Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبدالملك الحوثي... وجه على جدار

تبدو حياته الخاصة محاطة بسرية تامة والمعلومات المتاحة عن أسرته محدودة

الرجل الذي لا يظهر يتكلم كثيراً. وخطبه هي النافذة الوحيدة التي يطل منها على أنصاره وخصومه (اندبندنت عربية - علاء رستم)

ملخص

لا يحضر عبدالملك الحوثي مناسبة معلنة، ولا يمنح مقابلة، ولا يبيت في مكان واحد ليلتين متتاليتين على ما يُروى. ومن يطلب لقاءه يُنقل بين بيوت لا يعرف عناوينها، ويُجرَّد من هاتفه وقلمه، ثم يُترك في غرفة أمام شاشة، فيجد وجه السيد عليها ولا يجده أمامه.

نعرف صوته أكثر مما نعرف مكانه. نعرف وجهه من الشاشات واللافتات، ونبرته حين يتحدث عن الحرب وخصومه واليمن والمنطقة. تحدّق صورته من اللوحات الإعلانية في صنعاء، عابسة الملامح، والخنجر مدسوس في الحزام. أما هو فلا يُرى.

لا يحضر عبدالملك الحوثي مناسبة معلنة، ولا يمنح مقابلة، ولا يبيت في مكان واحد ليلتين متتاليتين على ما يُروى. ومن يطلب لقاءه يُنقل بين بيوت لا يعرف عناوينها، ويُجرَّد من هاتفه وقلمه، ثم يُترك في غرفة أمام شاشة، فيجد وجه السيد عليها ولا يجده أمامه.

مرة واحدة تقريباً رآه الناس في هيئة أخرى. كان ذلك أواخر عام 2009، بعد غارات ثقيلة على جبال صعدة، حين شاع في صنعاء أنه قُتل وتنفس المسؤولون الصعداء. ومن ثم ظهر في شريط مصور قصير ليقول: ما زلت هنا.

منذ ذلك الشريط مرّت 17 عاماً. تحوّل فيها الفتى المختبئ في الجبال إلى قائد ميليشيات تحكم صنعاء، وتملك طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، وتطل من ساحل غربي طويل على باب المندب، أحد أضيق الممرات البحرية في العالم.

وفي الأسابيع الأخيرة، حين عاد البحر الأحمر إلى صدارة الأخبار وعادت معه أسئلة الملاحة والطاقة والحرب الإقليمية، عاد اسمه إلى الألسنة، اسماً يتردد أكثر مما يُعرف عن صاحبه.

لا يحضر عبدالملك الحوثي مناسبة معلنة، ولا يمنح مقابلة، ولا يبيت في مكان واحد ليلتين متتاليتين على ما يُروى.

تبدو حياته الخاصة محاطة بسرية تامة. المعلومات المتاحة عن أسرته محدودة، وحضوره العائلي في المجال العام يكاد يكون غائباً، فلا تكاد تظهر صور أو تفاصيل موثقة عن زوجاته وأبنائه، فيما ظل مكان إقامته الدقيق موضوعاً للتكهنات والتقارير المتباينة.

وبينما يعرف العالم كثيراً عن الرجل الذي يقود الجماعة، يعرف القليل عن عبدالملك الحوثي خارج موقعه كقائد. كأن الشخصية العامة ابتلعت الشخصية الخاصة، وكأن الرجل لم يسمح بأن تخرج من الظل سوى تلك الأجزاء التي يحتاج إليها خطابه السياسي والعسكري.

من هو هذا الرجل خلف الصورة؟ وكيف انتقل من أسرة دينية شمال اليمن إلى قيادة قوة أعادت رسم جزء من خريطة البلاد، ثم وجدت نفسها طرفاً في صراعات تتجاوز حدودها؟

 

 

قصة الحوثي ليست قصة رجل فقط، بل هي قصة جماعة نمت مع ضعف الدولة، وبلد استنزفته الحرب، ومنطقة أصبحت ساحاتها مترابطة أكثر من أي وقت مضى. وفي قلب هذه القصة يقف رجل اختار أن يبقى بعيداً من الكاميرا، بينما صار اسمه حاضراً ومنتشراً.

 بيت الحوثي

لا يُفهم عبدالملك من دون بيته، لأن الميليشيات التي يقودها تحمل اسم العائلة قبل أي اسم آخر. أبوه بدر الدين عالم من كبار مراجع المذهب الزيدي في اليمن، وأسرته تنتسب إلى آل البيت، ولذلك يُنادى أبناؤها بلقب "السيد".

تزوج أربع مرات وأنجب 13 ولداً أو 14، بحسب اختلاف الروايات، وربط كل زواج ببيت أو قبيلة أو منطقة، فصارت للأسرة شبكة قرابة تمتد على معظم شمال البلاد.

والزيدية أقرب مذاهب الشيعة إلى السنة، وقد حكم أئمتها اليمن الشمالي نحو ألف عام إلى أن أسقطت ثورة 1962 الإمامة. رأى الأب وأبناؤه أن هذا المذهب يتراجع أمام الفكر السلفي الزاحف على صعدة، فبعثوا الدعوة الزيدية، وأسسوا مطلع التسعينيات "الشباب المؤمن": مخيمات صيفية ودروس وأنشطة يمر بها آلاف الفتيان.

وذهبت الأسرة أبعد من إحياء المذهب. مال الأب إلى الجارودية، وهي أقرب تيارات الزيدية إلى الاثني عشرية، وأقام في إيران زمناً. ويُروى أن ابنه الأكبر حسين، النائب في البرلمان عن حزب الحق، بدأ منذ 1994 يرسل طلاباً إلى إيران، وأن بعضهم تلقى هناك تدريباً، وأنه حين عاد في مطلع الألفية من رحلة إلى السودان وإيران حمل معه الشعار الذي سيصبح عنوان الميليشيات: "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام".

 

 

هكذا وُلد الابن الذي سيقود في بيت كانت وجهته قد رُسمت قبل أن يبلغ. وكان أمامه أن يسير عليها أو أن يبتعد، ولم يختر إلا الأولى.

الفتى الذي لم يدخل مدرسة

وُلد عبدالملك عام 1979 في محافظة صعدة، لأم هاشمية هي الزوجة الثانية لأبيه. لم يعرف طفولة المدن. كان أبوه يتنقل بين القرى الجبلية يدرّس الفقه ويفضّ النزاعات بين المتخاصمين، وكان الصغير يتنقل معه.

بلا مدرسة وبلا شهادة. تعلّم في حلقات المسجد القرآن والكتابة، ثم الحديث والنحو والفقه والمواريث على المذهب الزيدي، وأجازه أبوه في علومه وهو في الـ18. ومن عرفوه في تلك الأعوام يصفونه بأنه ولد هادئ مجتهد، أقرب إلى أبيه منه إلى أقرانه.

وفي منتصف التسعينات انتقل إلى صنعاء ليعيش عند أخيه حسين، وكان يكبره بنحو 20 عاماً. عمل حارساً شخصياً له، فرأى المدينة للمرة الأولى: الصحف والأحزاب والنقاشات ووجوه من مشارب مختلفة. لكنه رآها من موقع الحارس الذي يقف خلف الكرسي، يسمع ولا يتكلم.

تعلّم الدين من أب، وتعلّم السياسة من أخ يكبره بعقدين، ولم يجلس بينهما في صف دراسة يوماً. تلك الفجوة في تكوينه ستطبع قيادته لاحقاً: رجل يجيد لغة القرية والمسجد أكثر مما يجيد لغة الدولة، ويحسب بعقل من عاش الحرب أكثر مما عاش الإدارة.

ولقب "السيد" في اليمن نسب يعلو على الجاه، ويفتح أبواب البيوت والقبائل، ويمنح صاحبه مكانة تسبق كلامه. ورث الفتى بهذا اللقب رصيداً كاملاً من الشرعية قبل أن ينطق بجملة أو يشهد معركة.

الحارس القائد

في الـ10 من سبتمبر (أيلول) 2004 قُتل حسين الحوثي في الحرب الأولى بين الميليشيات والجيش اليمني. كان في الميليشيات رجال أكبر من عبدالملك سناً وأوسع خبرة: قائد ميداني اسمه عبدالله الرزامي كان الأوفر حظاً بين المقاتلين، وإخوة أكبر منه، وأعمام.

غير أن الاختيار وقع على الأصغر والأقل خبرة، نزولاً عند رغبة الأب بدر الدين، الذي تولى القيادة بنفسه إلى أن توفي، فانتقلت العصا إلى ابنه. كان عبدالملك في الـ25، بلا شهادة ولا سجل قتالي يُعرف. وقبل أن يكتمل السؤال "لماذا هو؟" كانت الحرب الثانية قد اندلعت، وكان عليه أن يقود من الكهوف والجبال.

 

 

يصعب أن نعرف ما دار في رأس الأب حين اختار، غير أن الاختيار نفسه يقول شيئاً. أراد الأب ابناً يثق به، ويشاركه الرؤية، ويدين له بموقعه.

وأخذ الفتى يبني حوله. تراجع الرزامي ورجال جيل حسين واحداً بعد آخر، وحلت مكانهم حلقة من رفاق في سنه أو أصغر، تعارفوا في المخيمات الصيفية وتقاتلوا معاً، وتربطهم به القرابة أو الولاء الشخصي أو الاثنان. صار عبدالملك قائداً لأنه اختير، وبقي قائداً لأنه اختار.

تبدو حياته الخاصة محاطة بسرية تامة. المعلومات المتاحة عن أسرته محدودة، وحضوره العائلي في المجال العام يكاد يكون غائباً، فلا تكاد تظهر صور أو تفاصيل موثقة عن زوجاته وأبنائه، فيما ظل مكان إقامته الدقيق موضوعاً للتكهنات والتقارير المتباينة.

وفي الحرب الثانية، ربيع 2005، تحصّن مع أنصاره في منطقة نقعة وقُتل نحو 200. وعرض صالح العفو مقابل التسليم فرفضوا، واستمرت المعارك والمناوشات. كانت تلك اللحظة التي تعلّم فيها الفتى ما سيرافقه بعد ذلك: أن الميليشيات التي ترفض أنصاف الحلول تدفع ثمنها كاملاً، لكنها تخرج من كل حرب أقوى مما دخلتها.

الرجل في بيته

أقل ما يُعرف عنه هو ما يخص بيته الصغير. المعلومات عن أبيه وإخوته وأعمامه وأصهاره تملأ الصفحات، بينما لا يُعرف عن زوجته شيء، لا اسمها ولا مسقطها. ويُقال إنه متزوج وله أولاد لم يبلغوا سناً تؤهلهم لأي دور، وأول صورة واضحة له وُزّعت أواخر عام 2008.

وتتحدث روايات المقربين عن رجل منضبط في يومه، يصحو وينام باكراً، ويقرأ كثيراً، ويسبح ويمشي، ويحب النكتة، ويكتب الشعر ويطربه النشيد. والأهم أن لا شيء يؤكد هذه الصورة ولا شيء ينفيها.

وما نعرفه أكثر هو بيت أبيه الكبير، لأنه صار جهاز حكم. عمه عبدالكريم وزير الداخلية، وشقيقه عبدالخالق يقود القوات في صنعاء وما حولها، وابن عمه محمد علي الحوثي رئيس اللجنة الثورية العليا، وابن أخيه علي يقود الشرطة، وابنة أخته فاطمة تشرف على كتيبة نسائية تُعرف بـ"الزينبيات".

ويُقال إن وزير الصحة صهره، وإن قائداً عسكرياً بارزاً تزوج ابنة أخيه حسين. وفي أسرة لم تكن تزوّج بناتها إلا من السادة، جرى بعد الحرب الأولى كسر هذا العرف، فتزوجت بنات البيت من رجال القبائل، وكأن الأسرة أرادت لدمها سنداً قبلياً.

وللبيت جراحه. قُتل حسين عام 2004، وسُجن أخ آخر هو محمد، ونُفي أخ ثالث هو يحيى، وأُفيد عام 2018 بمقتل شقيق آخر في غارة جوية دون تأكيد.

 

 

وهنا مفارقة تستحق التوقف. الزيدية لا تقول بالإمامة الوراثية، وإن حصرتها في ذرية الحسن والحسين: تُشترط في الإمام صفات، ويبايعه العلماء بعد دعوة وخروج. أما ما جرى في الميليشيات فتسلسل داخل البيت الواحد: أخ، فأب، فابن اختاره الأب، ثم أقارب يتوزعون على مفاصل الأمن والسلاح والإدارة. حركة تقول إن الحكم لأهل البيت وتديره أسرة واحدة.

ست حروب ومدرسة واحدة

بين 2004 و2010 خاض الحوثيون ست جولات قتال مع الجيش اليمني في عهد علي عبدالله صالح، في جبال صعدة وما حولها. بدأوا بمئات المقاتلين وانتهوا بآلاف.

ولم تكن الحكومة ضعيفة، لكنها ارتكبت من الأخطاء ما جعل الميليشيات أقوى: قصف لم يفرّق بين مسلح ومدني، ونهب لمدن زيدية، وتعبئة طائفية للقبائل، فتدفق على الحوثيين من طلب الثأر أو الحماية.

وكانت الميليشيات قد هيّأت قاعدتها البشرية قبل الحرب. عشرات الآلاف مرّوا من قبل بمخيماتها الصيفية، فحين اشتعلت المعارك وجدت من تستقبله وتصوغه، ومن جولة إلى أخرى تبدلت طريقتها: بدأت بكمائن وقنص وألغام، وانتقلت إلى الدفاع عن البلدات وقطع خطوط إمداد الجيش، وانتهت بهجمات بوحدات كبيرة استولت في الجولة الأخيرة على أجزاء من مدينة صعدة.

وفي تلك الأعوام كان عبدالملك يتعلم القيادة. زار الجبهات، وقرّب رفاقه، ومنهم ابن عمه محمد علي الحوثي وشقيقه عبدالخالق والقائد العسكري المعروف بـ"أبو علي الحاكم". ومنذ أواخر 2008 أحاط نفسه بإجراءات أمنية مشددة، فصار لا يلتقي إلا القلائل.

وتحكي رواية أخرى، يتداولها قادة ميدانيون شاركوا في تلك الحروب، أن صالح كان يرتّب الجولات ليبدو خصومه مقاتلين أشداء، فيستدرّ دعماً مالياً. وإن صحت، فقد خدمت الحروب الست الطرفين: أعطت النظام مبرراً للتمويل، وأعطت الحوثي سمعة وقاعدة ومدرسة. ولم تكن الحروب نظيفة. اتُّهمت الميليشيات بأخذ رهائن من القبائل الموالية للدولة لضمان طاعتها، واتُّهمت الحكومة بقصف قرى مأهولة، ولم يحقق في ذلك أحد تحقيقاً مستقلاً.

 

 

وخرج الرجل من الأعوام الست بثلاث عبر: أن الجيش النظامي يُنهَك إذا طالت الحرب، وأن القبيلة تنحاز إلى من يحميها لا إلى من يحكمها، وأن الخصم الذي يخطئ في حقك يمنحك ما لا تستطيع صناعته بنفسك. وسيطبّق هذه العبر الثلاث في كل ما تلا.

الميليشيات وسلاحها

"الحوثيون" اسم يطلقه الناس نسبة إلى العائلة، في القلب نواة عائلية، حولها حلقة من الموالين الذين قاتلوا معها في حروب صعدة، وأبعد منها دائرة أوسع من قبائل الشمال.

وقد ظلت الميليشيات زمناً شبكة قرابة أكثر منها تنظيماً، إلى أن جاءت سيطرتها على صنعاء في سبتمبر 2014، فورثت معسكرات الجيش ومخازنه: دبابات ومدفعية وقوات دفاع جوي، ومنصات صواريخ بينها عشرات من صواريخ سكود القصيرة المدى. واتسعت جبهتها من نحو 700 كيلومتر إلى أكثر من 1500، وتضاعفت مساحة سيطرتها أربع مرات.

تعلّم الدين من أب، وتعلّم السياسة من أخ يكبره بعقدين، ولم يجلس بينهما في صف دراسة يوماً. تلك الفجوة في تكوينه ستطبع قيادته لاحقاً: رجل يجيد لغة القرية والمسجد أكثر مما يجيد لغة الدولة، ويحسب بعقل من عاش الحرب أكثر مما عاش الإدارة.

ويُعتقد أن القيادة العسكرية العليا في مجلس من نحو تسعة أعضاء يترأسه عبدالملك، على غرار المجلس الجهادي في حزب الله، وأن فيه مستشارين من الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله". وتنفي الميليشيات وإيران أن تكون طهران هي التي تقرر.

وإلى جانب الجيش تقف دولة ظل. في كل وزارة ومحافظة ومدرسة ومركز شرطة "مشرف" حوثي بلا صفة رسمية، بيده القرار الفعلي، يرفع تقاريره إلى القيادة، وغالبية هؤلاء من صعدة وحجة وعمران، أقارب للأسرة أو موالون لها.

وفي كل حي "عاقل" يعرف من يسكنه ومن يصلح للقتال. وبهذه الشبكة جنّدت الميليشيات، بحسب التقديرات، نحو 130 ألف مقاتل، من الفقراء وبأجور رمزية، بينهم قاصرون بشهادة منظمات حقوقية.

أما الترسانة فتتجاوز ما ورثته بكثير. يُقدَّر أن لدى الميليشيات بين 100 و200 صاروخ باليستي بعيد المدى، بينها منظومة يقال إن مداها يقارب 1450 كيلومتراً، وصواريخ مضادة للسفن، وألغاماً بحرية وزوارق مفخخة، وطائرات مسيّرة تُجمَّع من قطع مهرّبة وتكلّف الواحدة منها أقل من 2000 دولار على ما يقال، ونماذج أبعد مدى مشتقة من التصميم الإيراني.

وتؤكد جهات كثيرة أن الدعم الإيراني كان حاسماً في هذا التطور، بينما تصر الميليشيات وطهران على أن الحوثيين قوة مستقلة تصنع كثيراً مما تملك. وأصابت الضربات الإسرائيلية قيادة الميليشيات في مقتل، لكن لا مؤشر على امتلاكها صواريخ عابرة للقارات، ولا تُعرف الأرقام الحقيقية للمخزون.

طريق صنعاء

حين اشتعلت ثورة 2011 فهم الرجل أن فرصته جاءت. نزل إلى الساحات، وأخرج الجيش من صعدة، وأسس ذراعاً سياسية، ودخل الحوار الوطني، وانتظر وأسرع الخطى في 2014: أخرج السلفيين من دماج، وهزم قبائل آل الأحمر في عمران، وتوعد الحكومة في أغسطس (آب) بتصعيد "مزعج" إن لم تُلغِ رفع الدعم عن المحروقات. وفي الـ21 من سبتمبر دخلت قواته صنعاء دون مقاومة تُذكر، وبعد يومين ظهر على الشاشة يتحدث عن "انتصار تاريخي"، في الأسبوع ذاته الذي يحيي فيه اليمنيون ذكرى الثورة على الإمامة الزيدية، ولم يفت ذلك كثراً.

وأخطر ما فعله في تلك المرحلة تحالفه مع خصمه القديم علي عبدالله صالح، الذي حاربه ست مرات. فتح له التحالف أبواب الجيش والقبائل، وانتهى بقتل صالح في صنعاء في ديسمبر (كانون الأول) 2017، بعدما أعلن استعداده للتفاهم مع خصوم الحوثي. ولم يخرج الرجل من ذلك كله رئيساً ولا وزيراً. لم يتسلم منصباً رسمياً قط، وترك الواجهة لمجلس سياسي ولجنة ثورية.

 

 

وحين جاء التحالف العسكري في 2015 تقدم الحوثيون في الأشهر الأولى حتى عدن، وما لبثوا أن تراجعوا وتحصنوا في الشمال. ووُقّع اتفاق ستوكهولم في 2018 فعُدّ اعترافاً عملياً بهم، وتلته هدنة 2022، وبعدها جاءت حرب غزة وهجمات البحر الأحمر التي أعادتهم إلى الواجهة الدولية.

صوت السيد

الرجل الذي لا يظهر يتكلم كثيراً. وخطبه هي النافذة الوحيدة التي يطل منها على أنصاره وخصومه. تطول الخطبة أكثر من ساعة، وتبدأ في الغالب بفلسطين وإسرائيل قبل أن تنزل إلى شأن الداخل.

يجلس أمام خلفية زرقاء، بالثوب والشال والجنبية وخاتم العقيق في الخنصر، ويحرّك سبابته وهو يتكلم، ولا يبتسم. الهدوء هنا مقصود، فهو يخفض صوته ثم يرفعه عند عبارة بعينها ليُشعل بها القاعة. ومن شاهد أمين "حزب الله" الراحل حسن نصرالله يعرف من أين جاء هذا الأسلوب: النبرة والإيماءة وتوقيت الصمت والخلفية، حتى الخاتم.

وقد تغير خطابه بتغير موقعه. في الأعوام الأولى كان خطاب أقلية مظلومة: زيدية مهمّشة وسلفية تزحف من الحدود. وبعد 2011 لبس عباءة الثورة الشعبية: الفساد والشراكة وأسعار الوقود. وبعد 2015 ظهر الوجه الثالث: الولاية، أي أن الحكم حق لأهل البيت، وهو ما لا يعلنه بالوضوح ذاته أمام كل جمهور.

وللخطاب لغتان. في المنابر الريفية لغة دينية حادة تقسم الناس إلى موالين ومنافقين، وفي المنابر الموجهة إلى الخارج لغة ثورة شعبية تدعو إلى الشراكة والتعايش، ويُشرح فيها الشعار الذي يصرخ به الأنصار بعبارات سياسية مهذبة. ومفرداته قليلة يكررها بإصرار: "العدوان" و"المرتزقة" و"الاستكبار"، لتجمع الأعداء المتفرقين في عدو واحد. وهو لا يكاد يسمّي الحكومة اليمنية باسمها، لأن الاسم يمنحها وجوداً.

وأسلوبه المفضل أن يعلن الخطوة ولا يفصّلها، فيترك السامعين ينتظرون. هدد عام 2014 بتصعيد "مزعج"، وقال عام 2023 إن مرحلة الهدوء "لن تطول"، وقال هذا العام إن اليمنيين "يردّون الوفاء بالوفاء" لإيران في حربها.

ويُقال إن كثراً يتابعونه ليعرفوا ما تنوي الميليشيات فعله أكثر مما يتابعونه ليصدقوه. وتظل نواة الخطاب ثابتة تحت تبدل الثوب: عدو خارجي، ومظلومية، وحق في الحكم.

ولخطبه تقويم. لم يكن اليمنيون يعرفون "يوم الولاية" قبل أن تحييه الميليشيات بعد 2014، ولا "يوم الصرخة"، ولا "ذكرى الصمود". صارت كل مناسبة موعداً لخطاب، وكل خطاب مناسبة لحشد في الساحات.

 

وثمة ما لا يقوله. قلّما يخوض في تفاصيل المفاوضات، وقلّما يذكر إيران، ولا يقترب من حياته الشخصية. خطاب يتحدث عن كل شيء إلا عن المتحدث. ومن يحرص على صورة الرمز يفعل ذلك، لأن الكلام عن النفس يُنزل الرجل من علياء القداسة إلى مستوى البشر.

قراءة نفسية

لم يقابله أحد ليحلل، وما يلي قراءة لسلوك وخطاب ووقائع، وهي لا تدّعي أن تكون تشخيصاً. حاول بعضهم أن يقرأه بمفاتيح فرويد ويونغ، فحدثونا عن نرجسية وإسقاط وعقدة أب، وبلغ بعضهم حد وصفه بشخصية عصابية لا تتطور.

أول ما يلفت أنه اصطُفي مبكراً: اختاره أب مهيب فتجاوز رجالاً أكبر منه، فصار الولاء عنده ديناً، وصار إثبات الأهلية أمام من تجاوزهم هاجساً لا يهدأ. ولعل هذا ما دفعه إلى تقديم أقرانه على رجال جيل أخيه.

ثانياً: انضباط انفعالي غير عادي: هدوء لا يتصدع، وغياب الابتسامة، وصوت يُرفع بحساب. من عرفوا الميليشيات عن قرب يصفونه بالبراغماتي البارد، القاسي حين يلزم.

ثالثاً: القدوة، قائد لم يتتلمذ إلا على أب وأخ، وجد في الراحل حسن نصرالله نموذجاً جاهزاً فسار عليه حتى في الخاتم، ولعل هذا يفسر سرعة تشكل صورته وصعوبة تغييرها.

 

 

رابعاً: الحذر، حياة كلها غياب، وحلقة صغيرة، ووسطاء بينه وبين العالم. وقد قُتل قادة لجماعات حليفة، فصار الحذر ضرورة أمنية بحكم الوقائع. لكن ثمنه أن الرجل يرى الدنيا من ثقب ضيق.

خامساً: الظلامة، سيرة الأسرة سلسلة جراح: أخ قُتل، وبيوت قُصفت، وست حروب. ومن بنى شرعيته على مظلوميته يعسر عليه أن ينتقل إلى موقع من يُسأل.

الصورة التي نرجحها إذن رجل صنعته ثلاثة أشياء: أب اختاره، وأخ ترك له مشروعاً، وحرب علّمته أن البقاء نصر.

وحتى اسمه يحمل انقساماً. يُنادى "السيد"، وهذا نسبه الموروث، ويُنادى "القائد"، وهذا موقعه المكتسب، ويُكنّى بـ"أبي جبريل"، وهي كنية اختارها اسماً حركياً. ثلاثة أسماء لرجل واحد: واحد للنسب وواحد للسلطة وواحد للخفاء.

طهران وبيروت

تنفي الميليشيات أن تكون أداة إيرانية، وتقول طهران إنها لا تتحكم بقرار الحوثيين. والأقرب إلى الصواب أن الأمر أعقد من الاتهام والنفي: فالميليشيات لم تصنعها إيران وحدها، ولم تكبر من دونها.

بدأت الصلة مبكراً. زار الأب طهران وبيروت، وأرسل الأخ طلاباً إلى قم، وردّد الابن شعاراً استعاره أخوه من الثورة الإيرانية، وتعلّم من طهران و"حزب الله" كيف تتحول حركة دينية ريفية إلى جسم سياسي عسكري. وحين بلغت الميليشيات مرحلة الحرب الكبرى وجدت في طهران مصدراً للسلاح والخبرة والمال، وفي الحزب مدرسة في القيادة والإعلام، وقد انطلقت قناة المسيرة من بيروت.

لكن العلاقة أقرب إلى شراكة غير متكافئة منها إلى علاقة آمر بمأمور. فطهران، على ما يبدو، لم تتحكم بقرار الميليشيات، وكانت تنظر أحياناً بقلق إلى قراراتها الكبيرة، من الزحف على صنعاء إلى التقدم نحو عدن ومأرب. والحوثي نفسه قلّما يذكر إيران في خطبه ويترك الحديث فيها لغيره، لأنه يدرك أن صورته قائداً يمنياً مستقلاً رأس ماله الأثمن.

وقد تبدل ميزان هذه العلاقة في الأعوام الأخيرة. ضُربت أذرع إيران في المنطقة، وتراجع "حزب الله" وقُتل قادته، فصار الحوثيون في نظر المراقبين أكثر حلفاء طهران قدرة على الصمود، وارتفع وزنهم داخل ما يسمى "محور المقاومة".

وفي حرب هذا العام، بعد الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، دخلت الميليشيات ساحة الصراع بإعلان وفاء وبسلاح. فهل تحل محل "حزب الله"؟ السؤال مفتوح، فالبيئتان مختلفتان والتركيبتان مختلفتان. لكن وزنها الاستراتيجي ازداد بلا شك، وازداد معه ما تطلبه منها طهران وما تطلبه هي من طهران.

ويبقى الفارق المذهبي حاضراً. الميليشيات زيدية الأصل والدولة التي تسندها اثنا عشرية، وقد أوجد ذلك في الأعوام الأخيرة توتراً خفياً داخل البيت الحوثي حول ما إذا كان المذهب يُصان أو يذوب في نموذج أوسع. وبدأ الأنصار يحيون مناسبات لم تكن يمنية المنشأ، كالغدير وعاشوراء، وتُظهر ذلك صور الساحات.

نقاط القوة

أول ما يملكه: الصبر، اختفى بعد 2004 وأعاد بناء جماعته تحت الحصار، وخاض ست حروب دون أن يهزمه صالح، وبعد ضربة 2015 راهن على أن خصومه يستطيعون إشعال الحرب ولا يستطيعون إنهاءها. رجل لا يستعجل، وقد ربح بذلك كثيراً.

ثانياً: الاستهانة به، حين تسلم القيادة لم يره أحد مرشحاً جدياً، وكان يُنظر إليه حارساً لأخيه. هذه الاستهانة منحته أعواماً لم يكن فيها هدفاً أول، وأتاحت له أن يقدّم رجاله على رجال جيل حسين بهدوء. من يستهين به الخصوم يكسب زمناً لا يكسبه صاحب الاسم اللامع.

ثالثاً: بناء الأجهزة، وإلى جانب القتال أقام مجلساً عسكرياً وجهاز أمن وقائي ونظام مشرفين وهيئة تعبئة وآلة إعلامية تتحكم بالشاشات والإنترنت في مناطقه. ومن قوته مرونته أيضاً: رقّى قادته بالنتائج لا بالنسب، وتحالف مع من خالفهم مذهبياً ثم انقلب عليهم حين تغيرت الحسابات. أما غيابه المحسوب فقد حماه حياً بينما سقط قادة في جماعات أخرى، ومنحه هيبة من لا يُرى.

وأخيراً لغة قريبة من الناس: لهجة يمنية بسيطة تصل إلى من لم يدخل مدرسة، وقد دخل هو مدرسة الحرب فقط.

نقاط ضعفه

أبرز نقاط ضعفه أقلها تداولاً.

أولها: مفارقة الوراثة التي مرّت في فصل البيت. وتليها العزلة: قائد لا يرى الواقع إلا عبر وسطاء وشاشات قد يقع في فقاعة معلومات، وهو خطر معروف في القيادات المتحصنة، ويزداد كلما اتسعت الجبهات.

ومن نقاط الضعف أيضاً الفجوة بين الشعار والفعل، ترفع الميليشيات شعار "الموت لأميركا"، وتتحدث روايات عن لقاء جمع مسؤولين منها بمسؤولين في السفارة الأميركية لدى عُمان، أبلغوهم خلاله أنهم لن يغلقوا باب المندب أمام السفن الأميركية. لم يتأكد ذلك من مصدر ثانٍ فيبقى رواية، لكن كثيراً من اليمنيين يعتقدون أن ما يقوله الحوثي يخالف ما يفعله.

وتضيق القاعدة الاجتماعية للجماعة عن مساحة نفوذها. الزيديون نحو ثلث اليمنيين بحسب تقديرات متداولة، والحوثيون فرع من هؤلاء، وعدد السنة أكبر. جماعة تحكم مناطق واسعة على قاعدة عقائدية محدودة، وقد ظهرت صراعات بين مشرفي الشمال والنخب المحلية في إب والحديدة.

ويضاف إلى ذلك الانزياح العقائدي والاعتماد الخارجي. اقتربت الميليشيات من ولاية الفقيه ومن طقوس الاثني عشرية على رغم أصلها الزيدي، وسجنت علماء زيديين انتقدوا ذلك، وارتبط مسارها بحسابات إيران التي قد تنقطع مع تشديد الحصار. وفوق ذلك بنية تستمد تماسكها من الحرب. جماعة لا تعرف خطاباً سوى المواجهة قد تجد عسراً في إدارة السلم.

وفي نجاحه ما يشبه الفخ. الرجل الذي بنى نفوذه على أنه لا يُرى ولا يُطاول صار أكبر أهداف خصومه. وكلما اتسع دور الميليشيات في الإقليم زادت الأخطار على شخصه، وزاد اعتمادها عليه في الوقت نفسه.

الحصيلة الإنسانية

رأينا سابقاً كيف بقي الرجل وكيف قويت جماعته. وسنتابع هنا ما دفعه غيره في المقابل، استناداً إلى ما وثقته الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية. وتنفي الميليشيات كثيراً مما ورد في هذه التقارير أو تردّه إلى ظروف الحرب، وتُذكر ردودها حيث توافرت.

الأطفال والمخيمات

قال فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في تقريره السنوي إلى مجلس الأمن مطلع عام 2022 إنه تلقى قائمة بأسماء 1406 أطفال جنّدتهم الميليشيات وقُتلوا في المعارك عام 2020، وأخرى بأسماء 562 طفلاً قُتلوا بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2021، أعمارهم تراوحت بين 10 و17 سنة. وأضاف الخبراء أن الجماعة استخدمت مخيمات صيفية عدة ومسجداً لنشر عقيدتها وتجنيد الأطفال، وأن صغاراً في السابعة من العمر تعلموا في أحد المخيمات تنظيف السلاح والاحتماء من الصواريخ.

ودعا الخبراء جميع أطراف النزاع إلى الكف عن استخدام المدارس والمخيمات والمساجد في تجنيد الأطفال، وأوصوا بفرض عقوبات على من يفعل ذلك. وتخص الأرقام عامين بعينهما، ولا تغطي الأعوام التي سبقتهما أو تلتهما.

النساء

بحسب منظمة العفو الدولية، شددت سلطات الجماعة منذ أبريل (نيسان) 2022 على اشتراط أن يرافق المرأة محرم، أو أن تحمل موافقة مكتوبة من وليها، حين تسافر في مناطق سيطرتها، ومنها صعدة وذمار والحديدة وحجة وصنعاء. ولا ينص القانون اليمني على هذا الشرط.

 

 

وأفادت "هيومن رايتس ووتش" في فبراير (شباط) 2023، نقلاً عن رسالة وجّهها خبراء أمميون إلى الميليشيات، بأن هيئة تنظيم النقل البري وسّعت القيود في أغسطس 2022 حتى شملت السفر داخل مناطق الميليشيات وإلى مناطق الحكومة وإلى خارج البلاد. ونقلت العفو الدولية عن امرأة في الـ35 أوقفها حاجز أمني في صنعاء ست ساعات وهي في طريقها إلى عدن.

ويقول خبراء استطلعت العفو الدولية آراءهم إن العاملات في المجال الإنساني اللواتي لا يجدن محرماً يعجزن بصورة متزايدة عن أداء عملهن. وتقول منظمة مواطنة اليمنية لحقوق الإنسان إن القيود على النساء تتصاعد منذ عام 2017، ونساء وفتيات حُرمن من الرعاية الصحية الإنجابية ومُنعن من العمل في بعض المحافظات وأُجبرن على الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة.

الخمس

ويبدو الخمس أوضح ترجمة قانونية للولاية التي لا يعلنها الرجل في خطبه بالوضوح ذاته أمام كل جمهور. ففي عام 2020 أُدخلت تعديلات على لائحة قانون الزكاة اليمني، وبموجبها اقتُطعت نسبة 20 في المئة من الموارد الطبيعية كالنفط والغاز والأسماك، وصار جزء من الحصيلة يذهب إلى من يُعرفون بالهاشميين، بحسب ما نقلته وكالة "بلومبيرغ".

ويذكر مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أن الخمس لم يُطبَّق في الجمهورية اليمنية قبل ذلك، وأن مشروع قانون للزكاة يتضمن الخمس عُرض على مجلس النواب في مطلع 2018 فرفضته غالبية نواب المؤتمر الشعبي العام. ويرى المركز أن الخطوة تستعيد تمييزاً طبقياً عرفته الإمامة الزيدية قبل ثورة 1962، حين تمتعت الأسر الهاشمية بامتيازات خاصة. وتصف سلطات الميليشيات اللائحة بأنها توسيع لقانون الزكاة الصادر عام 1999، ودافع عنها أنصارها.

المحتجزون والبحر الأحمر

وتتسع قائمة المحتجزين في مناطق الميليشيات. ففي بيان مشترك في يونيو (حزيران) الماضي قالت "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية والمعهد القاهري لدراسات حقوق الإنسان إن 73 موظفاً أممياً وعشرات العاملين الإنسانيين اليمنيين ظلوا رهن الاحتجاز حتى فبراير الماضي، في حملة بدأت نهاية مايو 2024 وأُفرج خلالها عن سبعة فقط. ولا علم لمصادر "هيومن رايتس ووتش" بأن أياً منهم التقى بمحام، وقد أُحيلت قضايا ثلاثة من الموظفين الأمميين إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في ديسمبر 2025.

وتقول المنظمات إنها، ومعها فريق الخبراء الأمميين البارزين السابق، وثّقت استخدام الجماعة التعذيب لانتزاع المعلومات والاعترافات، وكان موظف في برنامج الأغذية العالمي قد توفي أثناء احتجازه.

وخلصت "هيومن رايتس ووتش" في يناير الماضي إلى أن الاحتجازات فاقمت أزمة إنسانية متردية أصلاً، وكانت الأمم المتحدة قد علّقت أنشطتها في صعدة في فبراير 2025 بعد احتجاز ستة من موظفيها هناك.

 

 

أما في البحر الأحمر، الذي أعاد الجماعة إلى الواجهة الدولية، فقد قُتل في يوليو (تموز) 2025 أربعة بحارة حين هاجمت زوارق وطائرات مسيّرة السفينة "إيتيرنيتي سي"، وهي ليبيرية العلم يونانية التشغيل، قبالة اليمن، وكان طاقمها من 21 فليبينياً وروسي. وبهذا بلغ عدد البحارة الذين قُتلوا في هجمات البحر الأحمر ثمانية، بحسب "رويترز". وكانت الميليشيات قد أعلنت قبل ذلك بساعات مسؤوليتها عن إغراق سفينة أخرى هي "ماجيك سيز" دون سقوط ضحايا، ووصف أحد مسؤوليها الهجوم بأنه رسالة ردع لدول وشركات تتعامل مع إسرائيل.

وتشير "رويترز" إلى أن السفينتين تنتميان إلى أساطيل زارت سفن أخرى منها موانئ إسرائيلية، بينما قال مدير في إحدى شركتي إدارة "ماجيك سيز" إن رحلتها بين الصين وتركيا لا صلة لها بإسرائيل.

من يخلفه؟

لا آلية معلنة للخلافة. وقد انتقلت القيادة منذ 2004 داخل الأسرة الواحدة. فمن يختار الخليفة، وبأي معيار؟

يُتداول عدد من الأسماء، أولها عمه عبدالكريم، وزير الداخلية، الذي يكبره بنحو 14 عاماً، ويُقال إنه اختاره ليخلفه، ولم يؤكد ذلك مصدر ثانٍ. وثانيها محمد علي الحوثي، الذي مرّ ذكره، ويشرف على المشرفين في المحافظات. وثالثها شقيقه عبدالخالق، القائد العسكري في صنعاء. ورابعها شقيقه يحيى الذي كان وزيراً للتعليم وأُقيل. وفي الصف العسكري يوسف المداني وأبو علي الحاكم. ولا أحد من هؤلاء يجمع الشرعية الدينية والسلطة الميدانية معاً، وهنا معضلة الخلافة.

الضغوط

غيّرت الضربات الإسرائيلية صورة السؤال. قُتل عام 2025 رئيس حكومته ورئيس أركانه وقائد وحدة الصواريخ والمسيّرات، وأعقبت ذلك حملة داخلية على من اتُّهموا بالاختراق، وطُلب من زعماء القبائل قسم جديد للولاء، واحتُجز موظفون في الأمم المتحدة بتهمة التجسس.

وتضغط على الميليشيات تحديات أخرى: تراجع عوائد الوقود التي كانت تشكل نحو نصف دخلها، وفتور شعار التضامن مع غزة بعد وقف إطلاق النار، وجيل شاب يراوح ما بين الالتزام الأيديولوجي والانفتاح على أفكار أخرى، ونخبة قديمة راكمت ثروات فتراجعت روحها.

السيناريوهات

ثلاثة سيناريوهات للخلافة، ولا دليل يرجح واحداً منها. الأول خلافة عائلية سلسة إلى عبدالكريم أو محمد علي، تحفظ استمرار الحكم وتُضعف الكاريزما. والثاني توزع السلطة بين الأجنحة، فيبقى أحدهم واجهة دينية وتبقى القرارات بيد المجلس العسكري الأمني، وهو يناسب البنية الشبكية للجماعة.

والثالث أصعبها، صراع مفتوح بين الأجنحة حين يغيب الرجل، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية. وفي كل الحالات يبقى الإشكال الذي بدأنا به: قائد بنى شرعيته على مكانته الشخصية لا يترك مؤسسة تنظم غيابه.

ومما يقلّ ذكره أن الميليشيات حافظت على طابعها العائلي وأبقت مع ذلك للرفاق من غير الأقارب مواقع حقيقية، ومنحت القادة الميدانيين سلطة واسعة، فصار للمقاتل في الجبهة ولاء لقائده المباشر يفوق ولاءه للمركز، وهذا ما جعل الميليشيات صعبة الاختراق وصعبة التفكيك.

الغد

يقف الرجل اليوم عند مفترق لا يملك مفاتيحه وحده. توسع جماعته على الساحل وجزر باب المندب يمنحها ورقة استراتيجية يصعب تجاهلها، ويمدّ في الوقت نفسه خطوط إمدادها ويوسع مساحة الأهداف أمام خصومها. والحرب الإقليمية تجعل مصيرها مرتبطاً بحسابات طهران أكثر من أي وقت مضى. وفي الداخل تجمع الميليشيات بين تعبئة دائمة ومجتمع منهك.

والرجل الذي بنى بقاءه على الغياب والتوقيت يواجه اليوم جغرافيا أكثر انكشافاً.

في قرى صعدة الجبلية، قبل نحو 40 عاماً، كان صبياً يمشي خلف أبيه في الطرق الوعرة، ممسكاً بطرف ثوبه. يرى الرجل الكبير يفضّ النزاعات ويعلّم الفقه ويعود مساءً إلى بيت متواضع.

لا نعرف عن ذلك الصبي أكثر مما قيل، ولا نعرف كم يشبه الرجل الذي صار إليه. وما نعرفه أن كل ما حصّله لاحقاً مرّ عبر أحد سبقه: مكانة أبيه، ومشروع أخيه الذي كان حارسه، ونموذج نصرالله في الخطابة. وحين بنى سلطته الخاصة وزّع شبكة القرابة على مفاصل الحكم، وأدارها من غرفة لا يعلم أحد مكانها.

وصار اليوم هو الثوب الذي تتشبث به ميليشيات كاملة: أنصار يرفعون صورته، وقادة يدينون له بمواقعهم، وأقارب يقفون على الأبواب. وإلى جانبهم من تقول التقارير إنهم دفعوا الثمن: أطفال جُنّدوا في المخيمات وقُتلوا في الجبهات، ونساء يشترط عليهن محرم كي يسافرن، وموظفون أمميون لا يزالون رهن الاحتجاز بحسب آخر ما نُشر، وبحّارة قُتلوا في البحر الأحمر.

وعلى جدران صنعاء لا تزال الصورة العابسة تحدّق في المارة. فمن سيمسك بطرف ثوب صاحبها حين يغيب؟ وجوابه هو ما سيحدد إن كانت الحكاية التي بدأت في غرفة خافتة الإضاءة عام 2009 ستنتهي بشريط آخر يعلن أنه لا يزال هنا، أم بغياب لا يعلنه أحد.

اقرأ المزيد

المزيد من بيوغرافيا