Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"استقالات الحرب"... معلمون وممرضون يغادرون وظائفهم في إيران

تدني الرواتب واتساع الفجوة بين الدخل وكلف المعيشة يدفعان مزيداً من العاملين بالقطاعين إلى الاستقالة

تأتي موجة استقالات المعلمين والممرضين في وقت كان قطاعاً التعليم والصحة يعانيان في الأساس (أ ف ب)

ملخص

لم تنشر وزارة الصحة الإيرانية حتى الآن إحصاءات دقيقة عن أعداد الممرضين الذين قدموا استقالاتهم، إلا أن منظمة نظام التمريض كانت أعلنت سابقاً استقالة نحو 1500 ممرض خلال عام واحد.

تمتلئ شبكات التواصل الاجتماعي الناطقة بالفارسية، هذه الأيام، بمقاطع فيديو لمعلمين وممرضين يتحدثون عن استقالاتهم في أحد التداعيات المباشرة للحرب. ونشر أحد المعلمين مقطع فيديو من آخر يوم له في الفصل الدراسي بعد سنوات من التدريس، فيما يتحدث أحد الممرضين عن مناوبته الأخيرة، موضحين أن اتخاذ هذا القرار لم يكن سهلاً، لكنهم لم يجدوا أمامهم خياراً سوى الاستقالة، ويظهر بعضهم أمام الكاميرا وهم يحملون استقالاتهم، ويقولون إن تدني الرواتب والمشكلات المعيشية جعلتهم غير قادرين على مواصلة العمل.

وتأتي موجة استقالات المعلمين والممرضين في وقت كان قطاعاً التعليم والصحة يعانيان، حتى قبل ذلك، نقصاً حاداً في الكوادر، فيما سيواجه القطاعان الآن أزمة مضاعفة مع ترك المعلمين والممرضين العاملين وظائفهم. وإلى جانب ذلك، لا ينبغي تجاهل التداعيات الإنسانية والاجتماعية الناجمة عن ترك المعلمين والممرضين أعمالهم.

وينكر مسؤولو النظام الإيراني ووسائل إعلامه وجود موجة استقالات في صفوف الممرضين والمعلمين، أو يقللون من حجمها ويحصرونها في عدد محدود من الأشخاص. ومع ذلك، تشير مقاطع الفيديو التي نشرها المعلمون والممرضون، إلى جانب روايات العاملين والناشطين في هذين القطاعين، إلى أن السبب الرئيس وراء هذه الاستقالات هو الفجوة الكبيرة بين الدخل وكلف المعيشة.

وفي ظل الارتفاع الحاد في كلف السكن والغذاء والمواصلات وغيرها من النفقات اليومية، واقتراب كلفة سلة المعيشة من 400 دولار، لا يتجاوز متوسط ما يتقاضاه عدد كبير من المعلمين والممرضين 120 دولاراً، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتغطية إيجار مساكنهم. وفي مثل هذه الظروف، فقدت مهنتا التعليم والتمريض، بما تنطويان عليه من مسؤوليات جسيمة وضغوط نفسية مرتفعة واستنزاف مهني كبير، جدواهما الاقتصادية، إلى حد دفع بعض العاملين فيهما إلى الاستنتاج بأن التخلي عن مهنة أمضوا سنوات في التأهل لها أقل كلفة من الاستمرار في العمل بالدخل الحالي.

في أحد مقاطع الفيديو التي أعيد تداولها على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، أعلن معلم، من داخل الفصل الدراسي، انتهاء مسيرته المهنية بعد 12 عاماً من التدريس. وفي مقطع آخر، يقول معلم أمام الكاميرا، "استقلت من وزارة التربية والتعليم إلى الأبد"، فيما تحدث معلم آخر، أمام مبنى إدارة التربية والتعليم في مدينة تايباد، انتهاء عمله في القطاع.

وتحدث معلم نشر خبر استقالته على صفحته الشخصية عن تجاوز الخوف والبدء من جديد، وكتب أنه بات عليه الآن أن يبني مساراً جديداً من الصفر، ثم ظهر مدرس رياضيات معلناً تركه مهنة التعليم بعد 23 عاماً من العمل، وشرح معلم شاب آخر سبب قراره ببساطة، قائلاً إن ما يتقاضاه لم يكن يكفي حتى لتغطية كلف تنقله إلى مكان العمل.

ونشر ممرضون، خلال الأيام الأخيرة، مقاطع فيديو عدة أعلنوا فيها استقالاتهم. ومن بينهم ممرض شاب كتب تزامناً مع إعلان استقالته، أنه يبكي على السنوات التي أهمل خلالها نفسه وحياته الشخصية، وأمضى جزءاً مهماً من سنوات مراهقته وشبابه في الدراسة أولاً، ثم العمل في المستشفى.

وتحدث ممرض آخر عن الخوف الذي منعه مدة طويلة من الاستقالة، وكتب أنه بعدما تجاوز هذا الخوف، مضى أخيراً في تنفيذ قراره. وفي مقاطع فيديو عدة، تحدث ممرضون كذلك عن المناوبة الأخيرة والمريض الأخير، وودعوا أماكن عملهم.

وتشير روايات ناشطين نقابيين في قطاع التمريض إلى أن هذه القرارات لا تقتصر على عدد قليل من مقاطع الفيديو التي حظيت بمشاهدات واسعة. ففي قناة على "تيليغرام" تتابع القضايا النقابية للممرضين في أذربيجان الشرقية، كتب أحد الناشطين في هذا المجال أن ما لا يقل عن سبعة أو ثمانية ممرضين، ممن تزيد خبرتهم على 12 عاماً، تواصلوا معه خلال شهر أو شهرين فحسب، وأبلغوه بأن الاستمرار في ظل الظروف الراهنة لم يعد ممكناً بالنسبة إليهم، وأنهم لا يرون أمامهم خياراً سوى الاستقالة.

وأشار إلى الضغوط الإدارية، واقتطاع مستحقات الحوافز، وإلغاء المناوبات، والإجراءات التأديبية، وضغوط العمل، بوصفها جزءاً من العوامل التي تدفع العاملين إلى الاستقالة أو الهجرة أو البقاء في المنازل.

من الهجرة إلى الاستقالة

تشير روايات الناشطين النقابيين إلى أن مقاطع الفيديو التي ينشرها بعض الممرضين عن استقالاتهم وتركهم العمل ليست سوى قمة جبل الجليد، وأن وراء هذه المشاهد اتجاهاً أوسع لترك المهنة والهجرة، بل وحتى إحجام بعض خريجي التمريض عن دخول سوق العمل.

وقال الأمين العام لـ"بيت التمريض"، محمد شريفي مقدم، في تعليقه على مقاطع الفيديو التي ينشرها الممرضون عن استقالاتهم، لصحيفة "بيام ما"، إن قسماً من العاملين في هذا القطاع لم يعد لديهم أمل في تغير الأوضاع، وخلصوا إلى أن الظروف الراهنة لمهنة التمريض غير قابلة للإصلاح، ولا يرون أفقاً لتحسنها.

وبحسب شريفي مقدم، فإن هذا اليأس دفع الآن حتى ممرضين يتمتعون بسنوات عدة من الخبرة إلى اتخاذ قرار ترك المهنة، مفضلين اختيار مسار مهني آخر.

ولم تنشر وزارة الصحة حتى الآن إحصاءات دقيقة عن أعداد الممرضين الذين قدموا استقالاتهم، إلا أن منظمة نظام التمريض كانت أعلنت سابقاً استقالة نحو 1500 ممرض خلال عام واحد. ومع ذلك، يرى الأمين العام لبيت التمريض أن هذا الرقم لا يمكن أن يعكس الصورة الحقيقية لترك المهنة. فنظام الصحة في إيران يضم أنماطاً متعددة من علاقات التوظيف، والاستقالة ليست سوى إحدى صور خروج القوى العاملة من هذا النظام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن الممرض الذي يترك العمل في منتصف فترة الخدمة الإلزامية أو يغادر البلاد لا يسجل بالضرورة ضمن إحصاءات الاستقالات، وقد لا يعود العامل بعقد مع شركة بعد انتهاء عقده الممتد ستة أشهر أو عاماً، من دون أن يدرج اسمه في قوائم المستقيلين. وأضاف، "كذلك تعد الهجرة وعدم تجديد العقود وترك فترة الخدمة وحتى إحجام الخريجين الجدد عن الالتحاق بالمستشفيات أشكالاً أخرى لخروج الكوادر، لكنها لا تظهر في الإحصاءات الرسمية تحت بند الاستقالة".

ويحدث ذلك في وقت تعاني فيه المستشفيات بالفعل نقصاً في الممرضين، وهنا أرجع مقدم تلك الاستقالات إلى تدني الأجور مقارنة بحجم العمل والمسؤوليات، وساعات العمل الإضافية المرهقة، والتمييز في المدفوعات، وانعدام الأمن الوظيفي، وفقدان الثقة بوعود المسؤولين، وأخيراً تلاشي الأمل في إصلاح الأوضاع، مشدداً على أن الممرضين اليوم، بدلاً من التعويل على الاحتجاج والتجمع، باتوا أكثر اقتناعاً بأن الاحتجاج لا يفضي إلى نتيجة.

وأكد رئيس بيت التمريض في كرمانشاه، داوود خسروي، في حديث إلى موقع "ركنا"، الارتفاع الملحوظ في استقالات الممرضين وهجرتهم، معتبراً أن أحد أبرز أسباب ذلك هو الفجوة بين المسؤولية المهنية وما يتقاضاه العاملون.

وبحسب خسروي، فعلى رغم حجم العمل الكبير والمسؤوليات، يبلغ الدخل الفعلي لكثير من الممرضين نحو 92 دولاراً شهرياً، وهو أقل حتى من مبلغ نحو 112 دولاراً المثبت في قرار الراتب. وفي معرض إشارته إلى هذه الفجوة، تساءل خسروي كيف يمكن توقع أن يكون ممرض يتحمل هذا المستوى من المسؤولية وضغوط العمل راغباً في مواصلة العمل في مهنته مقابل هذا الدخل.

المعلمون... ترك التدريس وتوديع الفصول الدراسية

أما المعلمون، الذين واجهوا طوال السنوات التي أعقبت الثورة الإسلامية تدني الأجور والتمييز، فيواجهون الآن، أكثر من أي وقت مضى، مشكلات معيشية وغياب التناسب بين الرواتب التي يتقاضونها ونفقات الحياة، وهو مما أدى إلى استقالة عدد ملحوظ منهم.

وأكد المجلس التنسيقي للتنظيمات النقابية للمعلمين، وجود مقاطع فيديو وتقارير متعددة عن استقالات معلمين من ذوي الخبرة في مناطق مختلفة من إيران، معتبراً أن هذا الاتجاه ناجم عن مجموعة من الضغوط الاقتصادية والمهنية والإدارية. وشدد على أن عدداً من المعلمين الذين عملوا سنوات في وزارة التربية والتعليم لم يعودوا، في ظل الظروف الراهنة، قادرين على مواصلة العمل، واضطروا إلى ترك مهنة أمضوا سنوات يعملون فيها.

وبحسب رواية المجلس التنسيقي، يعد تدني الرواتب والأجور مقارنة بكلف المعيشة، وتفاقم الضغوط المعيشية، وتزايد البيروقراطية والأعباء الإدارية، وتراجع التركيز على العملية التعليمية، فضلاً عن الإجراءات التأديبية والأمنية في حق بعض الناشطين النقابيين، من أبرز العوامل التي فاقمت حال الاستياء بين المعلمين.

ورفض المجلس رواية مسؤولي وزارة التربية والتعليم الذين نسبوا نشر مقاطع فيديو الاستقالات إلى "تحريض العدو"، مؤكداً أن جذور هذا الوضع ينبغي البحث عنها في الظروف الاقتصادية والهيكلية السائدة في قطاع التربية والتعليم.

ولتوصيف الظروف التي يواجهها المعلمون، يمكن الاستناد إلى مقطع فيديو نشره معلم في رفسنجان، يقول فيه إنه عمل مدة أربعة أعوام بعيداً من مكان إقامته، وعلى رغم تقدمه مراراً بطلب نقله، فإنه لم يحصل على نتيجة. ويضيف المعلم، في إشارة إلى الفجوة بين الدخل وكلف المعيشة، "براتب يبلغ نحو 80 دولاراً، أصبح دفع إيجار السكن والأقساط وكلف التنقل واستهلاك السيارة ونفقات الحياة اليومية شبه مستحيل بالنسبة إلى معلم شاب".

وبحسب هذا المعلم، اتجهت الظروف الاقتصادية إلى حد دفع كثيرين إلى التفكير في ترك وظائفهم أو الاستقالة أو مغادرة قطاع التربية والتعليم.

وفي السياق ذاته، وصف المتخصص في شؤون التعليم، محمد رضا نيك نجاد، في حديث إلى "خبر أونلاين"، الاستقالات المنشورة بأنها ليست سوى قمة جبل الجليد، موضحاً أن متوسط ما يتقاضاه معلم لديه نحو 15 عاماً من الخبرة يبلغ قرابة 100 دولار، في حين تراوح كلف معيشة أسرة في مدينة متوسطة بين 240 و300 دولار شهرياً. وبحسب نجاد، فإن هذه الفجوة بين الدخل وكلف المعيشة جعلت الاستمرار في العمل بقطاع التربية والتعليم أكثر صعوبة بالنسبة إلى المعلمين.

وعلى رغم انتشار مقاطع الفيديو هذه وروايات الناشطين النقابيين، شكك المسؤولون ووسائل الإعلام الحكومية في اتساع موجة استقالات المعلمين والممرضين. ووصف وزير التربية والتعليم علي رضا كاظمي، في تعليقه على مقاطع الفيديو المنشورة في شأن استقالات المعلمين، الأمر بأنه ادعاء، وقال إنه لا يتطابق مع الواقع.

وزعم كاظمي أن تصريحات لأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي أعيد تداولها على نطاق واسع خلال الأيام الأخيرة، على رغم أنهم ليسوا معلمين أساساً ولا يملكون أي سجل عمل في الوسط التعليمي، وهو ما خلق انطباعاً بوقوع ظاهرة واسعة النطاق في قطاع التربية والتعليم.

واعتبر كاظمي أن نشر هذه المواد يثير القلق وانعدام الثقة في المجتمع، وقال، في إشارة إلى وجود نحو 650 ألف فصل دراسي في البلاد، إن مقاطع الفيديو هذه لا ينبغي اعتبارها صورة تعكس الوضع العام للمعلمين.

وفي الوقت ذاته، سعت وسائل الإعلام التابعة للحكومة إلى التشكيك في اتساع هذه الظاهرة، وقدمتها بوصفها نتيجة لتضخيمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام خارج إيران، أكثر من كونها انعكاساً لواقع واسع النطاق.

وكتبت وكالة "تسنيم" للأنباء، التابعة للحرس الثوري، في مقال تناول نشر مقاطع فيديو لأشخاص يتحدثون عن ترك مهنة التعليم، أن هذه المشاهد وحدها لا يمكن أن تثبت وجود استقالات واسعة النطاق، وأن إثبات مثل هذا الادعاء يتطلب نشر إحصاءات رسمية، ووضعت الوكالة، في معرض نقلها تصريحات وزير التربية والتعليم، نشر هذه المقاطع في إطار الحرب الإدراكية والإعلامية.

وكتبت صحيفة "جوان"، وهي وسيلة إعلام أخرى مقربة من الحرس الثوري، في مقال اتخذ منحى مماثلاً، أن ارتباط مقاطع فيديو الاستقالات بتاريخ طويل من المشكلات المعيشية التي يعانيها المعلمون أدى إلى انتشار هذه المواد وإعادة تداولها بسرعة، لكن لا يمكن الحكم على الوضع العام لقطاع التربية والتعليم استناداً إلى بضعة مقاطع. وطالبت الصحيفة بنشر إحصاءات دقيقة عن عدد الاستقالات النهائية، وأنواع علاقات التوظيف، وأسباب ترك الخدمة، وكتبت أن المشكلات المعيشية واستياء المعلمين أمران حقيقيان، لكن هذا الاستياء لا يعني بالضرورة نشوء موجة واسعة من الاستقالات.

وكان العضو السابق في لجنة الأجور التابعة للمجلس الأعلى للعمل، فرامرز توفيقي، قد احتسب سابقاً، استناداً إلى بيانات مركز الإحصاء ونموذج الحاجات الغذائية لمعهد التغذية، كلفة الحد الأدنى لسلة معيشة أسرة متوسطة مكونة من 3.3 أشخاص، خلال أغسطس (آب) الماضي، بنحو 367 دولاراً. ووفقاً لهذه الحسابات، تبلغ كلفة الغذاء وحده لمثل هذه الأسرة نحو 160 دولاراً شهرياً. وبذلك، فإن دخل المعلم أو الممرض، الذي يقل عن 120 دولاراً، أدنى حتى من كلفة الغذاء لأسرة متوسطة، وتفصله فجوة كبيرة عن كلفة سلة المعيشة.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات