار وخوف، ننتظر الصباح بفارغ الصبر لمجرد الخروج للتنفس".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير