ملخص
يعود إيلون ماسك إلى الإدارة الأميركية من بوابة "البنتاغون" هذه المرة، مشاركاً في مشروع يستشرف التقنيات اللازمة للفوز بحروب المستقبل. لكن المهمة تثير أسئلة تتجاوز تضارب المصالح إلى مدى تأثير رؤية ماسك نفسها، التي تراهن على الأنظمة القتالية الذاتية، في تصور الولايات المتحدة للحروب.
بعد استقالته من منصبه في وزارة الكفاءة الحكومية في مايو (أيار) 2025 بسبب خلاف علني مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يعود إيلون ماسك إلى الإدارة الأميركية بإرث معقد هذه المرة عبر مهمة استشارية جديدة تتمثل بالمشاركة في قيادة ما وصفته وزارة الحرب بـ"دراسة حول مستقبل الحروب".
مشروع "ميرديان"
المهمة الجديدة تندرج تحت مشروع "ميرديان" الذي أطلقته وزارة الحرب الأميركية بهدف استشراف حروب المستقبل وتطوير القدرات اللازمة للتفوق فيها بما يحافظ على هيمنة الولايات المتحدة، على أن يقدم المشروع نتائجه وتوصياته النهائية في الـ28 من يناير (كانون الثاني) 2027، وفق مذكرة رسمية صادرة يوم الأربعاء.
ودعا وزير الحرب بيت هيغسيث هيئة الأركان المشتركة وأفرع القوات المسلحة إلى ربط أبحاثها حول حروب المستقبل بالمشروع الجديد، الذي سيشرف عليه كبير مسؤولي التكنولوجيا في الوزارة إميل مايكل بمشاركة ماسك وكبار خبراء التكنولوجيا وقادة الأعمال وصناع السياسات من خارج "البنتاغون".
ولم تشرح وزارة الحرب فلسفة التسمية، إلا أن كلمة "ميرديان" في علم الجغرافيا تعني "خط الطول" وهو خط وهمي يمتد من القطب إلى القطب ليحيط كامل الكرة الأرضية. ويمكن تفسير التسمية بنطاق المشروع الاستشاري الجديد الذي وصفه هيغسيث بأنه واسع يمتد من "تحت الأرض، وإلى ما وراء القمر".
وسيشارك السيد ماسك في قيادة المشروع مع المستثمر في الصناعات الدفاعية بالمر لوكي (34 سنة)، والرئيس الجمهوري السابق لمجلس النواب نيوت غينغريتش (83 سنة)، في حين أوضح وزير الحرب أن الهدف هو "الاستفادة من الميزات التي لا يمتلكها خصومنا"، أي المبتكرون والقادة المخضرمون في التقنية.
ماسك و"البنتاغون"
بدأ ارتباط ماسك بإدارة ترمب الثانية بعد إشرافه على جهودها لتقليل الإنفاق الحكومي على وظائف ومشاريع كثيرة عدها غير مجدية، لكن مهمته الاستشارية الجديدة ستضمن له نفوذاً أكبر داخل المؤسسة العسكرية. وتأتي هذه المهمة لتعكس توجهاً متجدداً في "البنتاغون" لإحياء علاقته القديمة مع وادي السيليكون، التي أسهمت قبل عقود في تنمية التقنيات التي شكّلت عصب الحياة الحديثة وأساس الاقتصاد الرقمي المدني، من الإنترنت والـ"جي بي إس" وصولاً إلى فأرة الحاسوب.
ولا يعد إشراك ماسك مفاجئاً نظراً إلى دوره المعروف في المجمع الصناعي الأميركي عبر تقديم خدمات إطلاق الصواريخ لنقل الأقمار الصناعية العسكرية إلى الفضاء، لكن منحه دوراً في تحديد القدرات التي ينبغي الاستثمار فيها مستقبلاً يثير مخاوف في شأن تضارب المصالح، إذ تعد "سبيس إكس" من كبار المتعاقدين مع "البنتاغون" ويأتي نحو خمس إيراداتها، بحسب إفصاحات الشركة في 2025، من وكالات فيدرالية تشمل "البنتاغون" ووكالة "ناسا" وأجهزة الاستخبارات.
ويكشف التغاضي عن تضارب المصالح المحتمل جهداً أكثر جرأة من وزارة الحرب لإعادة صياغة العلاقة مع المبتكرين المدنيين حتى لا تكون مقتصرة على التعاملات التجارية وحسب، بل لتشمل المشاركة في استشراف مستقبل الحرب وتحديد أولويات الإنفاق العسكري. ويشير هذا الجهد أيضاً إلى كل من النفوذ المتزايد لأباطرة التقنية، والاحتياج المتزايد لهم من قبل الدول لإبقاء تفوقها العسكري.
حروب المستقبل
الدور الجديد لماسك المفتون بالنزالات القتالية بين الروبوتات الشبيهة بالبشر يثير سؤالاً مهماً حول رؤيته الشخصية لحرب المستقبل. وإذا ما استطلعنا منشوراته ومواقفه السابقة فسنجد أنه يتوقع حروباً البطل فيها هو الآلة لا الإنسان. وتقع المسيرة في صلب النبوءة الماسكية، لأن حروب المستقبل ستكون حروب درون بالدرجة الأولى، نظراً إلى أن "الطائرات المأهولة عفا عليها الزمن في عصر المسيرات"، في حين أن مصنعي مقاتلات "أف 35" ليسوا إلا "حمقى"، على حد تعبيره.
في 2024، عرّض هذا التصور ماسك لانتقادات من وزير القوات الجوية السابق فرانك كيندال الذي قال، "أكن كثيراً من الاحترام لماسك كمهندس"، قبل أن يضيف بأنه "ليس محارباً وبحاجة إلى أن يتعلم القليل عن طبيعة هذه المهنة قبل أن يدلي بتصريحات كبرى". ويعطي هذا الموقف مؤشراً على أن مشروع "ميرديان" قد يحدث تضارباً في الرؤى بين ماسك ورفاقه المبتكرين مع حراس التقاليد في "البنتاغون".
خلال جلسة حوارية نظمتها رابطة القوات الجوية في 2020، قال ماسك إن "المسيرات الذاتية التشغيل" ستحدث ثورة في عالم القتال الجوي، وأضاف، "ليس لأنني أريد أن يكون المستقبل هكذا، بل لأن هذا ما سيؤول إليه الأمر". وتقبع خلف هذه النبوءة أمنية كشفها بعد أربعة أعوام بقوله، "آمل أن تقتصر حروب المستقبل بين القوى الكبرى على معارك الطائرات المسيّرة، بحيث تقل الكلفة البشرية".
وفي حين تكشف نبوءة ماسك تصوراً لحرب تنقل الأخطار من الجنود إلى الآلات، يحذر في الوقت نفسه من الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى "تقييد حروب المستقبل بالدرون"، لأن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المعارك سيؤدي إلى "موت البشر بسرعة كبيرة جداً".
ومع ذلك، أظهرت حرب أوكرانيا ومعارك الشرق الأوسط الجارية أن فاعلية المسيرات في الفتك والتخريب لا يمكن الاستهانة بها، خصوصاً إذا ما صنعت بكلفة منخفضة وأعداد هائلة، وانتهت بها الحال في أيدي الميليشيات المسلحة أو الجماعات الإرهابية.
ولم تعد آراء ماسك حول "الدرون" ثورية كما تبدو لأن استخدامها بات شائعاً وإنْ تبيّن تأخر الولايات المتحدة في تصنيع الأنواع الرخيصة منها على نطاق واسع، قبل أن يخصص "البنتاغون" أخيراً في موازنته لعام 2027 نحو 75 مليار دولار لصناعات المسيرات والأنظمة الدفاعية لمكافحتها. وبدت واشنطن أكثر انفتاحاً على استغلال "الدرون" كسلاح هجومي عندما أسست في أغسطس (آب) الماضي أول قوة متعددة الجنسيات للمسيرات الهجومية الأحادية الاتجاه.
ويرى ماسك أن التفوق في حرب "الدرون" لن يعتمد فقط على جودتها، بل أيضاً على القدرة على إنتاج أعداد ضخمة فحتى لو امتلك أحد الطرفين طائرات أكثر كفاءة وأقوى من حيث نسبة التدمير، فإن هذه الميزة قد تفقد أهميتها إذا كان الخصم قادراً على تصنيع ونشر أعداد أكبر بكثير، ويستشهد بالحرب العالمية الثانية ليقول إن التفوق العددي غالباً ما يفرض نفسه في ساحة القتال، بينما تبقى انتصارات القوى الصغيرة على جيوش أكبر استثناءات تاريخية نادرة.
نزع الخيال من الخيال
يدخل ماسك "البنتاغون" بفلسفة مختلفة للابتكار قد تترك بصمتها على توصيات مشروع "ميرديان"، فهو لا ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أداة لتحسين الموجود بقدر ما يراها وسيلة لكسر الحدود. ولخص هذه النظرة أمام طلاب أكاديمية القوات الجوية الأميركية في أبريل (نيسان) 2022 بقوله "نريد أن ننزع الخيال من الخيال العلمي"، داعياً الباحثين إلى تجاوز الخوف من الفشل، ومذكراً بأن "النماذج الأولية سهلة، أما الإنتاج فصعب". وكان معيار النجاح بالنسبة إليه واضحاً أيضاً، إذ قال "عندما تصبح عمليات إطلاق الصواريخ مملة، فهذا هو النجاح".
هذه الفلسفة التي تقوم على التجريب السريع ثم تحويل الاختراق التكنولوجي إلى منتج واسع الاستخدام أثبتت فاعليتها في شركات ماسك، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً عندما تنتقل إلى مؤسسة عسكرية لا تقاس كلفة الخطأ فيها بالمال أو فشل نموذج أولي وحسب، فالحرب بيئة يصعب التنبؤ بكل متغيراتها، ويمكن لخلل تقني أو قرار خاطئ من نظام ذاتي أن يقود إلى خسائر بشرية أو تصعيد أكبر، وهو ما يفسر جانباً من حذر المؤسسة العسكرية تجاه القفز مباشرة من الابتكار إلى استبدال الإنسان بالآلة.
ويظهر هذا الاختلاف بوضوح في النقاش حول مستقبل القتال الجوي فبينما أعلن ماسك "نهاية عصر المقاتلات" وأن المستقبل للمسيرات الذاتية، حافظ قادة القوات الجوية على تصور يقوم على الجمع بين الطرفين. وعندما أعلنت واشنطن في 2025 المضي بتطوير مقاتلة الجيل السادس "أف 47"، قدمتها القوات الجوية باعتبارها جزءاً من منظومة تجمع المقاتلة المأهولة بالمسيرات، ووصف رئيس الأركان آنذاك ديفيد ألفين الفكرة بأنها مستقبل "التعاون بين الإنسان والآلة".
ولا يعني ذلك أن "البنتاغون" يقاوم الثورة التي يتحدث عنها ماسك، بل إن الخلاف يدور حول حدودها فحتى بعض المدافعين داخل القوات الجوية عن توسيع استخدام الأنظمة الذاتية يحذرون من افتراض أن ما تستطيع الخوارزميات إنجازه في بيئات منظمة يمكن نقله بسهولة إلى ساحة حرب يسودها نقص المعلومات والخداع والقرارات المفاجئة. ولذلك لا تزال الرؤية العسكرية السائدة تميل إلى شبكة من الأنظمة المأهولة وغير المأهولة تعمل معاً، بدلاً من الإحلال الكامل والسريع للآلة.
وتكشف واقعة حديثة حجم الأخطار التي قد ترافق التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، إذ أفادت "سي أن أن" في سبتمبر (أيلول) الماضي بأن تقريراً استخبارياً أميركياً أُعد بمساعدة الذكاء الاصطناعي خلص خطأً إلى أن سفينة صينية كانت تعبر الشرق الأوسط تحمل مكونات لبرنامج أسلحة نووية، مما دفع الجيش الأميركي إلى الاستعداد لاعتراضها قبل اكتشاف أن التقدير غير صحيح. وقال مصدر للشبكة إن الخطأ "كاد يشعل حرباً"، في مثال يوضح عواقب الأخطاء الناجمة عن الاعتماد المفرط على التقنية.
تحولات أوسع
ليست هذه المرة الأولى التي يستعين فيها "البنتاغون" بماسك خارج إطار العقود التجارية ففي يونيو (حزيران) 2016 استقبله وزير الدفاع آنذاك آشتون كارتر في اجتماع مغلق خُصص لمناقشة "الابتكار"، في ذروة جهود كارتر لربط وزارة الدفاع بوادي السيليكون وتوسيع الاستفادة من شركات التكنولوجيا الخاصة.
وجاء اللقاء في توقيت كانت فيه "سبيس إكس" قد بدأت لتوها ترسيخ موقعها داخل المجمع الصناعي الأميركي، بعدما حصلت قبل أسابيع على أول عقد عسكري لها بقيمة 82.7 مليون دولار لإطلاق قمر من الجيل الجديد لنظام تحديد المواقع لمصلحة القوات الجوية، مما جعل الاجتماع مبكراً مثالاً على الجمع بين الاستعانة بماسك كمبتكر والتعامل معه في الوقت نفسه كمتعاقد دفاعي.
أما مشروع "ميرديان" فلا يعد أول محاولة من "البنتاغون" لاستشراف صورة الحروب المقبلة، إذ أطلقت وزارة الدفاع خلال العقد الماضي سلسلة مبادرات لتحديد مصادر التفوق العسكري المستقبلي. وكان أبرزها "استراتيجية التعويض الثالثة" في عهد أوباما، التي جاءت بعد استراتيجيتين قديمتين اعتمدتا أولاً على التفوق النووي، ثم على تقنيات التخفي والأسلحة الدقيقة، قبل أن تبحث الثالثة عن أفضلية جديدة على الخصوم في الأنظمة الذاتية والروبوتات والفضاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجاءت مبادرات أخرى مثل "مفهوم القتال المشترك" لتطوير طريقة قتال تربط البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني، وصولاً إلى برنامج "ريبليكاتور" في عهد بايدن الذي استهدف تسريع نشر آلاف الأنظمة غير المأهولة، بالتوازي مع مشاريع لإدخال الذكاء الاصطناعي التوليدي في التخطيط والقيادة والعمليات العسكرية.
وتجري أفرع القوات المسلحة الأميركية دراسات منفصلة لمستقبل الحرب، لكن مشروع "ميرديان" يهدف إلى ربط تلك الجهود ويختلف في طبيعة من يشارك في صياغة الرؤية نفسها فمعظم المبادرات السابقة نشأت داخل "البنتاغون" ثم استعانت بالمبتكرين لتنفيذها، أما المشروع الجديد فيضع شخصيات من القطاع الخاص في قلب المهمة لتحديد الفجوات التي ينبغي سدها.
ويأتي مشروع "ميرديان" ضمن توجه لإبقاء الولايات المتحدة قوة مهيمنة وفتاكة لا مثيل لها، وسط انفتاح أكبر على الابتكار التقني عبر ست مبادرات أعلن عنها هيغسيث في خطابه السنوي "حال القوات" ومنها إنشاء "قيادة الحرب الذاتية"، التي وصفتها الوزارة بأنها "أسرع تحول عملياتي في وقت السلم في التاريخ العسكري الحديث"، بهدف توسيع نطاق الحرب الذاتية لتصبح قيادة قتالية يقودها جنرال بأربع نجوم بحلول الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2027.
وبالتوازي، أعلنت الوزارة استحداث مسارات مهنية لجيل جديد من "مقاتلي الحرب الذاتية"، أي عسكريين متخصصين في تشغيل وإدارة الأنظمة الذاتية. ولخص هيغسيث شعوره بتأخر "البنتاغون" بقوله "كان ينبغي أن نفكر في إنشاء قيادة للحرب الذاتية قبل 10 أعوام"، موضحاً أن "ميرديان" صُمم للنظر بعيداً بما يكفي لاستباق التحول التكنولوجي المقبل قبل أن يجد الجيش نفسه متأخراً مرة أخرى. وتسعى الوزارة عبر المشروع إلى ضمان أن يدخل الجيش الأميركي أي صراع مستقبلي وهو "يتمتع بالتفوق التكنولوجي الذي تؤمّنه رؤية اليوم الاستشرافية وعزيمته واستعداداته"، معتبرة أن مشروع "ميرديان" سيثمر عن التوصيات اللازمة للحفاظ على الهيمنة الأميركية في حروب المستقبل.